
افتتاحية صحيفة النهار
السباق الميداني – الديبلوماسي حول الجنوب إلى نقطة حاسمة
لم يكن مفاجئاً أن يُستعاد السباق الساخن الخطير بين التصعيد الميداني وحملات التهديد المتبادلة بين إسرائيل و”الحزب” من جهة، ورفع وتيرة الجهود والمساعي الديبلوماسية المحمومة لخفض التصعيد وإبقائه تحت السيطرة في انتظار التسوية الموعودة في غزة من جهة أخرى. ذلك أن وتيرة التطورات الميدانية والديبلوماسية المتصلتين بواقع المواجهات في جنوب لبنان وشمال إسرائيل تشهد ما يشبه العد التنازلي لـ”تطور ما” يتصل حصراً وتحديداً بزيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لواشنطن وإلقائه خطابه أمام الكونغرس في 24 تموز (يوليو) الحالي.
ولم يعد تفصيلاً نافلاً أن يربط مصير الوضع في الجنوب وعبره في لبنان كله بمصير المساعي الآيلة للتوصل إلى تسوية تلجم حرب غزة إذ لوحظ أن مجمل المواقف الدولية باتت تتناول الحرب في غزة والمواجهات الجارية في الجنوب بسواسية تامة الأمر الذي يكشف عمق الخطورة التي تكتنف التحذيرات الدولية من اتّساع الحرب الى لبنان.
وبرز في هذا السياق موقف فرنسي جديد تمثل في تشديد فرنسا مرة أخرى على منع أي حريق إقليمي ينطلق من لبنان، وتكثيفها الاتصالات مع قادة إقليميين من أجل هذا الهدف. ذلك أن بياناً صدر في وقت متقدم من ليل الثلاثاء الماضي عن قصر الإليزيه أفاد أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أجرى اتصالات بكل من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني وملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة الذي يتولى الرئاسة الحالية لجامعة الدول العربية.
وإذ تركزت الاتصالات على تطورات حرب غزة خلص بيان الإليزيه إلى أنه “خلال تبادلاته مع نظرائه، أكد رئيس الجمهورية الفرنسية دعم فرنسا لجهود السلام التي يقودها فريق الاتصال التابع لجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي وكذلك خطة وقف إطلاق النار التي اقترحها الرئيس جو بايدن وجهود الوساطة التي تقودها مصر وقطر.
وأكد من جديد التزام فرنسا بالعمل مع شركاء المنطقة ومع شركائها الأوروبيين والدوليين بحثاً عن رؤية مشتركة للسلام تستند إلى حل الدولتين، وهي الرؤية الوحيدة القادرة على تلبية تطلعات الإسرائيليين والفلسطينيين وضمان استقرار المنطقة. وشارك جميع القادة قلقهم العميق بشأن تكثيف التوترات على الخط الأزرق بين إسرائيل ولبنان ودعوا جميع الأطراف إلى تحمل المسؤولية وضبط النفس بأكبر قدر من أجل منع أي حريق إقليمي من شأنه أن يكون له عواقب مدمّرة على بلدان المنطقة والبحث عن منظور للسلام. وأشار ماكرون إلى أن فرنسا ستواصل الانخراط مع شركائها في البحث عن حل ديبلوماسي في لبنان، على أساس #القرار 1701”.
نصرالله
والقت مواجهات الجنوب بظلالها على الاحتفالات التي أقيمت أمس في #ذكرى عاشوراء لا سيما على الكلمة ألتي القاها السيد نصر الله في ختام المسيرة العاشورائية الكبرى التي نظمها الحزب في #الضاحية الجنوبية لبيروت. وأعلن نصرالله “أن جبهتنا لن تتوقف ما دام العدوان مستمرًا على #قطاع غزة وأهلها ومقاومتها بأشكاله المختلفة، وأنّ التهديد بالحرب لم يُخفنا منذ عشرة أشهر عندما كانت إسرائيل في عزّ قوّتها كما يُقال، عندما كانت إسرائيل لا تُعاني لا من نقص في القادة ولا من نقص في الجنود ولا من نقص في الدبابات ولا من نقص في الذخيرة. على مدى عشرة أشهر هُدّدنا وهُوّل علينا بالحرب ولم نتردّد ولم نتراجع ولم نتوقف، واليوم نُعيد ونؤكد أنّ جبهة إسنادنا ستستمر ما دام العدوان مستمرًا على غزة، ولن نتوقف على الإطلاق”.
ولفت إلى “تمادي العدو باستهداف المدنيين في الأيام القليلة الماضية. في الأيام الماضية شهيدان مدنيان في كفركلا، ثلاثة شهداء، أخ وشقيقتاه في بنت جبيل، شهيدان مدنيان من التابعية السورية بين أرنون وكفرتبنيت، ثلاثة شهداء من الأطفال في أم التوت في القرية القريبة من الحدود. هذا التمادي ردّت المقاومة عليه أمس ليلًا بعشرات الصواريخ، ما يُقارب 120 صاروخًا، واستهدفت كريات شمونة والعديد من المستعمرات، ست، سبع مستعمرات في الليل”.
وأضاف: “أنا اليوم أريد أن أقول للعدو إنّ التمادي في استهداف المدنيين سيدفع المقاومة إلى إطلاق الصواريخ واستهداف مستعمرات جديدة لم يتم استهدافها في السابق”. وأشار إلى أنه “في حال توقّف العدوان وستأتي الوفود المفاوضة لتفاوض على مستقبل الجنوب. أولًا، الجهة التي تُفاوض باسم لبنان هي الدولة اللبنانية، وأبلغنا كل من اتصل بنا أنّ الجهة المعنية بالتفاوض وبإعطاء الأجوبة هي الدولة اللبنانية. ثانيًا، كل ما يُشاع عن اتفاق جاهز للوضع عند الحدود الجنوبية هو غير صحيح، لم يتم حتى الآن أي اتفاق، هناك مسودات، هناك أفكار، هناك طروحات، هذا متروك للوقت. ثالثًا، مستقبل الوضع في الجنوب سيتقرّر على ضوء نتائج هذه المعركة التي ستنتصر فيها جبهات المقاومة إن شاء الله”.
وقال: “أيًا يكن الدعم الذي ستُقدّمه الدولة اللبنانية لأهلنا في القرى في الجنوب وخصوصًا في القرى الأمامية، نحن نؤكد لأهلنا الذين هُدّمت بيوتهم بالكامل أو بشكل جزئي، أننا سنعمل وإياكم يدًا بيد وكتفًا بكتف وبكل وضوح نحن نُطلق هذا الوعد، كما أطلقناه في السابق، سنعيد إعمار بيوتنا ومنازلنا، سنشيّد قرانا الأمامية كما كانت وأجمل ممّا كانت، لأنّ كل قرانا الأمامية هي رمز شرفنا وكرامتنا ومقاومتنا وصمودنا، أهلها، رجالها، نساؤها، أطفالها، جدرانها، باحاتها، ميادينها، بُرك مائها، كل ما فيها”.
لبنان يفاوض
اما في الموقف الرسمي، فأعلن #وزير الخارجية عبدالله بو حبيب الموجود في نيويورك أن “التجديد لليونيفيل سيتم بصيغة العام الماضي نفسها الا بحال نجحت مفاوضات الجنوب بالتوصل الى اتفاق يحتّم تغييرات”. ودعا بو حبيب مجلس الامن الدولي إلى أن يرعى مفاوضات الجنوب وصولاً الى اتفاق لتطبيق الـ1701 من دون التقليل من دور المفاوضين. وأكد أن على “#اسرائيل القبول بوقف عدوانها ولبنان مستعد للتفاوض غير المباشر والتقيتُ آموس هوكشتاين لهذا الغرض”.
ووصل بو حبيب إلى نيويورك للمشاركة في النقاش المفتوح حول الحالة في الشرق الأوسط، الذي عقد في مجلس الأمن وعقد لقاءات ثنائية شملت وزير خارجية الكويت عبدالله علي عبدالله اليحيا، ووزير خارجية البحرين عبداللطيف بن راشد الزياني، ووزير خارجية أرمينيا أرارات ميرزويان. كذلك عقد لقاءات ثنائية مع كل من المندوبة الدائمة للولايات المتحدة الأميركية ليندا توماس غرينفيلد، والمندوب الدائم لفرنسا نيكولا دو ريفيير، والمندوب الدائم لجمهورية الصين الشعبية فو كونغ، والمندوبة الدائمة للمملكة المتحدة باربارة وودوارد.
وشدد بو حبيب، خلال لقاءاته، على “ضرورة خفض التصعيد في المنطقة وفي جنوب لبنان، وعلى أهمية تنفيذ القرار 1701 بالكامل”. وحذّر “من العواقب الكارثية التي ستطرأ في ظلّ أي تصعيد إسرائيلي تجاه لبنان، أو أي إجتياح إسرائيلي للبنان، مُنَبّهاً من توسّع رقعة الحرب لتصبح حرباً إقليميةً”.
الوضع جنوباً
على صعيد الوضع في الجنوب ورغم انحسار نسبي أمس في وتيرة المواجهات، نفذ الطيران الحربي الإسرائيلي ثلاث غارات استهدفت كلاً من البستان ووادي الزرقاء قرب طيرحرفا وعيتا الشعب وأم التوت مجدداً، والتي كان استهدفها بغارة من مسيّرة أمس ما أدى إلى سقوط ثلاثة اشخاص من النازحين السوريين، ما رفع عدد الضحايا السوريين الذين سقطوا إلى خمسة بعدما كان سقط اثنان بغارة مسيّرة قرب الخردلي اثر استهداف دراجتهما النارية بصاروخ . كما شهدت منطقتا وادي حسن قرب مجدلزون ووادي زبقين تساقطاً لعدد من القذائف بعيدة المدى فيما استهدف أحد منازل بلدة يارين بصاروخ أرض – أرض موجه. في المقابل، أعلن “الحزب” قصف مستوطنتي “ساعر” و”غشر هازيف” الإسرائيليتين بعشرات صواريخ الكاتيوشا.
*******************************************
افتتاحية صحيفة الشرق الأوسط
«الحزب» يهدد بقصف مستعمرات جديدة… فهل تتوسّع الحرب؟
أدخل سلاحاً جديداً على الميدان تمثل في مسيّرة «شاهد 101»
بيروت: يوسف دياب
وضع «الحزب» سلاحاً جديداً في جبهة «مساندة غزة»، مظهراً بذلك انتقاله من مرحلة الدفاع إلى الهجوم، سواء عبر مسيّرة انتحارية تعمل بالكهرباء ومدفعية ميدانية بعيدة المدى، أو عبر التهديدات التي أطلقها نصر الله بـ«قصف مستعمرات إسرائيلية لم يسبق أن تم استهدافها».
وقال نصر الله إن «التهديد بالحرب لم يخفنا منذ 10 أشهر عندما كانت إسرائيل في عزّ قوتها، وإن تمادي العدو باستهداف المدنيين سيدفع المقاومة إلى استهداف مستعمرات جديدة لم يتم استهدافها في السابق».
تأتي تهديدات نصر الله، بعد ساعات على الغارة التي نفذها الطيران الإسرائيلي، وأدت إلى تدمير منازل سكنية في بلدة أم التوت في جنوب لبنان، كما أدت إلى مقتل ثلاثة أطفال، وقال مصدر مقرّب من الحزب إن تهديدات نصر الله «جدية ولا تقع تحت عنوان الحرب النفسية». وأكد لـ«الشرق الأوسط»، أن الحزب «بدأ في تطوير عملياته العسكرية، وتحديث (الأهداف) التي وضعها لمواقع إسرائيلية في شمال فلسطين المحتلة»، مشيراً إلى أن «حديث الأمين العام عن استهداف مستعمرات يضع معايير جديدة لتوازن الردع الفاعل والحاسم، وليس بموازين التحسب لرد فعل العدو الإسرائيلي». وشدّد على أن الإسرائيلي «سيدفع ثمناً كبيراً، وسيعاقب على جرائمه المتمادية، وقتل المدنيين العزل والأبرياء في لبنان».
وأعلنت إسرائيل أن الحزب «استخدم مسيّرة انتحارية جديدة من طراز (شاهد 101)»، حيث استخدمها مؤخراً في هجوم على قاعدة «كيبوتس كابري» العسكرية، الواقعة على بُعد أربعة كيلومترات شرق مستوطنة نهاريا في شمال إسرائيل، وأدت إلى مقتل الضابط فاليري تشابونوف. وأعلن الجيش الإسرائيلي أن المسيّرة تعمل بمحرك كهربائي، ويمكنها الطيران لفترات طويلة، وتتميز بأنها أقل ضجيجاً، ولقّبت بـ«المسيرة الصامتة» كونها تعمل بمحرك مجهّز بنظام الشحن الكهربائي، ولا يكاد يسمع صوتها من على الأرض، كما أن هناك صعوبة لاكتشافها واعتراضها بواسطة الرادارات. كما أعلن «الحزب» عن «إدخال مدفع ميداني جديد إلى المعركة».
وقال المصدر المقرب من الحزب، إن «المسيرة شاهد 101 تُعدّ واحدة من أوراق القوة التي تمتلكها المقاومة في لبنان، لكنها بالتأكيد ليست مدرجة ضمن سلاح الردع الاستراتيجي الذي لم يحن أوان استخدامه، والذي سيغير المعادلات الميدانية على الأرض»، عادّاً أن المقاومة «بقدر ما تستبعد شنّ إسرائيل حرباً واسعة وفتح جبهات جديدة تبدو عاجزة عن تحمّل نتائجها، بقدر ما تأخذ في الحسبان إمكانية إقدام حكومة بنيامين نتنياهو على مغامرة قد تجرّ إلى حرب إقليمية، سيكون كلّ محور المقاومة في صلبها».
بموازاة التصعيد الإسرائيلي لا يملك «الحزب» خيارات سوى التصعيد المقابل والردّ بعمليات موجعة، على حدّ تعبير الخبير الأمني والعسكري العميد ناجي ملاعب، الذي أشار إلى أن «التصعيد المتمادي من قبل إسرائيل من جنوب لبنان إلى العمق السوري واغتيال قادة من (الحزب)، سيقابل بتصعيد من الحزب الذي لا يزال يلتزم بما يسمى (قواعد الاشتباك)، واستعمال الأسلحة القصيرة المدى».
وقال ملاعب لـ«الشرق الأوسط»: «لا شكّ أن (الحزب) قدم مفاجآت في الميدان عندما استخدم صواريخ الكاتيوشا لإلهاء القبّة الحديدة، وتمكن من تحديد أماكنها، ووضع معظمها خارج الخدمة عبر ضربها وتدميرها». وشدّد ملاعب على أن «جبهة لبنان تمثل رأس حربة محور الممانعة ومركز قيادتها». وأضاف: «عندما يعلن نصر الله بشكل دائم عن مفاجآت في الميدان، فهذا يعني وجود عناصر غير لبنانية تقود العمليات، وربما تكون شخصيات استشارية»، لافتاً إلى أنه «رغم اغتيال إسرائيل لقادة ميدانيين في الحزب، فإن ذلك لم يخفف من قوّة حضوره على الجبهة، ولا يلغي إمكانية انتقال من خطة الدفاع إلى خطة الهجوم عبر قوات الرضوان».
وتنفيذ «الحزب» لتهديداته باستهداف مستوطنات جديدة، لا يعني الانتقال إلى حربٍ واسعة، إذ سبق للحزب أن قصف مواقع ومنشآت في العمق الإسرائيلي وخارج «قواعد الاشتباك»، ولم يؤد ذلك إلى تفجير الجبهة على نطاق واسع، وبتقدير الخبير العسكري والأمني العميد ملاعب، فإن «فتح الجبهة اللبنانية الإسرائيلية لا يتوقف على عملية هنا أو غارة جوية هناك، بقدر ما ينتظر الضوء الأخضر الأميركي». وشدّد على أن «الإدارة الأميركية نجحت حتى الآن في كبح جماح نتنياهو وحكومته، لأن هذه الإدارة تسوّق الآن لإمكانية استيعاب إسرائيل في المنطقة وفق تسوية سياسية قيد الإعداد، وليس لإشعال الحرب، وبالتالي فإن موعد الحرب الواسعة لم يحن بعد».