لبّيت دعوة حركة تحرّر وهي إحدى الحركات التحرّريّة الطالعة في المجتمع والوسط السياسي اليوم، لإلقاء كلمة حول التحدّيّات التي تعترض لبنان المستقبل. وللحقّ والحقيقة كانت جلسة تفكّريّة أحوج ما نكون إلى مثيلاتها بشكل كثيف في أوساطنا السياسيّة والمجتمعيّة والوطنيّة. وذلك لنستطيع التوصّل إلى بلورة الرّؤى المشترَكَة حول بناء الوطن الجديد.
فلا يختلف اثنان اليوم أنّ لبنان راهنًا لا يشبه تطلّعاتنا كلّنا. فمنّا مَن يريده وطنًا في شرنقة إيديولوجيّة، تماشيًا مع مبدئه الفكري وعقيدته الدّينيّة. ومنّا مَن يريد لبنان وطنًا للحرّيّة والتعدّديّة تماشيًا مع القناعات الانسانيّة التي تحكم العالم اليوم.
الطرح الأوّل تحمله منظّمة “الحزب” في عقيدتها. بالطبع لا نوافق. ولكن نحترم ما يدينون به. مع التأكيد على حقّنا الكامل في عيش قناعاتنا وحرّيّتنا الشخصيّة الكيانيّة من دون أن تفرض علينا هذه الجماعة ثقافتها وقناعاتها. كما أنّنا لا نريد أن نفرض ثقافتنا وقناعاتنا على أحد.
وما قمت به في هذه الجلسة التفكّريّة الأكاديميّة أنّني طرحت قناعاتي على بساط البحث بكلّ شفافيّة ومن دون أيّ مواربة. وبالطبع إنّي من المؤمنين بلبنان الحرّيّة والثقافة التعدديّة والحوار والالتقاء بين المختلفات لتحويلها إلى مؤتلفات خدمة للإنسان في هذا الوطن. وساد نقاش هادئ مع الذين وجّهوا لي انتقادات بنّاءة، وخلصت الجلسة بالتأكيد على الاستمرار في عقد مثيلاتها لما نحن بحاجة إليه في وطننا من أجواء حواريّة وتحاوريّة حقيقيّة.
لكن ما هالني في الموضوع، هو أنّ القيّمين على هذه الحركة وضعوا جزءًا من مداخلتي على صفحتهم الرّسميّة بالصوت والصورة. وفور متابعتي عمليّة النشر استوقفتني بعض الرّدود، وهي كلّها متشابهة ووليدة مطبخ واحد. وما لفت أنّ أيّ ردّ لم يتناول أيّ فكرة أو طرح للنقاش، باستثناء القليل القليل منها. حتّى فاقت التعليقات المئات. ومعظمها تناولت الأعراض الشخصيّة، فضلا عن كمّ هائل من سيل من الشتائم والسخريات، معطوفة على التهديدات النّاعمة حينًا والفذّة أحيانًا.
وبالطبع استوقفني ردّ أحد المتابعين الشخصيّين لي، حيث اتّخذ على عاتقه مهمّة الدّفاع ومن دون أيّ تنسيق مسبق معي. فانهالت التعليقات الساخرة والشتائم الفضفاضة عليه هو أيضًا. وهذا الأمر جعلني أقف وأصغي وأفكّر وأتأمّل وأحكم.
وهذا ما حداني أيضًا للعودة إلى كتاب ” نظام التّفاهة” للكاتب الكندي آلان دونو الذي ورد فيه: “مشاركة وجهة نظر الآيديولوجيا هو طريقة لنا نحاول من خلالها إسقاطها ؛ فالثورة ليست شيئًا مجيدًا.”
فالفكرة التي يريد إيصالها دونو للقرّاء هي أنّ العالم التّافه اليوم عندما يغسَلُ دماغه إيديولوجيًّا تتقدم أفكاره الايديولوجيّة على أفكاره الثورويّة التحرّريّة. وبالتّالي هنا نفهم لماذا أزعجتهم التحرّر، ولماذا هذا الكمّ من التفاهة تمّ ضخّه على مجرّد كلمة مصوّرة قصيرة.
ويتابع دونو في مؤلّفه متحدّثًا عن الانحدار بالرؤية العامّة إلى البعد المُحاسَبي، فيشير إلى أنّ “التداعيات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للتوزيع الصناعي (يعني هنا صناعة المحتوى الثقافي) يتمّ إخفاؤها؛ ولكن إذا كان العمل يُجسد رؤية منفتحة على الأسئلة السياسية، فإنه يُساعدنا على إيجاد الارتباط الذي لا يمكن لفرد أن يلمحه، إن كان يفكر لوحده بمعزل عن الآخرين. ”
وهذا ما يؤكّد أنّ هذه الجماعات قد نجحت بعزل نفسها بنفسها عمدًا لأنّها لا تريد إيجاد هذا الارتباط العلائقي في المجتمع. ما يؤكّد على نظريّة القوقعة والانعزال أو نظريّة الانفتاح المشروط. بمعنى آخر، ألا تتواصل مع كلّ مختلف عنها إلا لهدفين اثنين: إمّا لتطويعه وإمّا لتبديله.
ولعلّ هذا ما حدا بها إلى خلق مستوى ثقافيّ منحطّ عند جيلها الشاب. بهدف حجب الرؤية النّاقدة عنه، وبهدف السيطرة على الأفهام والعقول بغية تحويرها وتطويعها خدمة للمشروع الأيديولوجي الأكبر. وهذا برأينا ما سينعكس انحطاطًا في المجتمع بدأنا نتلمّس نتائجه في الانحدار الفنّي الهابط الذي يحكم هذه المجتمعات. فمن بعد الرّحابنة وأم كلثوم وأسمهان وفريد الأطرش وعبد الوهاب سيطرت عائلة الدّيكَة والمشايخ على الأذواق الفنّيّة الهابطة؛ وعوض الإيقاع البلدي والمقسوم سيطر الإيقاع “النوّاري” الذي يضرب على العصب السمعي ضرب المطرقة على السندان.
ناهيك عن أنّ وسائل التواصل الاجتماعي وقّرت للتافهين من الأطراف كافّة مساحة تافهة تشبه ثقافتهم هذه، حتّى بتنا نشهد تسويقًا دينيًّا بأتفه الطرق، ما حطّ من قيمة الأديان كلّها. وهذا ما لا يقبل به لا النّبي ولا المسيح، ولا حتّى أيّ نبي أو رسول سلام مرّ يومًا قي هذه الأرض.
في الخلاصة، لا يقوم العالم إلّا على تعزيز ثروات نخبه الفكريّة. وإذا كانت هذه النّخب التي تدير ثقافة محور الممانعة الذي يعدنا بالسيطرة المطلقة على لبنان، فلا حاجة لطرح مشروعه ورؤيته، فلبنانهم واضح. ومعروفة هويّته الثقافيّة المنحطّة. وهذا ما لا نريده. نحن نرفض المنتَجَ ولا نرفضُ المنتِجَ. ولكن إذا أراد هذا المنتِج الاستمرار في إنتاجاته الهابطة هذه فهذا سيعزّز ثقافة الانفصال أكثر فأكثر. وعندها لا تعد تنفع الطّروحات القائمة على التشارك الوطني مع هذه الفئات التي لا تمثّل المكوّنات كلّها بل هي جزء منها.
وحتّى تنجح النّخب الموجودة في هذا المجتمع بنقله من الحالة العمياء التي نجحت الممانعة في فرضها عليه، لا يمكن الوقوف مكتوفي الأيدي. لذلك يجب العمل في مجتمعاتنا اللبنانيّة كافّة على إظهار صورة الحقيقة الثقافيّة والسياسيّ’ والفكريّة كما هي؛ مع التأكيد على إسقاط النقاب الأيديولوجي الذي نجحت الممانعة بفرضه على هذه العقول.
ويقيننا أنّ التحرّر بات أمرًا مفروغًا للوصول إلى التحرير الحقيقي. ولا بدّ واصلون لأنّ مسار الحرّيّة مع مسار التّاريخ الذي لم يرجع يومًا إلى الوراء ولن يرجع اليوم. ولبنان المرتجى سيولد حتمًا من رحم هذه المعاناة الفكريّة التي معيشها لأنّنا أبناء الرّجاء والمحبّة والقيامة.
.jpg)