








.jpg)

.jpg)



26 تموز يوم السجن الكبير والسجن الصغير والسجين الكبير الذي كان حرًّا وصار طليقًا. 26 تموز ليس موعدًا مع الحرّية بقدر ما هو محطة من تاريخ، وتاريخ من ذهب لامع ناصع، وعندما شاء المحتل حرقه بالنار من النار ذهبًا خرج.
في ما يلي نستذكر معًا تلك المحطة مع كلمة الدكتور سمير جعجع في مطار بيروت مع ما تتضمنه من صور وعِبَر…
أيها اللبنانيون،
خرجتم من السجن الكبير الذي كنتم قد وُضعتم فيه، فأخرجتموني معكم بالفعل ذاته من السجن الصغير الذي كنت وُضعت فيه.
لقد كانت سنوات طوالاً.. طوالاً.. ظلماء.. سودا، كادت تطيح بالوطن… بدأت باغتيال الرئيس الشهيد رينيه معوض، ولم تنتهِ باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
أيقنوا منذ البداية بأن لا قيامة للبنان إلا بجناحيه الإثنين، فصمموا على كسر أحدهما، واقتلاعه من أساسه، إذا اقتضى الأمر. فأمعنوا في الوطنيين نفيًا، واعتقالاً، وتشريدًا، واضطهادًا وسجناً، وتعذيبًا، وقمعًا، وقهرًا… وأشاعوا في النفوس خوفًا، وفي القلوب اضطرابًا، ما دفع قسمًا كبيرًا من شباب لبنان الى الهجرة، قسرًا، وترك أرض آبائهم وأجدادهم.
ولم يوفروا الذين انكبوا على البنيان والعمران برغم كل شيء. فقد ابتزوهم كل الوقت، ووضعوا أمامهم السدود والعقبات والمطبّات، وأغرقوهم في طرقهم الملتوية، وفسادهم اللامحدود، ما جعل اللبنانيين يدفعون تكاليف إعادة إعمار وطنهم أضعافًا مضاعفة، ورتب عليهم ديونًا بأحجام فلكية لم يعرفوا مثيلاً لها في تاريخهم المعاصر كله.
لن أستفيض في الكلام على الماضي، وقد عشتموه لحظة لحظة بعرقكم ودموعكم، ومن خلال خوفكم على أولادكم، وحرياتكم وسيادتكم، واستقلالكم ومستقبلكم. ما أتمناه عليكم، وحسب، التوقف طويلاً عند عِبَر ذاك الماضي.
ثبت فعلاً أنه إذا كان للباطل يوم فللحق ألف يوم. كما ثبت، فعلًا، أن… إذا الشعب يومًا أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر. ولقد استجاب القدر. لكن القدر يوفر فرصًا ولا يضع لقمة في الفم، فلنكن مصممين على تلقف الفرص من دون إبطاء.
لا أخفي عليكم أن أمامنا أطنانًا من أثقال العمل، لكنني أعاهدكم على أننا لن نرزح تحتها. ولا أخفي عليكم أن بيتنا اللبناني الداخلي في حالة اختلال وعدم توازن نتيجة الخمسة عشر عامًا من القهر، لكننا لن نألوَ جهدًا، لمزيد من التفاهم مع حلفائنا على إعادة التأهيل اللازمة.
وكما ترون وتسمعون، فإن التعديات ما تزال تنهال على لبنان، اغتيالات وتصفيات وتعكيرًا أمنيًا، في الداخل وعلى الحدود. لكن هذا كله لن يغيّر قيد شعرة في اتجاه الأحداث. إن عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء، وهي كذلك لن تعود اليوم.
أيها اللبنانيون،
قضيت أحد عشر عامًا ونيفًا في زنزانة ضيّقة تحت الأرض، معزولاً تمامًا عن العالم الخارجي، ومن دون اختلاط داخل السجن قطعًا، حتى في خلال النزهة اليومية كنت وحدي… لكن لم أكن لحظة لوحدي، لأنكم جميعكم كنتم دائمًا معي. كانت ظروف اعتقالي قاسية، حقًا قاسية، وبرغم ذلك، كان يسودني دائمًا اطمئنان غريب، مرده الى أنني كنت أعيش ذاتي وليس ذاتًا مصطنعة. كنت أعيش قناعاتي، ولو على مساحة ستة أمتار مربعة فقط. كان هذا بالنسبة لي، وبما لا يقاس، أفضل من أن أعيش قناعات غيري ولو على مدى مساحات الكون في رمته.
طيلة الأحد عشر عامًا ونيف، لم أشعر يومًا بأنني مسجون برغم وجودي في السجن وأي سجن! ذلك لأن روحي بقيت حرة، وهذا هو المهم. إن المساجين الحقيقيين هم أولئك الذين صنعوا سجنًا لأنفسهم، من خلال تلبّسهم ذوات الغير وقناعاته، طمعًا بمنصب، أو مكسب، أو تجنّبًا لاضطهاد أو اعتقال.
إن جوهر الوجود البشري هو تلك الإرادة الحرة التي ميّز الله الانسان بها عن سائر المخلوقات، فلا يجوز التخلّي عنها، أو مبادلتها بأي شيء آخر. إن الشيء الوحيد الذي يُشعرني بالأسف، هو مقدار الخوف والعذاب الذي تسببت به لزوجتي، وأهلي، وأقاربي، والأصدقاء، بتفضيلي أن أكون سجينًا حرًا تحت الأرض، على أن أكون طليقًا خارج السرب في بلاد الناس.
نعم، لطالما اعتبرت أن وجودي في السجن هو في مثابة قيامي بواجبي، تمامًا، كما كنت أفعل كل يوم قبل إدخالي السجن.
إن تحمّل المسؤولية الكاملة لا يكون أيام اليسر فقط، بل واجب المرء أن يتحمّل المسؤولية أيام العسر بلا تردد أو تراجع.
ولا بد من أن أحيّي الرفاق في القوات اللبنانية حيثما كانوا، في الوطن أو بلاد الإغتراب، وأقول لهم: أنا فخور جدًا جدًا بهم… بوعيهم، بإيمانهم، بصمودهم، بصلابتهم وبتضحياتهم. إن ما مورس في حقهم من ملاحقات، واضطهاد، واعتقالات، وسجن، وتعذيب، وأحكام، وقتل في بعض الأحيان، لهو أكبر ظلامة في تاريخ لبنان المعاصر.
والمؤسف المؤسف، في هذا المجال، هو أن تلك الممارسات كلها كانت تتم بأيدٍ لبنانية، ولو بقرار غير لبناني. لكن الأوطان لا تُبنى إلا بالنضال والتعب والعرق والدموع والتضحيات.
أوجّه تحية كبرى الى اللبنانيين، مسلمين ومسيحيين، على مقاومتهم الصامتة طيلة تلك السنين، بمواجهة محاولات إفراغ لبنان من كل محتوى تاريخي، وطني، فكري، اقتصادي… وحتى ديموغرافي. وأوجّه الشكر الى كل من ساهم بشكل مباشر أو غير مباشر بإطلاق سراحي.
لن أتمكن من ذكرهم جميعًا، فأستأذنهم لأخص البعض منهم في هذه المناسبة:
– غبطة الكاردينال البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، والسادة البطاركة والمطارنة، وقد حمل وحملوا لواء هذه القضية منذ اللحظة الأولى، من دون كلل أو ملل.
– حلفاؤنا في الحزب التقدمي الاشتراكي وعلى رأسه الأستاذ وليد جنبلاط، وتيار المستقبل، وعلى رأسه الشيخ سعد رفيق الحريري، على الجهود التي بذلاها في الاشهر الماضية.
– أعضاء لقاء قرنة شهوان، من خلال نضالهم، كما من خلال حملهم لواء هذه القضية، بالتحديد، في جميع مراحلها.
– التيار الوطني الحر، وعلى رأسه العماد ميشال عون، من خلال نضال شبابه، لتغيير الأوضاع التي كانت قائمة.
– المجلس النيابي رئاسة وأعضاء، على توقيع مشروع العفو المعدل.
– وأخص بالتحية والعرفان مئات الألوف من اللبنانيين الذين صنعوا من 14 آذار مسيرة شعب ووطن نحو الحرية والكرامة والعدل.
– وكيف أنسى تضحيات صامتة متألمة حميمة، هي لوالدتي ووالدي اللذين كان يحق لهما باستراحة هانئة بعد كدّ وجدّ من دون حدود، فحُرما منها وتحمّلا ما لا يحمله البشر.
– وكيف أنسى الحبيبة؟ الزوجة التي خُطف إلى الاعتقال شريك حياتها، وهي بعد، في السنوات الأولى لزواجها، وتم تهجيرها من حيث كانت تسكن، ولوحقت طوال أحد عشر عامًا بشكل أو بآخر، وضُيِّق عليها، وجرى استدعاؤها مرتين للتحقيق معها بحجج مختلفة واهية.
بالإضافة الى كل ذلك سقطت على كتفيها مسؤوليات جسام لم تخطر يومًا لها في بال، أو فكرت فيها. فأعانها الله ومكّنها من تدبير الأمور على أفضل ما يكون حسن التدبير. وبقيت صامدة في بيتنا في يسوع الملك، متحلّية بالإيمان بربها، وبالصبر على قدرها.
أيها اللبنانيون،
السنوات السود وراءكم، وبيض الأيام أمامكم. لن تدفعوا ثمن استقلالكم وحريتكم ووحدتكم مرتين. إذا أردنا بناء مستقبل أفضل لأجيالنا الطالعة، علينا أن نتعاون جميعًا بروح مختلفة كليًا عن سنوات الحرب.
ولكي نتعاون جميعًا، يجب ألا ننظر إلى الآخرين معتمدين على حكم مسبق مبني على نظرتنا السابقة إليهم إبان سنوات الحرب، لأنه كان لتلك الحرب منطقها الذي لم يعد قائمًا أو صالحًا ليومنا هذا. فلننظر نحو المستقبل، ولتتضافر جهودنا من أجل أن نزرع الأمل في نفوس شبابنا.
أفضل الأيام هو الغد. فلنصنعه اليوم، اليد باليد، لينهض الوطن وينبض بالحياة.
عشتم، وعاش لبنان.
سمير جعجع – 1/8/2005
“المسيرة” ـ العدد 1754
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]