صحيفة النهار – علي حمادة
مشاهد القرى اللبنانية الجنوبية المدمرة، والجنازات التي لم تنقطع منذ الثامن من تشرين الأول الماضي، إضافة الى مشاهد عشرات الآلاف من المغتربين المغادرين على عجل في منتصف الفصل الذي كان يمكن أن يكون واعداً… كل هذه وغيرها تدمي القلوب. فلبنان مستباح ومختطف، والدولة مستقيلة من واجباتها، فيما المستوى السياسي بغالبيته متواطئ مع الفريق الذي أقحم لبنان في مغامرة، بل مقامرة فورط البلاد بمن فيها وعليها.
كلما مر الوقت، ثبت لنا كلبنانيين أن “الحزب” ارتكب في الثامن من تشرين الأول الماضي خطأ كبيراً. فلا هو ساند قطاع غزة، ولا هو شاغل الإسرائيليين بما يخفف الضغط عن غزة. فسقط شعار الحرب التي يخوضها رغم معارضة أكثرية الشعب اللبناني. ولقد تأكد لنا أن الحرب أضرت بلبنان على أكثر من صعيد. فهي أثبتت أن الميليشيا المسلحة من خارج الشرعية سيطرت على الدولة وقرارها السيادي، فاجتاحت المؤسسات من مجلس نيابي وحكومة، ووضعت لبنان في الخطر الشديد. وشرعت الباب أمام تسليح ميليشيات أخرى تحت شعار ما يسمّى “مقاومة”، إضافة الى دخول تنظيمات فلسطينية مسلحة فتح أمامها الجنوب اللبناني بذريعة القيام بعمليات عسكرية ضد إسرائيل.
ولا ننسى قادة “الحرس الثوري” الذين استقروا في لبنان مع عدد آخر من قادة وممثلي الفصائل الإيرانية المسلحة في المنطقة للقيام بعمليات أمنية انطلاقاً من الأراضي اللبنانية. ونحن نراهن على أن معظم هؤلاء يدخلون لبنان ويخرجون منه بطرق غير شرعية. بمعنى آخر إن القانون يطبق في لبنان فقط على المواطن العادي الذي يحترمه ويتمسك به. على صعيد آخر تسببت المقامرة بتدمير قرى بحالها، ومن ضمنها آلاف المنازل، وأحرقت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية. وأثرت سلباً على الاقتصاد الجنوبي المحلي بشكل مباشر، وعلى الاقتصاد اللبناني بشكل غير مباشر. وقتلت موسم الاصطياف الذي ينتظره اللبنانيون بفارغ الصبر في عزه لتفوّت على الاقتصاد اللبناني فرصة أخرى للتعافي بعد أعوام طويلة من الازمات.
واليوم بعد ٣٠٠ يوم أوصل “الحزب” لبنان الى حافة الحرب إن لم يكن الى الحرب نفسها. وأثبت مع مرجعيته الإيرانية فشل الرهان على حرب مساندة ومشاغلة محدودة. كما أثبت أنه كان ولا يزال نقيض فكرة الدولة، وعنصراً مدمراً لوحدة اللبنانيين وفكرة العيش المشترك تحت سقف واحد. ومن هنا تفاقم الشعور الرافض لمواصلة العيش مع مشروع “الحزب”. فبعد الاغتيالات السياسية وعلى رأسها جريمة اغتيال رفيق الحريري الارهابية، والغزوات، وحرب تموز، ومصادرة المؤسسات الرسمية، وتعطيل الحياة الدستورية يجد لبنان نفسه متورطاً في حرب غزة ومضاعفاتها الإقليمية. كل ذلك وسط غياب المسؤولين، وتواطؤ معظمهم لأهداف رخيصة لتمكين “الحزب” من ابتلاع ما بقي من لبنان وفكرة لبنان.
لقد حان الأوان لبلورة موقف وطني عابر للأحزاب والطوائف لمواجهة هذه الحالة الشاذة التي تدمر لبنان أكثر مما يدمره الاسرائيلي بقنابله وصواريخه.
والآن إن نشبت حرب فلن تنعكس على الحزب المذكور وبيئته فحسب، بل على جميع اللبنانيين الذين سيتعيّن عليهم أن يدفعوا مرة جديدة فاتورة ليست فاتورتهم. وإن لم تنشب فإن الأضرار غير المباشرة ستبقى كبيرة. ولذلك نقول لهذا الفريق إن اللبنانيين الآخرين ليسوا مجبرين على تحمّل عواقب أفعالكم، ومغامراتكم، وارتباطاتكم، ووظائفكم. من هنا سؤالنا لكم: ماذا فعلتم بلبنان؟