.jpg)




بينما العولمةُ السياسية والمجتمعية والتعليمية والعلمية والصناعية والاقتصادية والتجارية والمصرفية والمالية، تكاد تحوِّلُ الكرة الأرضية بأطرافها وأطيافها إلى شبه قرية كونيةٍ ذات سيادة صوريَّةٍ استعراضية وحدود مبهمة ملتبسة بات ترسيمها أشبه برسمة لوحةٍ تجرديَّة، ما زالت هناكَ أمكنةٌ في الأرض خارجةً عن قانون فرزٍ إنسانيٍّ أخلاقيٍّ فكريٍّ معنويٍّ فيه من التطوُّر التكنولوجي بقدر ما فيه من الاستعباد الجسدي، وفيه من الحداثة المجنونة المتهوِّرة بقدر ما فيه مِن جاهليّة عصر الإنسان الآلي الأشدٍّ خطورة من عصر الإنسان الحجري وعصرِ مصانع الذكاء الاصطناعي الأكثر توحُّشًا من الإنسان البدائي.
ما زالت هناك أمكنةٌ جغرافيَّةٌ تجهدُ وتُجاهد للمحافظة على تاريخ ولادة الإنسانية جمعاء داخل مغارة بيت لحم وتاريخ فداء الإنسانية جمعاء فوق جبل الجلجلة. أمكنة يسكنها مَن على صورة وجوههم ومَن في مثاليات حياتهم كاملُ الإيمان وكمال اليقين بأن الله قد خلق الإنسان على صورتِه ومثاله!!
وادي قزحيا هو مُستندٌ موثوق موثَّق من مستندات ذلك الذي ليس له حجرٌ يَسندُ إليه رأسه، كما أنها سندٌ ملكيٌّ ثابتٌ ومؤكَّد ومؤبَّد يملكه هذا الذي مملكته ليست من هذا العالم. وادي قزحيا وساكنوه منذ ما قبل ألف سنةٍ يسهرون ليل نهار حرّاسًا أمناء على قدسيَّةِ أسرار مساحةٍ تربطُ الكون الأدنى بالكون الأعلى، وحراسًا يقظين يحرسون بعيونهم المتيَّقظة أسرار مسافاتٍ تجول بعيوننا وأحلامنا وطموحاتنا في كل عواصم ومدن القارات الخمس كي تذكِّرنا وتنذرنا بأن “ليس لنا ههنا على الأرض مدينةٌ ثابتة بل نرجو الآتية”!
وادي قزحيَّا كأنَّ الحبيس يوحنا المعمدان قد سبق جميع حبسائه إليه بردائه الذي حيَّكه مِن وَبر الجمال وطعامها المؤلَّف من جراد الحقول والعسل البَريِّ، وبصوتِه الكلّي الجرأة والحرية والبرارة: “أيها الحيَّات مَن دلَّكم على الهرب من الغضب الآتي، أثمروا ثمارًا تليق بالتوبة، توبوا فقد أقترب ملكوت الله وبِرَّه”!
قزحيا وادي المحابس المبنية بناء سِفرِ تكوينٍ مناسكيٍّ لا يستريح فيه الخالق لا في اليوم السّابع ولا الثامن ولا التاسع ولا العاشر، ولا في مدى الأيام والشهور والسنين والأدهار، محابسُ يتحصَّن فيها رجالٌ خالفوا معظم أنظمة أجسادهم البشرية وهدروا أكثرية حقوقها وهم يستلهمون رؤيا تترفَّعُ فيها عيونهم عن كلِّ ما لا يُستحسن أن يُنظرَ إليه كي يرفعونها إلى خالق كلِّ “ما يرى وما لا يرى”.
فتنصرف أسماعهم لصوت المعلِّم السَّاهر في بستان الليلة الفاصلة بين ليلة خميس الأسرار والجمعة العظيمة: “اسهروا وصلَّوا لئلا تدخلوا في تجربة”. والأنبا أنطونيوس أبو الرهبان وجَرسةُ عصاه الشهيرة هي الأعلم والأخبر بنوعية وكمية هذه التجربة!
وادي قزحيا مملكة أشيارٍ صخريةٍ يُستوحَى من كل شيرٍ من أشيارها مئة عمود لمئة سمعانٍ عموديٍّ، كما أنَّها ملكوت أبرارٍ وبراري تنطفئ الشمسُ والقمرُ والنجوم والمجرّات ولا تنطفئ كواكب أبرارها وبراريها. ما من تجويفٍ صخريٍّ قزحياويٍّ إلاَّ وكان محبسةً مخطوطةً بتسابيح وترانيم وتهاليل حبيسها، ومؤرَّخةً برفعةِ ذراعيه تَتِمَّةً لرفعِ ذراعَي الألوهة المصلوبة، كما بسجدات ركبتيه المنسوخة عن ركبتي الأم الحزينة الساجدة عند أقدام الصَّليب. هيَّ الأيقونة القزحيّاوية المناسكيّة الأكثر شبهًا لأيقونة الملوكية المُتوَّجة بالشوك والمُعلَّقةِ شوقًا لترنيمة: “اليومَ عُلِّقَ على خشبة الذي علَّقَ الأرض على المياه”!
محابس وادي قزحيا الأساسية هي أربعة: محبسة دير سيدة حوقا، ومحبسة مار ميخائيل، ومحبسة مار بيشاي، ومحبسة مار بولا غبتا.
+ محبسة دير سيدة حوقا وهي الأقدم في التاريخ المعلوم العائد إلى عام 1283 والأكثر غرابةً في هدف وغاية بنائها.. هي المحبسة المُعلَّقة كأعاجيب الدنيا السبع، وهي وثيقة إعتراف “إبن الصّبحا” بخطيئته التاريخية الشهيرة يوم سلَّم أعناق شهداء شعبه لجزّاري المماليك طمعًا بأباطيل مجد دنيويّ دنيء رخيص.. فبنى الدير والمحبسة قبالة مغارة شهداء عاصي حوقا لعلَّ صلوات حبسائها ودموعهم تغسِلُ بعضًا من حكاية جريمته وتوبته المتناقلة جيلاً بعد جيل!
+ محبسة مار ميخائيل شمال غرب دير قزحيا بناها عام 1495 الراهب الأب بركات البقوفاوي المعروف بإبن البركة لأجل إتحاده النسكي الشبه التام لتلك البرية التي تنسَّك فيها معلّمه يسوع وصلّى وصام طيلة أربعين يومًا كانت قدوةً للبقوفاوي الذي دخل محبسته ولم يخرج من بابها إلاَّ إلى باب كنز الحياة السماوية.
وبعد الحبيس بركات سكن محبسة مار ميخائيل الراهب موسى من اليمونة والخوري يعقوب من برناسا وحبساء إهدن الآباء ميخائيل وحنا الأول وحنا الثاني وميخائيل الثاني!
+ محبسة مار بيشاي ذات الآثار الزهدية الأقرب إلى محابس الزهاد القورشيين، وهي المعروفة بمحبسة البطاركة التي خرَّجَت الحبيس البطريرك ميخائيل الرزي، والحبيس البطريرك سركيس الرزي، كما أنَّ محبسة سيدة حوقا قد خرَّجت الحبيس البطريرك موسى سعادة العكاري، والحبيس البطريرك يوحنا مخلوف الإهدني، والحبيس البطريرك يوحنا الصفراوي!
+ محبسة مار بولا المرفوعة كالسراج فوق مكيال تلّة كروم غبتا، وهي محبسة دير قزحيا الرسمية المعتمدة لسكن الحبساء. بناها عام 1716 الأبوان أنطونيوس مبارك الدلبتاوي وساروفيم شوشان الحوقاني بناءً على رغبة مؤسس الرهبانية اللبنانية المارونية ومصباحها الرهباني الأب العام عبدالله قراعلي، وقد سكن محبسة بولا أول النسّاك من تاريخ تأسيسها حتى اليوم ستةٌ وعشرون حبيسًا، أولهم الأب أنطونيوس مبارك الدلبتاوي الحبيس، وآخرهم الحبيس الآتي إليها من كولومبيا وبلاد أميركا اللاتينية!
الثالوث الحبيس المتمثِّل اليوم بأقانيم كواكب وادي قزحيا الثلاثة قد حبِلَت بنذورهم حَبَلَ الأم تلك المناجاة العطوفة على المزمور المرنم: “تشتاق وتذوب نفسي إلى ديارك يارب”، فتمت ولادة نفوسهم قبل كل الدهور الدنيوية، دهر آدم وحواء المُتورِّطَين بفكفكة ألغاز شجرة الخير والشر تورُّطًا حشريًا عشوائيًا مُستندين على دهاء الحيَّة القديمة وحنكتها. دهر هابيل وقايين واضعَي أول مناهج الإختلاف على أفضلية المرور إلى الصفوف الأمامية والمراتب الأنانية. ودهر سفينة نوح الذي ما زال حتى اليوم يتجدَّدُ بناؤها طالما شعوب الأرض ما زالت تُصرُّ على تجديد مدينتَي سدوم وعمورة!
+ الأب داريو أسكوبار الكولومبي العالم المتضلِّع بعلم النفس المنتمي إلى أسرة واسعة الثراء المفكِّرُ الغزير الثقافة بحضارات الشعوب لم تجذبه إلاَّ سيرة حياة حبساء المحابس اللبنانية المارونية، فتخلَّى تخليًا مدهشًا فوريًا عن كل ما له في بيته الوالدي وعيادته وبلاده البعيدة، وقصد لبنان يبحث فيه عن نبع الينابيع، فدخل الرهبانية اللبنانية مبتدئًا ثم راهبًا ناذرًا ثم كاهنا وراهبًا ديريًا ثمَّ حبيسًا اشتاقت إليه محبسة سيدة حوقا بعد أن أضنتها هجرة الحياة النسكية منذ زمن طويل، وبعد أن وافى محبسته الحوقانية مثلما وافى أخوه الحبيس شربل محبسة مار بطرس وبولس فوق جبل عنايا، تقدمت به السنون وهو يواصل النجاح تلوَ النجاح والتفوّق تلوَ التفوّق في إتمام فروض قوانين الحبساء، فتمَّ نقله من مربضه النسكي الأقرب إلى أوكار النسور ذي الدرب القصيَّة الوعرة كي يسكن محبسة مار بولا غبتا الأقرب إلى الدير والأسهل وصولاً على إخوته الرهبان حين يستفقدونه بطعامه الزهيد وحاجياته الضرورية!
+ الأب الحبيس أنطونيوس رزق الكوكباني الآتي من كهنوت خدمة الرعايا الجنوبية وأوَّلها بلدته كوكبا تواكبه بتوليَّةٌ جسديَّةٌ نذرها ومارسها قبل أن يدخل دير الرهبانية اللبنانية للإبتداء، ثم ينذر الطاعة والعفة والفقر، وبعدها يختار طريق آباء البرية ليكون وريث الأب المغبوط أنطونيوس شينا حبيس محبسة مار بولا غبتا. وبعد أن فعلت تقشُّفاته بجسده الملائكي ما فعلته تم نقله إلى غرفةٍ داخل دير مار أنطونيوس قزحيا هي في الشكل والمضمون ذات قلاّية محبسته!
+ الحبيس الأب يوحنا الخوند أستاذ الكتاب المقدَّس طيلة عقودٍ في جامعة الروح القدس الكسليك يُدخلُ تلاميذه إلى أمكنة وأزمنة العهد الجديد دخول جبرائيل رسول الآب إلى مريم خطِّيبة يوسف النجّار ودخول يسوع إلى أورشليم مدينة أطفال الهوشعنا.
غادر الملفان يوحنا صفوف تدريس آيات عهده المقدس وفصول عهده الجديد ليحقَّق حلمه الرهباني الأغلى على عقله وقلبه ونذوره، فانتقل من عالمه الجامعي الكسليكي إلى محبسة دير سيدة طاميش مُصطحبًا معه كتاب علم بلاغة الصَّمتِ والعزلة يتحضَّر ويتأهل للانتقال والانضمام إلى ربوات الذين سكنوا المغاور والكهوف وشقوق الأرض في الوادي المقدس، فسكن محبسة مار بولا لزمنٍ محدود حبيسًا ملازمًا أخاه الأب أنطونيوس رزق في نهج قوانين الحبساء قبل أن يغادر محبسته لظروفٍ رهبانيَّةٍ عمليَّةٍ تبشيرية عائدًا إلى الدير حبيسًا مبشِّرًا زوار وادي قزحيا، يتنقَّل بينهم مداويًا جراحهم الروحية والنفسية والاجتماعية والعائلية، وهو الراهب المتمرِّس بمعالجة شؤون وشجون مهجَّري الدامور وجوارها كما مهجَّري الجبل.
من جنوب لبنان الشاهد والشهيد جنوب كوكبا مسقط رأس الأب أنطونيوس رزق وجنوب صيدون مسقط رأس الأب يوحنا الخوند، إنتخب الروح القدس راهباناً من ألمع تلامذة مدرسة أنطونيوس كوكب البرية النسكية ليُشرقا كوكبين جنوبيين على شمال لبنان حيث دير مار أنطونيوس قزحيا هو عاصمة الرهبانية اللبنانية المارونية يشرقان تعزيَةً لإخوتهم رهبان ضريح دير سيدة مشموشة شهداء حزيران 1860، تعزيَةً “لعيشيَّةِ” شهداء تشرين الأول 1976.. تعزيَّةً لجزين التي حلَّت محل سمعان القيرواني في مساندة صليب يسوع النّاصري الذي امتدَّت دروبه وأصوله وفروعه ومساميره وجلاّديه إلى الجلجلة الجزِّينية!!
محابس وادي قزحيا باقيَّةٌ مدى الدهر حتى تتزلزل حُجبُ القصور النيرونية المُنتشرة في معظم عواصم الدول الكبرى المُسمّاة دول القرار المُستمرَّة بجرائم إضرام النيران في بلدان الشعوب المنتمية بالروح والإيمان إلى حرية أبناء الله الآب والأب!
محابس وحبساء وادي قزحيا عُصاةٌ على التنين العلمي الإلكتروني الصناعي الذي يُنتجه نبوغ العقول الضّارية المفترسة التي تكاد تحوِّل الهيكل الإنساني الأقدس المرتبط بهيكل الروح القدس إلى أشلاء!
محابس وحبساء في عين عاصفة القرن الواحد والعشرين التكنولوجية الهوجاء كي يسقط وحش سِفرِ رؤيا يوحنا بالضَّربة النهائية..
محابس وحبساء في زمن الأب الدكتور والأب البروفسور.. كي تأخذ مرتا هي وشؤونها الكثيرة إجازةً طويلةً مفتوحةً من الأبرشيات والرعايا والرهبانيات كي تعود مريم أمينة على الحصون الأبرشية والرعوية والرهبانية متزوّدة متحصِّنة بالمطلوب.
كتب ميشال يونس في “المسيرة” ـ العدد 1754
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]