Site icon Lebanese Forces Official Website

الضحايا الأحياء بعد 4 أعوام على كارثة المرفأ

أربعة أعوام مرت على فاجعة تفجير مرفأ بيروت أحد أكبر انفجارات العصر والذي تسبب بمقتل حوالى 230 شخصًا و7000 جريح. أربعة أعوام مرّت على عقارب تلك الساعة المشؤومة السادسة و8 دقائق ولا يزال الجرح ينزف، والمعاناة مستمرة، والمحاسبة مغيّبة، والعدالة محسوبيات على حساب أرواح الضحايا. قصص تُروى ووجع ينزف، في ظل دولة مغيّبة ظالمة لم تقتص من المجرمين. فماذا يقول أهالي الضحايا الأحياء اليوم مع حلول الذكرى الرابعة لتفجير مرفأ بيروت، على وقع عدالة مفقودة، وحقوق مسلوبة، وتحقيق متوقف بفعل تدخلات قضائية وسياسية، ومجرم طليق… من ينصفهم؟؟؟

 

منذ أربعة أعوام ترقد لارا حايك على سرير المستشفى في غيبوبة ليتوقف الزمن هناك. 4 آب 2020 أُصيبت لارا في الانفجار وكانت تنام على فراشها في بيتها بعد عودتها من عملها، تقول والدتها نجوى. “كانت الإصابة في الجزء الأيسر من الرأس، عندما حملناها الى المستشفى لمعالجتها، وظنوا فقط أنها مصابة في عينها كما هو ظاهر، يومها كانت الفوضى كبيرة والمستشفيات مكتظة بأشلاء الضحايا والمصابين، بينهم من كانت حالته خطرة جدًا تستدعي تدخلاً طبيًا سريعًا لإنقاذه، فلم يخطر في بال أحد أن لارا تعاني من نزيف داخلي”.

تتابع نجوى بغصة: “فجأة توقف قلب لارا، حاول الأطباء إنعاشه، تأخر الأوكسجين في الوصول الى الدماغ، مما تسبب لها بتلف، فدخلت في غيبوبة لا تزال ترقد فيها الى اليوم، ومنذ ذلك النهار ونحن نعاني في المستشفى معها. حاول الأطباء في مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت علاجها، إلا أن دماغها لم يستجب، واستمرت المحاولات لشهرين من دون نجاح، مما اضطُرنا لنقلها الى مركز بحنس الطبي حيث لا تزال موجودة هناك”.

المعاناة كانت أليمة جدًا طيلة أربعة أعوام، تضيف الأم بصوت يلفه الحزن والأسى وتخنقه الدموع. “أزورها في نهاية كل أسبوع. كانوا يسمحون لي بالبقاء عندها من مساء الجمعة الى ليل الأحد. أما اليوم وبسبب وضعي الصحي فقد تغيّر الوضع ولم أعد قادرة على البقاء معها في المستشفى. الوضع مؤلم كثيرًا “شو بدي إحكي” عمرها اليوم أصبح 45 سنة تنام على سرير عبارة عن كتلة عظام لا حياة فيها سوى قلب ينبض في انتظار أن يعود الدماغ الى الحياة”.

عائلة لارا كما غالبية اللبنانيين تعيش على قاعدة “أعطنا خبزنا كفاف يومنا”، وكأنه لا يكفيهم ما يرزحون تحته لتأتي هذه الكارثة وتخيّم على حياتهم. فكيف يؤمنون مصاريف العلاج؟ تجيب نجوى: الدولة لم تتكفل بأي فلس، غسلت يديها من دم هؤلاء الأبرياء الذين وقعوا نتيجة فسادها وتلوّث أيادي المسؤولين فيها مع المجرمين وإهمالها تخزين مواد خطرة في مرفق مدني، كما لا يوجد لديهم تأمين صحي، لذلك هي وابنها يعملان ويسددان المصاريف، ولا تزال الشركة التي كانت تعمل فيها لارا مستمرة في صرف راتبها الشهري لغاية اليوم، الأمر الذي يساعدهم قليلاً.

وتوجهت نجوى برسالة الى المجرمين والمسؤولين عن هذا الانفجار قائلة: “لن نتراجع عن المطالبة بتحقيق العدالة وإنصاف الضحايا، فهذه الجريمة هي ضد الإنسانية وضد حقوق الإنسان، لن نتراجع على الرغم من كل العراقيل التي يضعونها لتعطيل التحقيق وإيقافه. من حقنا أن نعرف ونفهم السبب، لماذا دفع أولادنا ثمن أخطاء مسؤولين كبار تسببوا في دمار نصف بيروت، لذلك طالبنا بلجنة تقصي حقائق دولية لأن لا أمل لدينا في هذه المنظومة الفاسدة والمجرمة”.

 

ميراي خوري: ما بدي إرجع ليوم 4 آب

لا تزال ميراي بازرجي خوري والدة الضحية الياس الخوري ابن الـ15 سنة تعانق ألمها ودموعها واشتياقها له منذ ذاك الرابع من آب 2020، وتقول: “لا أريد العودة الى ذلك النهار”.

الغضب يملأ صوتها. فهذه القضية متوقفة اليوم، وهذا الأمر غير مقبول في جريمة تُعتبر الأكبر في العصر الحديث، وتخزين كمية من نيترات الأمونيوم بهذا الحجم في مرفأ رئيسي أمر غير مقبول، بوجود مسؤولين كان لديهم علم وخبر، ومسؤولين آخرين قرّروا تخزين هذه المواد الخطرة، تقول ميراي، لذلك مخزٍ جدًا على الدولة اللبنانية أن تمر هذه الجريمة وأن لا يكون هناك موقوف واحد فيها، لا بل هم يخططون لإعادة إعمار المرفأ ومسح كل أثر لهذه الجريمة، وكأن شيئا لم يكن. حتى أنهم لم يفكروا بوضع نصب تذكاري تخليدًا لذكرى الضحايا الذين سقطوا أقله لضحايا فوج الإطفاء، على غرار ما حصل في كارثتي هيروشيما وبرلين. كما أن عرقلة التحقيق وعمل قاضي التحقيق طارق البيطار هو لأهداف سياسية فقط لطمس الحقيقة. والنائب العام السابق غسان عويدات أطلق سراح جميع المحتجزين في القضية بطريقة غير قانونية، عوضًا عن العمل على حماية حقوق الضحايا، وهذا الأمر لم يحدث بتاريخ لبنان الحديث أن يعمد مدعٍ عام الى القيام بعمل غير قانوني بهذا الحجم.

وكان الياس تعرّض لإصابة بليغة في رأسه جراء الانفجار، ولم تنجح العمليّة الجراحيّة التي خضع لها في إعادته إلى الحياة، ليحمل رفاقه نعشه ويزفونه ملاكًا الى حضن الآب السماوي، لا ذنب له سوى عيشه في بلد تحكمه سلطة فاسدة ومجرمة.

ترفض ميراي القول إن ابنها شهيداً، “هو ضحية، ثمة من قتله، هو لم يختر الموت طواعية كما يفعل آخرون، بل قُتل على يد عصابة من المجرمين”، ورسالتها لهم “أن عدالة الأرض ستكون أهون بكثير عليكم من عدالة السماء، لأن عدالة الأرض مرحلية وستمر، أما عدالة السماء فلن تتركهم”.

كانت كارمن خوري في منزلها في الجميزة لحظة الانفجار المروّع، لم تسمع الصوت، ولكن عصف الانفجار حطم نوافذ منزلها ما أدى إلى إصابتها بجروح خطرة، مع صدمة شديدة في الرأس وخسارة كميات كبيرة من الدم. وبعد إصابتها البليغة، دخلت كارمن في غيبوبة استيقظت منها بعد ثلاثة أسابيع، لتصفق بيديها فرحًا بعودتها الى الحياة على وقع أغنية “ثلاث دقات”.

تقول لورا شقيقة كارمن وهي عضو في إحدى لجان أهالي الضحايا، إن هذا الانفجار هو جريمة ضد الإنسانية وحقوق الإنسان، وتصف شقيقتها بالسيدة الجميلة التي تحب الحياة والأناقة والجمال وتهتم برشاقتها، حيث كانت كل يوم تجول شوارع الأشرفية مشيًا على قدميها، لكن هذه الزوجة والأم لابنتين، خسرت بصرها وسرقوا الضوء من عيونها في لحظة كارثية، بسبب إصابة مباشرة في رأسها تضرر معها العصب البصري في عينيها، لتبدأ العيش في ظلمة لا نهاية لها تستنير فيها بإيمانها الكبير. لم تنهار ولم تستسلم، بل أصرَّت على أن تكمل حياتها كما كانت قبل الانفجار المشؤوم، معتمدة على ساعة ذكية ترتديها في يدها تساعدها على القيام بمهماتها. لا تقبل مساعدة أحد حتى أقرب الناس إليها وتصرّ على إنجاز الأمور التي كانت تنجزها سابقاً في بيتها وعلى الاهتمام بنفسها.

وتشير لورا الى تدخل العناية الإلهية. “ما حصل مع كارمن هو بمثابة معجزة حيث شعرنا دائمًا بحضور الروح القدس الدائم معنا، فلم نفقد الأمل والرجاء، وعندما استفاقت من غيبوبتها أخبرتنا أنها رأت أبونا شربل قائلاً لها أنا معك لا تخافي، وهي تستمد قوتها اليوم منه ومن كلمته تلك وكلها أمل باستعادة نظرها يومًا ما”.

وعلى رغم صعوبة حالتها لم تفقد كارمن الأمل، وما زالت تبحث عن علاج جديد وتتواصل عائلتها مع مراكز أبحاث عالمية علها تجد اكتشافًا جديداً يعيد إليها ما فقدته.

ما يحزّ في نفس كارمن ليس الإصابة الجسدية بل تداعياتها المعنوية، فهي لم تر ابنتها عروسًا، صحيح أنها كانت الى جانبها عندما زُفت عروسًا لكنها لم تستطع رؤية ثوبها الأبيض ووجهها وتسريحتها، ولم تستطع أن ترى حفيدتها الأولى بعينيها ولكنها رأتها بقلبها.

وتختم لورا أن أهالي الضحايا سيتابعون العمل من أجل تحقيق العدالة للضحايا، مؤكدة أن لجان أهالي الضحايا تعمل في ما بينها، وهم على تواصل وتنسيق تام مع بعضهم البعض، ويعملون على إنشاء لجنة تقصي حقائق دولية للتحقيق في هذا الانفجار لعدم ثقتهم بالمنظومة الحاكمة الفاسدة اليوم التي تعمل على طمس الحقيقة. ولن يسكتوا أو يستكينوا حتى يصلوا الى تحقيق العدالة في هذا الملف.

في التحضير لذكرى التفجير الرابعة، وصف أهالي ضحايا تفجير مرفأ بيروت، أن مجزرة قانونية تُرتكب يوميًا في حق بيروت، داعين المدعي العام التمييزي الجديد القاضي جمال الحجار إلى أن يفُك أسر المحقق العدلي، واللّبنانيين إلى المشاركة في التحرّكات لتحقيق العدالة، مؤكدين أن الطبقة السياسية لا تريد المحاسبة بل طمس تحقيقات 4 آب ولكن بيروت تريد العدالة والوصول إلى الحقيقة.

 

مالك: الدولة هي المسؤولة أولا!

في نظرة حول المسؤولية القانونية في انفجار المرفأ، يوضح أمين سر تكتل الجمهورية القوية المحامي سعيد مالك أن الدولة هي المسؤولة المباشرة في هذا الملف، ويجب على التحقيقات أن تُظهر من كان المسؤول عن موضوع تخزين النيترات، ومن هو المسؤول عن هذا التفجير، وهذا الأمر يتم من خلال التحقيقات التي يجريها المحقق العدلي القاضي طارق البيطار، والتي تعرقلها الطبقة السياسية لغاية تاريخه.

والثابت الى الآن هو مسؤولية الدولة وعليها أن تتحمّل هذه المسؤولية قبل أي شيء آخر، يؤكد مالك. إضافة الى ذلك هناك تعويضات على شركات التأمين في حال تبيّن أن شروط الاستفادة، سيما للأشخاص المؤمّنين، موجودة. اليوم هناك الكثير من الشهداء والمصابين الذين لا يملكون تغطية استشفائية، أو تغطية على صعيد شركات التأمين لمصالحهم وأملاكهم وأموالهم، وهذه مسؤولية الدولة وعليها أن تتحمّل هذا العبء. لكن يجب أولاً الإفراج عن التحقيقات التي يجريها القاضي طارق البيطار حتى يُبنى على الشيء مقتضاه وتتبين بطريقة واضحة المسؤوليات وكيفية توزيعها.

أما من ناحية حقوق الضحايا، فلا شيء يمكن أن يعوّض عن الضحايا الذين سقطوا، يمكن أن تكون التعويضات مادية سيما لورثة هؤلاء الضحايا والمصابين، عن طريق تأمين علاجهم واستشفائهم وإعادتهم الى ما كانوا عليه. صحيح أن هذا الأمر هو مسؤولية الدولة لكن شرط أن يكون هناك قرار بتحمّل هذه المسؤولية. اليوم ليس هناك من إمكانية لإعادة الشهداء على قيد الحياة إنما يمكن التعويض على ورثتهم وعلى من تضرر نتيجة هذا الانفجار.

يشير مالك الى أن “القوات اللبنانية” هي أول من طالب بضرورة اللجوء الى المحاكم الدولية، لعلمها المسبق والأكيد بأن القضاء اللبناني لن ينصف هؤلاء الشهداء والضحايا والمتضررين، وذلك بسبب وجود قوى متحكّمة بالقضاء اللبناني، وهناك من يستعرض قواه على القضاء وعلى الضابطة العدلية، وبالتالي كنا مدركين سلفاً وما زلنا أن القضاء المحلي لن يُنصف هؤلاء الضحايا، من هنا ضرورة اللجوء الى القضاء الدولي، أقله بادئ ذي بدء عن طريق لجنة تقصي حقائق دولية تُرسل من قبل مجلس الأمن الى لبنان، لاستكشاف الوضع ووضع تقرير مفصل وشامل يُظهر الأسباب التي أدت الى وقوع هذا الانفجار الغاشم، ونتيجة هذا التقرير الذي تقدمه يمكن أن يُبنى على الشيء مقتضاه، والذهاب الى أبعد من ذلك ربما إنشاء محكمة خاصة بلبنان من أجل معاقبة هؤلاء الفاعلين والمتدخلين والمقصرين والذين تسببوا بهذه الكارثة الكبرى.

بالنسبة الى التعويضات التي أقرّتها الدولة اللبنانية لقتلى “الحزب”، يتابع مالك: “المؤسف أن الدولة اللبنانية تكيل بمكيالين، وهي مغلوب على أمرها كونها مصابة من قبل حزب مسلّح يفرض سلطته وسطوته عليها وعلى رجالاتها. اليوم إذا كان يُفترض أن يكون هناك من تعويضات، يجب أن تكون لمصلحة من تضرر نتيجة عدم فعله أي شيء سوى أنه مواطن آمن، وأن لا يوصى بالتعويض على أشخاص أو على حزب اتخذ منفردًا قرار الحرب والمواجهة. لكن الثابت والأكيد أن الدولة لا تستند في قراراتها على أي مستند أو مسوغ قانوني أو دستوري، إنما اليوم يُصار الى إخضاعها لسياسة الأقوى، بمعنى أنه اليوم من يمتلك السلاح يمتلك القرار. والأمر المؤسف أن من يدفع الضريبة والثمن هو المواطن اللبناني الذي يُسدد ضرائبه للدولة، وهو يعتبر نفسه مواطناً صالحاً، ولكن ما يحصل أن المسؤولين يأخذونها الى أمكنة والى تعويضات لا يجب أن تُسدد بأي شكل من الأشكال”.

 

كتبت غرازييلا فخري  في “المسيرة” ـ العدد 1755

الضحايا الأحياء بعد 4 أعوام على كارثة المرفأ.. عقارب الساعة لن تعود الى الوراء

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com​​​​​​​​​​​​​

Exit mobile version