#dfp #adsense

خاص – فراق لا خلاف (النائب فادي كرم)

حجم الخط

إنه الفراق، في الثقافة وفي الذهنية وفي العقلية وفي الانتماء، إنه الـ”فراق” في النظرة إلى طبيعة العلاقة بين فئات الوطن الواحد، وإنه الفراق في الرؤية المستقبلية للدولة وفي الدور الإقليمي والدولي للبنان، وإنه الفراق في التعاطي مع الدستور والقانون، وبجميع الأحوال، فإنه الـ”فراق” حول الفهم لطبيعة الحياة البشريّة. هذا ما وصل إليه الواقع اللبناني نتيجة الانقسامات الحادّة والعميقة بين فئات الوطن، فالمسألة لم تعد خلافاً أو خصومة أو تباينات أو مبادرات متنوعة، أو تنافساً انتخابياً، أو محاولات لتعديلٍ على المسارات الرسمية للمؤسسات. ولأن التباعد بات في القناعات الوجودية، فإنه فعلياً، الفراق. أمّا السؤال المطروح، فأين المساحة التي ما زالت تجمع بين محور الممانعة وباقي الفئات اللبنانية، طالما إن محور الممانعة ذهب إلى التشكيك بكل الآراء التي تُخالف حتمياته، مُتهماً قائليها بالطعن بالظهر، فهل فعلياً ما زال هناك مسار مشترك ممكن الحفاظ عليه ؟؟؟

الحقيقة الجليّة التي لا يجب أن يكون حولها نقاش، أنه ليس هناك من مسار متفق عليه بين الطرفين، ولا رؤية واحدة، كي يقوم طرف من الأطراف باتهام الآخرين بالشذوذ عنه، فقط هناك دستور الشراكة، الذي يستقوي عليه محور الممانعة ويجرّ لبنان، كل لبنان، بقرار نابع من قيادته الإقليمية في طهران، إلى الواقع الذي يؤمّن استمرارية مشروعه، فرضاً وبالشكل الذي يناسب خططه. بالطبع ما يسعى له محور الممانعة لا يناسب مشاريع اللبنانيين، ولذا يعارضه أفرقاء عقدوا العزم على المواجهة حتى التحرّر، فإنه إذاً الـ”فراق” . ما يُصعّب الأمور أكثر أن المسائل التي يُحاول محور المُمانعة فرضها على اللبنانيين، تحمل صفة تحديد المصير، فالحروب التي يخوضها عن قناعة هي حروب استراتيجيته إيديولوجية، في حين أنها حروب مرفوضة ومفروضة على باقي اللبنانيين. إنه فعلياً الفراق في العمق والاستراتيجيا.

تأتي نشأة الدول عادةً نتيجةً للقناعات المشتركة بين فئات الوطن بوحدة المسار والمصير، وهذا ما كان صالحاً في لبنان مع نشأة الدولة، حتى بدأت غزوات مشاريع وحدة المسارات الاقليمية، والتي يُمثّلها في الحقبة الحالية محور الممانعة الفرع اللبناني، والتي تقول بالوحدة مع أنظمة ومنظمات تحمل الايديولوجيا ذاتها، فبدل أن تكون مع الشعب اللبناني، هي وحدة مع النظام الايراني الإسلامي ووليّه الفقيه، ووحدة مع النظام السوري ورئيسه، ومع الحشد الشعبي العراقي والحوثي اليمني وحرجة ح الفلسطينية. بطبيعة الحال، فان استمرارية الدول تتأمّن بوحدة الشعب، أمّا بالنسبة لمحور الممانعة فهي بوحدة الساحات بين إخوة الايديولوجيا، المنتشرين في الدول الساقطة تحت سيطرة مرجعيته الفقهية. إن قوة الدول المُستقرّة، تُسند بقوة الشعب الاقتصادية والانتاجية والعلمية، وبالتزام كافة الفئات المُكوّنة بالمؤسسات الجامعة، أمّا بالنسبة لمحور الممانعة فالساحة اللبنانية هي ساحة إسناد لمعاركه الاقليمية، تدعيماً لمصير مشروعه الايديولوجي. المسألة لم تعد خلافاً ونقاشات بين مختلفين، بل محاولات لفرض المحور على اللبنانيين التخلّي عن هويتهم الثقافية الخاصة وضمّهم عنوةً إلى مسار خدمة مشروعه. إنها الدعوة للانتحار ذبحاً، وإنه القتل للشخصية اللبنانية. الـ”فراق” ليس بالضرورة خطوط تماس ولا حدوداً جغرافية ولا تقسيماً للبلاد، بل إنه بالتمام ما يحدث الآن في لبنان، أي واقعان في بلدٍ واحد، ونظرتان نحو الوجود ونحو الهوية وتصوّران نحو التخطيط لطبيعة الحياة.

ترتكز أسس الدولة على ركائز تجمع المجموعات المؤلّفة لها، ويوضع تفاهم وطني يقضي بعدم خرقها من أيٍّ من الأطراف، وعندما يشعر طرف ما بضرورة تعديلها، يطرح ذلك بالسبل الدستورية وليس كما يفعل محور الممانعة اليوم في لبنان، بالهروب من الدستور والشراكة، وباستخدام فائض القوة. فنتيجة ممارساته، هي الدفع بلبنان إلى حالة الصدامات الداخلية، أو إلى حالة الفراق، أو حتى إلى الصدامات ومن بعدها الـ”فراق” . أما رهاناته الوهمية لجرّ معارضيه إلى الخضوع والاستسلام، باستخدام الترغيب أو الترهيب لتحقيقها، فبات من المؤكد أنها لن تُعطيه خطوة إلى الأمام، لأن هناك العديد من الأطراف اللبنانية التي لن تؤخذ بهذه الأساليب، ولذلك فالفراق أصبح هو الحلّ.

إذاً، ففريق الممانعة له أولوياته، ونهائياتها، وتنصب اهتماماته على خوض الحروب ونيل المقايضات المُحقّقة بثمن دماء الشعوب، فبغض النظر عن نتائج المعارك العسكرية، جُل ما يسعى له من هذه الحروب، هو فرض نفوذ مرجعيته الايديولوجية. أما الشعب اللبناني فله أولوياته وتطلعاته، فبالرغم من تبايناته وتنافساته واختلافاته، وخصوماته الطبيعية، تنصب اهتماماته على تأمين الحياة الكريمة لمجتمعه، من صحّية وتعليمية ومالية واستثمارية، فالبطولات والانتصارات التي يطمح لها الفرد اللبناني هي علمية وفنّية وسياحية وانفتاحية، ولا تعنيه أبداً البطولات الوهمية لمحور الممانعة.

إنه الـ”فراق” الحقيقي وإنه الجمع المستحيل، ولا يمكن العودة للشراكة إلا بإلغاء أحد المسارين، فإمّا يتخلّى محور الممانعة الفرع اللبناني عن ايديولوجيته ومشروعه ليعود إلى لبنانيته، وليُدخل نفسه في الماراثون التنافسي اللبناني تحقيقاً للأفضل لفئات الشعب اللبناني أجمع، وإمّا الـ”فراق” ، الذي يُسقط منطق التخوين، أكان من قبل المحور لمعارضيه باتهامه لهم بالضرب بظهر مشروعه، أو أكان من قبل المعارضين له بضرب مشروع الدولة اللبنانية.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل