
عاداتنا اليومية هي الأساس الذي يبنى عليه مستقبلنا، وهي سلاح ذو حدين، فقد تقودنا إلى حياة صحية سعيدة، وربما إلى حياة بائسة مليئة بالأمراض. في يومنا هذا، هناك العديد من الأمراض المزمنة التي زادت وتيرة انتشارها بنسب كبيرة مقارنة بالماضي، فأصبحنا نسمع عن الكثير من حالات أمراض القلب والسكتة الدماغية، والسكري، والاكتئاب، والتهاب المفاصل، والسرطان بأنواعه، والعديد من الأمراض الأخرى.
أستطيع القول بثقة إن مسببات معظم هذه الأمراض مرتبطة بالأنماط المعيشية للأشخاص الذين يعانون منها، أو بجينات معينة ورثها هؤلاء الأشخاص عن آبائهم أو أجدادهم. الأمر الجيد هو أنه عند إحداث تغيير جذري في نمط الحياة يستطيع الشخص علاج العديد من هذه الأمراض أو التخفيف من حدة أعراضها، والأهم من ذلك الوقاية منها لمن تزداد لديه فرص انتقالها بسبب عامل الوراثة.
تتوافق هذه الأفكار مع ما يعرف بالطب الوقائي، لضمان القضاء على المرض، إما عن طريق منع فرص حدوثه، أو عن طريق وقف المرض وتخفيف المضاعفات الناتجة عن ظهوره. بالعادة، يتم النظر للطب الوقائي على أنه عمل مفيد صامت وأمر مفروغ منه، بالأخص في المجتمع الغربي الذي تتوفر لديه سبل العيش الصحي بشتى أنواعها.
مع أن الطب -بشكل عام- تطور، ما مكن الإنسان من يعيش لفترات أطول مما سبق، إلا أن الكثير من الأشخاص يجدون أنفسهم يعانون من أمراض مزمنة استطاع الطب الحديث أن يتحكم بأعراضها إلى حد ما، ولكن بنفس الوقت جعل فترة العلاج المزمنة فترة تخلو من الحرية والاستقلالية والسعادة، بل مملوءة بالقلق والتوتر والاعتمادية على أنظمة صحية ذات أسعار عالية متزايدة. وبالفعل فإن تريليونات الدولارات يتم صرفها على الأنظمة الصحية، خصوصاً في الدول الغربية، والتي يذهب معظمها لمعالجة الأمراض المزمنة.
أغلب الناس الذين يعانون أمراضاً مزمنة تكون فاقدة للأمل بالعلاج الجذري وتكون مستسلمة للأعراض، كون هذه الأمراض ستبقى مرافقة لها طوال حياتها، وهذا الأمر يجعل من الصعب على هؤلاء الأشخاص أن يحدثوا تغييراً في أنماط حياتهم من أجل تغيير هذا الواقع. إذا تم التعامل مع الجسد كأنه معبداً يحتوي على الروح والعقل، وأن علينا الاهتمام به ومعاملته بقدسية من أجل أن ينمو ويقوى، فإن جميع المعادلة يمكن أن تتغير بالنسبة للأمراض.
معظم طلاب الطب بالكاد يتعلمون عن دور التغذية والتمرين الجسدي واليقظة الذهنية والتأمل والتدريب المعرفي والنوم الصحي، في منع ومعالجة العديد من الأمراض المزمنة، عدا عن أن الطب الحديث لا يتطرق نهائياً لأهمية المشاعر والصحة النفسية في تحفيز الأمراض أو علاجها، وكيفية تأثير العادات الصحية على معدلات الأعمار في المجتمعات.
في هذا المقال، سنتعرف على العادات المتبعة الشائعة لدى الناس الأطول عمراً، أو الناس المعمرة على الكرة الأرضية. أعداد المعمرين في العالم في زيادة، لكنهم موزعين بشكل عشوائي في أغلب الدول الصناعية. قام العالم لويجي فونتانا بدراسة معمقة لهؤلاء المعمرين. وفي كتابه “الطريق للعمر الطويل”، يبين لنا كيفية الوصول لعمر 100 عام بصحة تضاهي صحة الأشخاص في عمر الأربعين.
قام فونتانا بدراسة المناطق القليلة في العالم التي يبدو أن أغلب سكانها يعيشون مدة أطول من المتوسط العالمي، مثل جزيرة أوكيناوا في اليابان، وبعض المناطق في جزيرة سردينيا، ومنطقة “سيلنتو” وإقليم “كالابريا” في إيطاليا، ونقل لنا في كتابه بعضاً من أسرار هؤلاء السكان. تشير الأبحاث إلى أن سكان هذه المناطق، لا يعيشون فقط لسنوات طويلة، إنما يمضون أغلب هذه السنوات بصحة ممتازة.
نمط حياة متشابه للناس الأطول عمراً
يتشارك سكان هذه المناطق الجغرافية بصفات معينة منها: نظام غذائي مقتصد يعتمد بشكل رئيس على الأغذية النباتية، والنشاط البدني المستمر، والارتباط القوي بالعائلة والأصدقاء والمجتمع، وهدف نبيل في الحياة مدفوع بمجموعة من القيم الروحانية. لنقرب العدسة قليلاً على كل من هذه المجتمعات حتى نأخذ نبذة بسيطة عن أسلوب حياة كل منها.
أوكيناوا
تقع جزيرة أوكيناوا على بعد 640 كم تقريباً إلى الجنوب من اليابان، بين بحر الصين الشرقي والمحيط الهادئ. سكان الجزيرة هم الأقدم في العالم. وفقاً لتعداد أنجز عام 2006، كانت نسبة المعمرين في الجزيرة تساوي 45 معمراً تقريباً لكل 100 ألف شخص بما يساوي 650 معمراً. هذه النسبة أكثر بأربع أو خمس مرات من العديد من الدول الصناعية. هؤلاء المعمرون لا يعيشون فقط سنوات طويلة، بل يعانون من جزء بسيط جداً من الأمراض الشائعة في الدول الأخرى، ويعيش ثلثاهم بشكل مستقل حتى عمر الـ 97.
لننظر إلى العادات الغذائية لهؤلاء المعمرين. سُجل في عام 1950 أن سكان أوكيناوا يستهلكون 1785 سعرة حرارية في اليوم، بنسبة 14% أقل من سكان اليابان بشكل عام في ذلك الوقت، وأقل بنسبة 50% من سكان الولايات المتحدة الأميركية في الفترة نفسها. كان استهلاكهم للبروتين أقل أيضاً ومن مصادر مختلفة، فطعامهم كان يتكون بالأغلب من فول، وحبوب كاملة، وسمك، على العكس من الأميركي الذي كان يستهلك مخزونه من البروتين من اللحوم، والبيض ومنتجات الألبان. كان النظام الغذائي لسكان الجزيرة قبل وصول الأميركان في نهاية الحرب العالمية الثانية يتكون من البطاطا الحلوة بنسبة 50% من السعرات اليومية. والبطاطا الحلوة البنفسجية (Ben Imo)، أو البطاطا البرتقالية (Satsuma Imo) المليئة بفيتامين أ، وسي، وبي 6، والمنغنيز ومضادات الأكسدة الأخرى، مثل “الأنثوسيانين”، وهي نفس الأصباغ التي تعطي التوت لونه. يبدأ معمرو جزيرة أوكيناوا بشكل خاص كل وجبة بحساء “الميسو” المملوء بالتوفو والأعشاب البحرية والمصحوب بكميات كبيرة من الخضراوات والملفوف والبصل والحنظل (البطيخ المر)، والجذور البرتقالية والصفراء (الجزر، القرع، الكركم)، وهذه الخضراوات كان يتم حصادها من الحدائق الواسعة الموجودة في أفنية بيوت هؤلاء الأشخاص.