#dfp #adsense

خاص ـ إيران بين الإهمال من الصين وروسيا.. وخيانة الأسد

حجم الخط

من يراقب التطورات الجيو سياسية الأخيرة في ملف علاقات إيران بكل من الصين وروسيا لا يستطيع إلا التوقف عند ظاهرتين متقاطعتين تعانيها إيران: ظاهرة إهمال الصينيين لها رغم اتفاقية الشراكة الموقعة بين طهران وبكين، وظاهرة إهمال الروس لدورها في ملف سوريا.

بالنسبة لظاهرة إهمال الصينيين لإيران يتبين الآتي:

أولاً: أجمعت وسائل الإعلام الغربية مؤخراً بإن إيران لم تتلقَّ من الصين الدعم الذي كانت تتوقعه منها. فالصين على سبيل مثال الأرقام، استثمرت إلى الآن في إيران بحدود ما قيمته 618 مليون دولار أميركي في مقابل استثمارها في السعودية قرابة 23 مليار دولار أميركي.

ثانياً: العام 2021 كانت طهران قد وقعت مع بيجين اتفاقية شراكة مدتها 25 سنة بقيمة بلغت 400 مليار دولار أميركي، وقد سرت التكهنات بأن الصين سوف تستثمر في مينائي شهابر جنوب شرق إيران وميناء آخر قريب من باكستان. لكن إيران لم تتلقَّ من الصين منذ العام 2021 أي شيء ينبىء أو يشير إلى بدء هذا الاستثمار الضخم، إذ لم تستثمر الصين بين عامي 2018 و2022 في إيران أكثر من 618 مليون دولار في قطاع البناء، علماً أن العمال صينيين وشركات البناء صينية والقدرة على تحقيق الأرباح تعود للصين، فلم تستطع طهران تحصيل أي مردود من هذه الاستثمارات.

ثالثاً: طهران منزعجة جداً من مواقف الصين السياسية والديبلوماسية الخارجيةـ إذ أن بيجين بدأت مؤخراً باعتماد استراتيجية مجاملة مع الدول العربية، ولا سيما الخليجية، في كافة مجالات التبادل والتعاون، كما وقفت بيجين بقوة ضد احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث وطالبت بضرورة تحريرها. يضاف إلى ذلك، الموقف الصيني الرافض لأي استثمار في جنوب شرقي إيران وجنوب غرب باكستان المرتبطة بمنطقة تشانغ جيانغ الصينية، بسبب أن النظام الإيراني ليس مستقراً في سياسته الخارجية.

أما بالنسبة لظاهرة إهمال الروس لإيران، فإن طهران تشعر بأن الروس لا يبادلونها الحماسة في العلاقات التي تريدها طهران تحالفية مع موسكو. فطهران سلّمت موسكو طائرات مسيّرة وأسلحة وعتاداً وخبرات عسكرية استخدمها الجيش الروسي في أوكرانيا، لكن موسكو لم ترد الجميل إلى الآن ولم تقدّم موسكو أي شيء.

الجديد في هذا السياق، أن اندفاعة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان باتجاه استئناف العلاقات مع رأس النظام السوري بشار الأسد، تأتي مدعومة من الروس من دون استشارة أو إشراك الإيرانيين في ذلك. من هنا، فإن طهران ممتعضة من تلك الاندفاعة وأبلغت الأسد امتعاضها ورفض إهمالها في هذا الملف، علماً أن العلاقات الروسية الإيرانية تعاني من أزمة تربو إلى مستوى أزمة ثقة منذ أن استأنفت إسرائيل هجماتها واستهدافاتها لمواقع وشخصيات وقيادات إيرانية ومن الحرس الثوري في سوريا، من دون أن تحرّك موسكو ساكناً ما زاد من حدة التوتر “الخفي” بينهما.

طبعاً للرئيس الروسي فلاديمير بوتين أسبابه في لعب ورقة المصالحة الأسدية التركية، ليس أقلها إحكام سيطرته على الورقة السورية والتحكم بمصالحه فيها، خصوصاً في حال حصول تطورات دراماتيكية في المنطقة تطال سوريا ووجوده فيها، فضلاً عن استهداف تطويع تركيا إلى جانبه لفصلها لاحقاً عن حلف الناتو.

إيران ليس من مصلحتها حصول التقارب السوري التركي بمعزل عنها، وبخاصة برعاية روسية، لما لمثل هذه المصالحة لو تمَّت من ارتدادات عليها وعلى مصالحها ليس أقلها إضعاف تأثيرها على بشار الأسد وضمان أمن حدود تركيا التي تريدها طهران دائمة التوتر على خلفية الوجود الكردي الذي تعتبره مهدداً لأمنها القومي وتقوية الوجود والنفوذ الروسي في سوريا. فطهران ترى في هذا الاستفراد الروسي التركي ببشار الأسد، إسقاطاً لمنصة أستانا بينها وبين تركيا وروسيا لصالح منصة جديدة سورية تركية روسية، ما يضرب مصالح إيران في سوريا.

طهران تمارس ضغوطاً على بشار الأسد لعدم الذهاب إلى ملاقاة أردوغان، وقد ضاقها أن يأتي التفرد الروسي بمصالحة أنقرة مع دمشق بعد الانفتاح “النسبي” العربي الخليجي، لا سيما الإمارات والمملكة العربية السعودية على الأسد بمعزل عنها، أيضا وبغاية إبعاده عن تأثير طهران عليه، وقد سبق وأبلغ المرشد الأعلى علي خامنئي بشار الأسد رفضه لهذا الانفتاح ناصحاً إياه بعدم الثقة به. من هنا يمكن فهم أسباب تأخر الأسد عن الاستجابة، وهو الواقع بين ضغط روسي بالذهاب إلى ملاقاة أردوغان وبين ضغط إيراني بالإحجام عن القيام بهذه الخطوة التي لا تحظى بموافقة طهران.

يضاف إلى حجم هذه التعقيدات، العلاقات الإيرانية الأسدية المتوترة مؤخراً على خلفية التجسس لصالح إسرائيل من داخل أجهزة النظام السوري، وقد جاء الكلام والكثير من الأسئلة المطروحة والشكوك حول مقتل لونا الشبل مستشارة الأسد بمثابة إحدى حلقات هذا التوتر، إذ وُضع في سياق أن النظام السوري انكشف أمام الإيرانيين فقرر التخلص من إحدى أهم من كان يسرب المعلومات حول تحركات واجتماعات القادة والكوادر الإيرانية الكبيرة في دمشق، إذ سرعان ما كانت إسرائيل تستهدفهم، على الرغم من اعتماد الحرس الثوري ومنذ قاسم سلبماني مبدأ “توزع الأهداف وتمويهها”، فكانت الاستهدافات الإسرائيلية تطاول الأهداف الإيرانية الحقيقية لا المموَّهة في الداخل السوري.

تلك العلاقات المتوترة بين إيران والأسد وبين إيران والروس في سوريا، والعلاقات الخائبة بين إيران والصين، ضف إليها ابتعاد الهند عن أي استثمار أو أية شراكة اقتصادية مع النظام الإيراني لانعدام الثقة بحكم الملالي، فذلاً عن استمرار العقوبات الدولية والغربية على طهران والتي تمنع عليها “الكاش” وبخاصة بالدولار الأميركي… كلها عوامل تطبق على الإيرانيين على أكثر من جبهة وفي أكثر من مجال، ما يؤكد وقوع طهران بين سندان حلفاء مفترضين لها كالصين والروس، وبشار الأسد… الأمر الذي يطرح أكثر من علامة استفهام حول كيفية خروجها من هذه “العزلة” إن صح التعبير من أقرب حلفائها أولا؟ لذا لن يكون مستغرباً إن لجأت إيران إلى الطرف الأكثر ضعفاً ألا وهو بشار الأسد الموصوم فريق حكمه بوصمة الخيانة، لتضغط عليه، ومن يدري ربما لاغتياله حتى، لمحاولة تعويم ذاتها في سوريا وفي نظر الصين والروس، واستعادة شيء من المبادرة التي يبدو أنها تفقدها إقليمياً كما في سوريا…​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل