#dfp #adsense

قوَّة “القوات” لبقاء معنى لبنان: قائد وتنظيم

حجم الخط

القائد بشير الجميلالقائد سمير جعجع

يشهد العالم تراجعًا مخيفًا على مستوى القادة الذين يحكمون العالم، وقد تكون الديموقراطية أحد أسباب هذا التراجع وربما التطوّر التكنولوجي الهائل وعوامل عدة أخرى، وقد أدى هذا التراجع إلى تراجع الوزن الدولي وانعكس بدوره على طريقة إدارة الدول والمجتمعات والكتلة البشرية على الكرة الأرضية. من الخطأ تصوير القائد بأنه مرادف للديكتاتورية وأن الديموقراطية تتطلّب عدم وجود قادة، وهذه الشيطنة لمفهوم القائد أدت إلى ولادة طبقة سياسية في العالم تفتقد إلى الكاريزما والحضور والتأثير والقدرة على التجييش والاستقطاب، ما انعكس خمولاً ورتابة وميوعة وغيابًا للحماس السياسي.

ومن الخطأ أيضًا تصوير القائد بانه أقوى من “السيستم” وأن وجود قائد يؤدي إلى تعطيل هذا “السيستم”، ولذلك، يُفترض بـ”السيستم”، وفق هذا المنطق، أن يفرز شخصيات لا تملك المؤهلات القيادية، فيما “السيستم” يجب أن يكون أقوى من الأفراد مهما علا شأنهم وهو الإطار الذي ينضوي الجميع تحت عباءته، ولا بل تبوؤ قائد رأس الدولة يؤدي إلى تزخيم الحياة السياسية واستنهاض المجتمع.

وإذا كان وجود قائد يشكل ضرورة في الدول الرائدة ديموقراطيًا وتشهد استقرارًا سياسيًا وتداولاً طبيعيًا للسلطة، فكيف بالحري في الدول التي تشهد نزاعات وخلافات من طبيعة وجودية وأنظمتها الديموقراطية معطلة بقوة الأمر الواقع، فتصبح الحاجة لوجود قائد ضرورية للتصدي للمشاريع الانقلابية على الدولة والدستور والنظام؟

يستحيل التصدي لحالات تتوسّل العنف والتسلُّح والتعطيل بتركيبات هشة وضعيفة وتعصف الخلافات داخلها، إنما تبرز الحاجة الماسة والملحة لقادة لديهم القدرة على التنظيم والحشد والتعبئة والمواجهة، ولو لم ينوجد قادة مثل الشيخ بيار الجميل والرئيس كميل شمعون ومن ثم الشيخ بشير الجميل في مطلع الحرب لكان مشروع الدولة البديلة حقّق أهدافه وانتصر، وهذا لا يعني التقليل من دور الأحزاب والشخصيات الأخرى التي لعبت الدور نفسه دفاعًا عن الأهداف ذاتها، إلا أن وجود الشخصية القيادية القاطرة يبقى الأساس والعمود الفقري ورأس حربة المواجهة.

وبعد استشهاد الشيخ بشير شعر المجتمع المسيحي بأنه أصبح يتيمًا ويفتقد للقائد القادر على إكمال المسيرة في مواجهة مشروع السيطرة والهيمنة على لبنان والذي لا يواجه بالفردية السياسية، إنما من خلال قادة لا يلينون ولا يستسلمون ولا يتراجعون ولديهم القدرة على خلق تنظيمات قوية وصلبة، فأعاد استلام الدكتور سمير جعجع لقيادة “القوات اللبنانية” الطمأنينة إلى النفوس الخائفة، والثقة بالقدرة على مواصلة المواجهة، والأمل بتحقيق الأهداف المرجوة.

ومنذ استلام الحكيم لقيادة “القوات” وهو يتعرّض لشتى حملات الإلغاء والحصار والاعتقال ومحاولات الاغتيال من أجل التخلُّص منه، لأنه القائد الذي نجح بإعادة تنظيم صفوف “القوات” وتقويتها وتعزيزها، وتصدى في الحرب والسلم لمشاريع مصادرة دور الدولة وتغييب هذا الدور وإبقاء لبنان ساحة للمشاريع الخارجية.

ولم يكن لدى نظام الاحتلال السوري من مشكلة مع شخصيات سيادية لها القدر والقيمة والاحترام في مواقفها اللبنانية، إنما كانت مشكلته مع الحكيم ليس لأن موقفه أفضل من موقفها، إنما بسبب قدرته على خلق تنظيم قوي في بنيته ومتماسك في تركيبته وصلب في توجهات كوادره ويضم الآلاف في صفوفه ولديه التصميم على المواجهة في الظروف كلها.

فلا يمكن مواجهة مشاريع على غرار الدولة البديلة والدولة الملحقة والدولة التابعة من مربعات فردية وهي ضرورية في كل الأوقات، إنما من دون قاطرة تكون المواجهة غير متكافئة، والتكافؤ يستدعي وجود قادة على رأس تنظيمات حديدية تشكل الحاجز أمام محاولات وضع اليد على البلد كله، وتكون قادرة على الربط مع لحظة التغيير التي تخدم المشروع اللبناني.

والإحباط المسيحي في تسعينات القرن الماضي لم يكن سببه حرمان المسيحيين من مواقعهم الرئاسية والوزارية والنيابية والعسكرية والقضائية والأمنية والمصرفية والإدارية في الدولة، إنما على العكس حافظوا على مواقعهم كلها، إنما سببه التغييب المتعمّد لقائد ومشروع، أي تغييب قائد “القوات اللبنانية” سمير جعجع وما يرمز إليه من قوة وتنظيم وتصميم وعنفوان وكرامة، وتغييب مشروعه في قيام دولة مستقلة لا بديلة ولا ملحقة ولا تابعة.

فمنطق القوة لا يواجَه إلا بالقوة، والمواجهة الأساسية هي من طبيعة سياسية، ومجرّد أن يشعر الخصم بوجود قوة تمثِّل عصب المجتمع وقادرة على تحريك الشارع يحسب لها ألف حساب مهما تظاهر بخلاف ذلك، خصوصًا أن المجتمع اللبناني تعددي، ويكفي أن يُمثِّل قائد على رأس تنظيم شريحة واسعة من بيئته ليرسِّم حدود الفريق الآخر.

وكان بعقل الممانعة في سبعينات القرن الماضي أنه يكفي كسر الكتائب لكسر ظهر المسيحيين والسيطرة على لبنان كله، وكان بعقلها منذ ثمانينات القرن الماضي أنه يكفي كسر “القوات اللبنانية” لكسر ظهر المسيحيين والسيطرة على لبنان كله.

ولا يُفترض بهذه المقاربة أن تستفز أحدًا، لأن “القوات” أكثر الحريصين على التعاون مع جميع المخلصين لأجل لبنان السلام والحرية والإنسان، ولا بل كل مخلص وضنين على المصلحة اللبنانية يجب أن يتواضع ويقرّ بالوقائع والحقائق وهي أن التنظيم الحديدي لا يواجَه إلا بتنظيم حديدي، وأن الأقوى يجب أن يتقدّم من دون أن يلغي الآخرين، لأن المواجهة لا تربح إلا بالتكامل بين الجميع، فلا “القوات” وحدها قادرة على تحقيق النصر، ولا الشخصيات المستقلة قادرة من دون “القوات”، وبالتالي التعاون واجب ضروري لإنقاذ اللبنانيين من هيمنة الممانعة، وأي شخص متصالح مع نفسه يجب أن يعترف بالوقائع من دون أن يلغي دوره وحضوره، وهذا ليس مطلوبًا إطلاقاً، إنما المطلوب التعاون في سياق هدف واحد.

ويجب على الجميع أن يتذكّر دائمًا بأن الممانعة في نسخها المثلثة (الفلسطينية والسورية والإيرانية الممثلة بـ”الحزب”) ارتكزت على تنظيمات صلبة وكان هدفها، وما زال، إلغاء التنظيمات الصلبة في الجهة المقابلة بما يسهِّل عليها سياسة القضم والتحييد والالتفاف. ويجب التذكُّر أيضًا بأنه على رغم أهمية الرأي العام الاستقلالي في بدايات انتفاضة الاستقلال، ولكن من رسّم حدود الممانعة هي أحزاب الطوائف في البيئات المسيحية والسنيّة والدرزية عندما كانت مصممة جميعها على مواجهة مشروع الانقلاب على الانتفاضة.

وقوة “القوات” هي الأساس لمواجهة مشروع الممانعة، وهذه القوة متأتية من قائد وتنظيم، وهذا لا يعني الانتساب إلى “القوات” ولا إخلاء الساحة لها، إنما أن يواصل كل تنظيم وفرد المواجهة على طريقته ولو المنفصلة إنما المتكاملة في الأهداف وبعيدًا عن الحسابات الضيّقة والخشية غير المبررة في ظل مواجهة إذا انتصرت فيها الممانعة قضت على الجميع وعلى الفكرة التي يُناضل في سبيلها.

فالحاجة إلى قائد ضرورية وليست ترفاً ولا وجاهة ولا سلطة، لأن المشروع الممانع لا يواجَه إلا بقائد وتنظيم، وفي حال لظرف من الظروف لم تعد “القوات” ولا قائدها تجسِّد القائد والتنظيم يجب البحث عن قائد وتنظيم، لأن المسألة مسألة حياة أو موت للفكرة اللبنانية، ولا أنصاف حلول على هذا المستوى.

وبالتوازي مع الحاجة إلى قائد وتنظيم يشكّل رافعة في المواجهة مع الممانعة، فإن دولة مثل لبنان قامت على التسويات والتراضي والمحسوبيات والمصلحة واللفلفة والزعبرة والتشاطر على القانون، بحاجة إلى قائد يطبِّق القانون على الجميع من دون مراعاة ولا استثناءات ولا وسايط، ولن تقوم قيامة للبنان قبل وصول قائد إلى رئاسة الجمهورية يحكم بالعدل والإنصاف.

وأظهرت تجربة الأسابيع الثلاثة لبشير الجميل على رغم قيادته لسنوات من المواجهات الساخنة أن الشعب بحاجة إلى قائد يطبِّق القانون على الجميع وتهابه القوى السياسية لأنه لا يدخل معها في صفقات ومساومات، ويطبِّق على نفسه ما يطبِّقه على غيره.

فالمواجهة لبقاء معنى لبنان بحاجة إلى قائد وتنظيم، والدولة لن تستقيم إلا مع قائد وتنظيم، ومسؤولية المجتمع أن يفرز قادة تُنشئ تنظيمات متراصة، ولولاهم لما بقيت الشعلة مضاءة، ولو لم يكن بيار الجميل وكميل شمعون وبشير الجميل موجودين لوجب البحث عنهم، ولو لم يكن سمير جعجع موجودًا لوجب البحث عنه.

شارل جبور ـ رئيس جهاز الإعلام والتواصل في “القوات اللبنانية”

 

كتب شارل جبور في “المسيرة” ـ العدد 1755

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل