
لقد قالَ الدّستورُ، والدّستورُ هو أصلُ المعاييرِ التي تُتبَعُ لشرحِ مفهوم الوطنِ والدولة، إنّه ينبغي على أهلِ البلاد، كلِّ أهلِ البلاد، ألّا يكونَ بينهم تَصادمٌ، ولا نزاع، بل محبّةٌ واتّحاد. وهذا التوجّهُ يشكّلُ مبدأَ فيه ماهيّة الوطن، وجوهرُ العلاقةِ بهِ، وفيهِ، أيضاً، وصيّةٌ تؤكِّد على روحِ المسؤوليّةِ التي تفرضُها الرّوابطُ بين المواطنين، التزاماً بسُلَّمِ قِيَمٍ وطنيّة، وأخلاقيّة، وإنسانيّة، يجبُ الالتزام بها مصدراً للولاءِ، ورفضاً لأيِّ سلطةٍ إلّا سلطة القانون، والتي تُمنَحُ للدولة، فقط. واستناداً، نزيدُ أنْ لا سبيلَ الى حياةٍ سَلاميّةٍ حرّةٍ تتغلّبُ على الفوضى، والكوارث، والنّكبات، والتعصّب، والإستقواء، إلّا بمنهجِ الدّستور، وقدوتِهِ، وصوابيّةِ ما فيهِ من فِكَرٍ مُثمِرةٍ حول صحيحِ الانتماء والولاء.
هناكَ، عندَنا، مَنْ لم يجدوا حَرَجاً في تَخَطّي ما وردَ آنِفاً، فاستعاضوا عمّا وردَ بسَبكِ مشيئاتِ اللهِ لتتلاحمَ مع عقيدتِهِم، ونظريّاتِهِم، وأدائِهِم، وإذاعاتِهِم، طريقاً جريئاً لإظهارِ أنفسِهِم عظيمي الأهميّة، ولإقناعِ تابِعيهِم المُصَفِّقين بأنّهم لا يتوخّون، بذلك، غيرَ جلاءِ الحقيقة. وهذه عبارةٌ يذهبُ الذِّهنُ وراءَها الى كثيرٍ ممّا لا تقولُهُ، خارجَ تأثيرِ ما يُسَمّى الصّدق الشَّعبَوي، انطلاقاً من مواقفِ ” المُستَقوين ” الجليّة، قبلَ الخفيّة، ومن سلوكِهِم الحاضرِ، قبلَ الغائب، ومن الجانبِ المباشرِ لظهوراتِهم الخطابيّة، قبلَ الغامضِ فيها، والرّمزي.
لقد أَتحفَنا المُستَقوون بأنّ قضيّتَهم هي تكسيرُ أنيابِ الوحش، وأظفارِهِ، ويعني العدوّ الإسرائيلي، دَعماً لحقّ شعبِ فلسطين بالتحرّرِ، والإستقلال، وبدولةٍ قائمة، لها ما لسواها من الدُّوَل، فزَجّوا بالوطنِ في حربٍ عبثيّةٍ لا ناقةَ له فيها، ويمكنُ لها أن تدمّرَه حجراً وبَشَراً. في البداية، نحن نؤكِّدُ على أنّ هذا الحقّ ليس رومنسيّاً، أو تخييليّاً، بغضِّ النّظرِ عمّا قامَ به الفلسطينيّون، منذُ 1947 وحتى السّاعة، لإحقاقِهِ، وبغضِّ النّظرِ، أيضاً، عمّا استغرقَ الصّهاينةُ من أساليبَ في تهميشِهِ، ونَفيِهِ. وقد أشرتُ الى هذا الحقّ، في النصِّ الذي يتضمّنُ رأيي في الحياد، والوارد في كتابي ” الوطن في الحقيقة “، إذ قلتُ: إذا كان الواحدُ لا يمكنُ له أن يقفَ حياديّاً بين الخيرِ والشرّ، أو بين الحقّ والظّلم، فإنّه لن يتنكّرَ لأحقيّةِ الفلسطينيين في استرجاع أرضهم السّليب، وكان لبنانُ رأسَ رمحٍ في الذَّودِ عن هذا الحقّ، وقد دفعَ، وحدَه، وِزرَ هذه القضيّةِ، الثّمنَ الباهظَ على مستوى استقراره، ونموّه، وتوازنه…
لا يسعُني، في مجالِ الكتابةِ لإبداءِ الموقف، إلّا أن أذكّرَ بأنّ من أُصولِ الأخلاقيّات الحقَّ في الإختلاف، بمعنى الرأي والرأي الآخر، تعزيزاً لمبدأ الحريّة في التّعبير، وهذا يعني، في المبدأ، وفي سُلَّمِ القِيَم الديمقراطيّة، الإلتزام بالإنضباط، والإبتعاد عن السّلوك المُشينِ، إبتذالاً وتحريضاً… من هنا، لن أُجاري الذين تتفلّتُ ألسنتُهم من حصانةِ اللّياقة، فتنجرف الى الإسفاف، واللّغة النّابية، انسجاماً مع مُتَلَقّيهم الإصطناعيّين، المُصَفِّقين على غيرِ هداية، والمُستَخدَمين مِنبراً مجانيّاً لإثارةِ الغرائز. في هذا المَجال، ولمّا كان الكلام السياسيّ هو وضعُ جماعةِ النّاسِ داخلَ خُطاب، أجدُني مُجبَراً على لفتِ النَّظرِ الى خطورةِ ردِّ الفِعلِ العشوائيّ، وتداعياتِه، احتراماً لسلامةِ الجماعة، ومَنعاً لاشتعال فَتيل التفجّر.
أعودُ الى صُلبِ الموضوع، وهو الإنحرافُ الى الأنانيّة، وتضخُّمُ الفَردانيّة، واستشراءُ اللّامبالاة بنظامِ المساواةِ والحقّ، وكأنّ المستَقوينَ غفلوا، أو قَصَدوا الى إغفالِ أنّ المجتمع البشريّ قد انتقلَ من مرحلة “الغاب “، حيثُ الحقُّ للقوة، الى مرحلة “الدولة “، حيثُ الحقُّ مرتبطٌ بالقوانين. وكأنّ احترامَ الآخر، وثقافةَ المساواة، بالنسبة للمستَقوين، ليسا قيمةً مركزيّة عُليا من قِيَمِ الإنسان، فالسّاعون الى الضّغطِ والتّمييز والإستفراد، يستعيضون عن تلك القيمة باستقواءٍ يتحكّمُ بالأرضِ وبالنّاس، وبالقرار، ويمهرونَ، زوراً، الذين يخالفونهم بالخيانة، والغَدر، ليستحقّوا، بجُرمِهم هذا، الرَّجم.
ويُفرطُ المستَقوون بإطلاقِ شعاراتٍ خشبيّة، يغلّفونَها بمزاعمَ لا تنطبق على الموضوعيّة، والحقيقة، من مِثل أنّ الدّولة هي المرجعُ الصّالح لحَلِّ الأمور، وأنّ الجيش هو الضّامنُ الوحيد لسلامةِ الناسِ والأرض، وأنّ شغلَهم الشّاغل هو محاربةُ الفساد… ثمّ يُظهِرُ سلوكُهم الإلغائيّ، بما لا يرقى إليه الشكّ، أنّهم يعملون على تقويض الدّولة، وعلى ضربِ تركيبةِ التّوازن الوطنيّ، وعلى الإستفراد بقرارِ الحرب والسِّلم، وعلى التمدُّد المشبوه فوق خارطةِ البلاد، باستقواءٍ مرفوض، وعلى تسليمِ مفاتيحِ الوطن لعَرّابٍ أَعجميٍّ يستبيحُ سيادتَه، ويستخدمُه ورقةً يرفعُها على طاولةِ المفاوضاتِ والمَغانم…
إنّ ذلك كلَّه، أَثبَتَ، في الأساس، أنّهم يعتمدونَ ظاهراً وباطناً، فالظّاهرُ يُبَيِّنُ طقوسَ الطّوباويّة، والتَّسالُم، والحفاظَ على النّسيج الوطنيّ، وعلى مقوّماتِ الدّولة، وأنّهم ينفّذون، بذلك، مشيئةَ الوطنِ والله… أمّا الباطنُ فهو خطّةُ الاستيلاءِ على لبنان، كياناً، وهويّةً، وارضاً، أي على كامل لبنان، ليصبحَ ساعدَ إيران، أو امتداداً لها، على شاطئ المتوسّط. في الحقيقة، لقد رفعَ المستقوون السّتارةَ عن الباطن، فلم يَعُدْ باطناً مَخفيّاً، وهم يجاهرونَ بما يعملون له، مُعتَبِرين أنّه حقٌّ لهم، فاضَ عليهم من عَلُ، لأنهم وديعةُ السّماءِ في لبنان…