.jpg)
قال لي أحدُهم : لا يمكن، بأيّ شكل، نَقلُ إِبصارِنا الى خلف رؤوسنا، لننحجبَ عن الإهتزازات الخطيرة التي يتعرّض لها الوطن، وننسى ذاك الواقع المفروض الذي لن تكون نتائجه إلّا وخيمة، والزجّ بلبنان في بركان حربٍ عبثيّة قاتلة، وكلّ ذلك، وسواه، سوف يجعلنا نقف أمام ما يتبقّى من آثار بلادنا، نبكي ونستبكي… وهذا يذكّرنا بوقوف الشّاعر الجاهليّ على الأطلال.
قلتُ : إنّ الوقائعَ تشير، حتماً، الى تشكيل حالة مُحَفِّزة على البكاء، لا سيّما وأنّ أكثر اللبنانيين قد أَنشَبَت فيهم الخيبةُ أظافرَها، وعطَّل اليأسُ صَبرَهم، وأصبح الأمل بالخلاص سَراباً، وجعلت معاناتهم التي طالَت، ليلَهم مليئاً بالأشباح والأطياف الموحشة، ورسمَت في عيونهم أثلاماً من الحزن. ولا يستطيعُ أحدٌ أن يتنكّر لتبرير إصابة الوطنِ بالذّعر، ولثورة المواطنِ مُغتاظاً، لمحصّلة الخسائر التي مُنِيَ بها، والتي يُتَوَقَّعُ أن تتفاقم ومن دون تعويض، وذلك بسبب نزعة بعضهم الى ثقافة الحرب والموت، والقفز البهلوانيّ الذي أسقطَ البلاد في هاوية جهنّم…
وبعد، إنّ الشّعوذات، والسّفسطات، والمزاعم، التي يُتحفنا بها مُدَّعو الدّفاع عن الوطن، الذين استَقوَوا ليسيطروا، ليست سوى خطابات بالية، وخرافات وَعِرَة، رمى أصحابها لبنان المنكوبَ والمتألّم على قارعةِ طريقٍ منعزلة، منسلخة عن الحياة، عرضةً للموت تحت صليب القهر، ولا من سمعان القيرواني. ويدّعي أصحابُ الكوارث الرّهيبة، وكلاءُ تسليمِ البلد الى مُستَعمرٍ جديد، بعد الضِّيقِ الذي دفعوه إليه، يدّعي هؤلاء أنّهم أهل الطُّهر والاستقامة، والأصالة الوطنية، وكأنّهم لا يعرفون أنّ الشّعبَ الذي، وبالرّغم من أنّ حياته قد رَثَّت بالعَوز، والخوف، واليأس، يَعي، تماماً، أنّهم فاسدون، خرَّبوا البلاد، وهجّروا أهلها، وداسوا كيانَها، ومزّقوا هويّتَها، وقتلوا كرامتَها، كَرمى لأهدافهم المشبوهة، ولِصِلاتهم المعروفة.
إذا بقيَ اللبنانيّ في أرضِه، أو تركَها مهاجراً، فهو، في كِلا الحالَين مصلوب، خاضعٌ لمجهولٍ أليم، لا طمأنينة لِغَدِهِ، ولا ملامح لخريطةِ عمرِه، يُخفِّفُ عن ذُعرِه بالوهم، وعن صَمتِهِ المفروض بافتعالِ شَفتَيهِ النُّطق. والمؤسفُ أنْ لا هاجسَ لدى الأممِ بتخليص هذا الشّعب من أزمته المُضنية، ولا جهداً مبذولاً لمساعدته على تَفليتِ مصيره من قبضةِ الموت. إنّ اللّبنانيّ، اليوم، يتمرّغُ في وحلِ دربٍ شاقّة، يرسمُ أيّامه بدَمِه، يتحمّل مراحل الجلجلة أملاً بانعتاقٍ يقودُ الى القيامة !
إذا عدنا الى التّهويل الذي يطالعنا به، يوميّاً، رموزُ الممانعة، ويرتقون بنَفَسِهِ الى الذَّروة، وهو تهويلٌ ثنائيُّ التوجّه، الى الدّاخلِ الذي يُقصَدُ به السياديّون الرّافضون الحربَ، والاستيلاءَ على القرار، والسيطرة بالقوة على الدولةِ والبلاد، والى الخارج الذي يُقصَدُ به العدوُّ الغاشمُ الذي لا يمكننا الجَزمُ إذا كانت العلاقةُ معهم، وكذلك مع مَنْ يأتمرون بأوامرِهِ، هي علاقةُ مواجهة عسكريّة، أم هي شيءٌ من التَّخادمِ المَمَوَّهِ بالمواجهة ؟
في هذا المجال، يمكننا أن نطرحَ أسئلةً لا تزال تَشغلُ الباحثين والمُحلِّلين والمُتابِعين، الموضوعيّين بالتأكيد، وأبرزُها :
في النصّ الذي تكرَّرَ في بيانات جماعة المقاومة، منذ نشوئها، وفي خطاباتِ قياديّيها، تأكيدٌ على تحرير الجزء الذي لم تنسحب منه إسرائيل، في العام 2000، أي مزارع كفرشوبا، والغجر… ومنذُ ذلك الوقت، وحتى اليوم، لم تَقُمْ تلك الجماعة بما جاهرَت به، وبقيَ الجزءُ تحت الاحتلال الصّهيوني !!! إنّ الادّعاءَ بالتّحرير ليس سوى شمّاعة تموّهُ الهدفَ الحقيقيّ من هذا الادّعاء، وهو الاستمرار باقتناء السّلاح لأهدافٍ مشبوهة، في الدّاخل والخارج، ولا علاقة للتّحرير بها. وتبقى إسرائيل تستغلّ تلك الأرض بمستوياتٍ متنوّعة.
لقد تدخَّلَ مجاهدو المقاومة للدفاع عن الأنظمة التي تَدين بالولاء لطهران، في سوريا والعراق واليمن والبحرين… وكانت مشاركتُهم بالقتال في داخلِ هذه الدّول بالذّات. أمّا في غزّة، فبدلاً من معاملةِ جماعة حماس بالمِثل، أي مساعدتهم داخلَ غزّة بالذّات، أشعلوا حرباً عبثيّة مدمِّرة من لبنان، لم تُقَدِّمْ أيَّ إسنادٍ لغزّة وأهلِها، كما يدّعون، وكبَّدَت لبنان، بالمقابل، وخصوصاً في جنوبه الجريح، ضحايا وخراباً… أين وحدة السّاحات ؟ أين دُولُ الطَّوق ؟ أين سوريّا والعراق واليمن وإيران ؟ ألَم يكنْ بإمكان ضَخِّ فيالق مقاتلة في غزّة بالذّات إرباك العدوّ، وتعجيز مخطّطاته ؟
أمّا اغتيال القياديّين في عقر دار إيران، ودمشق، وبغداد، وبيروت… وبسهولة ملفِتة، فدليلٌ لا شكّ فيه، إنْ على هشاشة إمساك جماعة المحور بأمنِ أرضهم، واستفحال الخرق الإستخباري المُعادي فيها، وإنْ بوجود عملاء بَلَديّين من ثوبِ المحور سهّلوا الاختراق والاغتيال…خدمةً مجّانية للعدوِّ الغاصب.
أخيراً، إذا قارنّا، موضوعياً وواقعيّاً، بين الدّول التي صدّر النّظام الإيراني إليها الثّورة، وعملَ على السيطرة عليها بأَذرعِهِ، مثل لبنان وسوريا والعراق واليمن.. وبين الدّول العربية التي لم يستطع النّظام الإيراني خرقَها، مثل دبي وقطر والإمارات والسعودية.. نستنتج، بما لا يرقى اليه الظنّ، بأنّ تلك الدّول تتنعّم برفاهٍ ورَغدِ حياة، ونموٍّ متواصل، بينما ترزح دولُ ” الثورة ” تحت وابلٍ من الأزمات الأمنيّة والإقتصادية والإجتماعيّة والخدماتيّة وسواها. نسأل : هل باستطاعةِ دولٍ مفكَّكة فقيرة، تعاني الأزمات التي لا تنتهي، أن تواجهَ عدواً يساندُهُ أغالبُ العالَم ؟
فأيُّ محورٍ هو هذا ؟ إنّ كلّ ما يدّعيه القيّمون عليه، ليس سوى تمويهٍ، بالتّهويل، لانحطاطٍ لا نهضةَ معه وبعدَه.. والإنحطاط ضعفٌ وخدمةٌ للأقوى.