صحيفة النهار – نبيل بومنصف
بالكاد فرغ السيد نصرالله من إلقاء خطابه في ذكرى عاشوراء مهددا إسرائيل بقصف مروحة إضافية جديدة من مستوطناتها حتى ألقى وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال عبدالله بو حبيب كلمة من على منبر مجلس الأمن الدولي عماد موقفها الرسمي أولا وأخيرا تمسك لبنان الثابت بمظلة الأمم المتحدة والشرعية الدولية . فبمن يأخذ المجتمع الدولي : شرعية الدولة ام قوة “الحزب”؟
الحال ان هذا التشظي والانفصام في واقع لبنان ، بل في ما صار متداولا على نطاق واسع من واقع “لبنانين ” اثنين ، لم يعد يستوقف أحدا في الداخل على رغم اثاره وتداعياته القاتلة خارجيا والمنذرة باضمحلال تام لصورة الدولة اللبنانية باقل معاييرها البديهية كما هو متعارف دوليا على هيكليات الدول . وكان من الآثار الاكثر عمقا في خطورتها لعملية ربط الجنوب قسرا وبقرار أحادي متسلط من “الحزب” بما سمي ب”وحدة الساحات” التي تتظلل دعم غزة لتبرير السطوة الإيرانية الإقليمية المترامية المراد إظهارها بقوة ، ان دمرت تدميرا ناجزا التسليم الشكلي للدول بهيبة وكلمة وقرار الدولة اللبنانية بما لا يحتاج الى دليل .
ولن يبلسم الجراح القاتلة للدولة اللبنانية ان “يشدد” السيد نصرالله في هوامش كلمته امام جمهوره الضخم في عاشوراء على ان التفاوض في شأن الحل الحدودي (بعد الحرب) سيكون حصرا مع الدولة اللبنانية اذ ان السؤال الكبير سيثار بقوة عما كان يأتي ويذهب من اجله آيموس هوكشتاين الى عين التينة غير التفاوض المباشر وغير المباشر مع “الثنائي الشيعي ” حصرا وليس مع أي “طرف ثالث” اسمه الدولة ؟
وما دام الشيء بالشيء يذكر ، لعلنا صرنا نخشى اكثر فاكثر التطبيع القسري لواقع يرغم الدول على التعامل مع صورة “لبنان موقت – دائم” اذا صح التعبير لجهة تداعيات ازمته السياسية والرئاسية التي تقترب من طي السنتين منذرة بتحلل بقايا المؤسسات الدستورية كافة بما يعمم الفراغ الحقيقي عليها ولا يبقي الازمة محصورة بفراغ قصر بعبدا منذ سنتين .
مسألة التفاوض هذه مع الدول ليست الاستحقاق الوحيد الخطير الذي سيواجهه لبنان متى ثبت ان طاولات التسويات والصفقات الدولية والإقليمية حول تداعيات حرب غزة و”روابطها” من جنوب لبنان حتى بلاد الحوثيين في اليمن قد حان أوانها وأينع قطافها . فثمة ما هو اخطر بنيويا على لبنان الدولة والنظام وحتى ، وهنا اخطر الخطورة ، على الميثاقية الدستورية والمجتمعية والطوائفية لان ما فعله الفراغ وسياسات التفرد والاستقواء وتسخير الارتباط بالمحور الإقليمي “الممانع” الى حدود تعريض لبنان للإمحاء في حريق حربي مرعب ، كل هذا التراكم سيزحف دفعة واحدة في لحظة انحسار “الميدان” امام التسوية الخارجية التي لا بد انها ستأتي عاجلا ام آجلا .
تبعا لذلك ، اليس غريبا ان تختفي معالم اثارة الاتي على لبنان جراء الفراغات والانقلابات المفروضة بقوة الاستقواء وكأن اهل الداخل أيضا ، اسوة بالدول ، تطبعوا ولو يأسا واستسلاما ، مع “لبنان موقت – دائم” فرضت قواعده سنتان من الفراغ و”حرب مشاغلة” في الجنوب تنذر بحرب شاملة على كل لبنان ؟ حين تحل الذكرى الرابعة لانفجار مرفأ بيروت، بعد أقل من ثلاثة أسابيع ، ستصم آذاننا بالصراخ على أطلال الدولة والمؤسسات والعدالة والقضاء ولن يكون في قدرة احد اقناع اللبنانيين بان حتى اكبر رابع انفجار تقليدي شهده العالم لم يكن بقوة الدمار اللاحق بدولتهم !