#dfp #adsense

العاقورة أول نواقيس الحرية

حجم الخط

العاقورةالعاقورةالعاقورة

العاقورة… عاصمة ملوكيّة بيبلوسيّة مداها جرد المنيطرة المتصل بالمدى البطرسي الإنطاكيّ الأعلى. قصرها الملوكيّ عديد غرف مفروشة فرش الصوامع سكنها ملوك تاجهم من مقالع الصّخر وصولجانهم فرع من فروع السنديان، ورعايا هذه المملكة القورشيّة يبايعون منذ 1600 سنة العرش الأقدس، الجالس عليه من ليس له في هذا العالم لا عرش ولا مملكة. العاقورة، هذه العالية حتى جبل لوح وصايا لبنانيّة أوّلها وآخرها وصيّة: “أنا هو لبنان وطنك فلا يكن لك وطن غيري”، والمؤمن البصير الثاقب البصيرة فينا يتراءى له هذا الخورس الصخري المنيطري، رافعة لكأس ذبيحة غير محدودة الزمان والمكان ذات ابتهال عجائبي، يؤنسن الإله ويؤلّه الأنسان: “وحّدت يا رب لاهوتك بناسوتنا وناسوتنا بلاهوتِك”. وهل أحقّ مِن ضيعة الصلبان المزينة بحدائق زهور رماح الفرسان الأشدّاء أن ترفع ميراثها قرابينًا موروثة من أجداد وآباء صبروا على الأزمنة الأقسى والأصعب وصاموا وصلّوا:

“وحّد يا رب ناسوت عقارياتنا بلاهوت عاقوريّتنا ولاهوت عاقوريتنا بناسوت عقارياتنا”!

العاقورة ومعناها الآرامي المسيحانيّ “عين قورو”، هيّ المُلهمة العريقة لغزارة دفقات الروح، في كتابة كلمات نافور بطاركة يانوح. “عين قورو” وتفسيرها المياه المثلًّجة، هي الثلاًّجة الربّانية التي حفظت معظم موجودات ملكوت الربّ في تلك الأعالي العاصيّة، وحفظتها من عفونة وزناخة الغزاة وأوبئة تعاليم الهراطقة، وعلى لوحة جليد الثلاّجة العاقورية حُفرت تواريخ، هي من أثمن وثائقنا وأطهرها وأنقاها. وثائق يعبِّر عنها المزمور الرابع والثمانين أفضل وأوضح تعبير: “عبروا في وادي الجفاف فجعلوه عيون ماء وبحيرات تغمرها أغمار المطر، ومرّوا بوادي البيلسان فجعلوا منه ينابيع وباكورة الأمطار تغمرهم بالبركات”. هي العاقورة السّاكنة في هيكل رياح قدّوسيّة تتفرّع منها نسائم كوْرسيّة تؤلِّف كورسًا ينسّم بنغمات مقامات، تعطف مدماك المساكن العاقورية على صُلب أساسات المزمور الواحد والتسعين: “السّاكن في ستر الربِّ العليّ في ظلِّ الرب القدير يبيت”. وها هي العاقورة بأهلها وبيوتها وكنائسها ومحابسها وينابيعها وجنائنها وأشيارها وتلالها، تسلكُ مسالك أوكار النسور وجبال النمور ومرابض الأسود، ومن معابر الفرسان العواقرة عبرت أوّل قوافل هجرت سهول الزّرع الخصيب وديار العيش الرغيد حاملةً معها ما هو أنفس وأثمن بكثير من تابوت العهد، وهل يقدّرون بثمن أولئك الذين حملوا إناء وديعة الإيمان ومشوا إلى حيث سيسكنون مملكة العواصف العاتية والثلوج المكدّسة والحقول المملوكة من الأيادي المشقّقة الجلد واللحم، بالمشقات والشقاء، مجاورين أوجار وأوكار مخلوقات الغابات والأدغال وليس لهم معين إلاّ الذي موّنهم بمونة آية: “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان”، لأنّهم تصادقوا وصدقوا مع توصيّة إنجيلية لا تتجانس وتتعايش مع عالم الأكل والشرب والرقص والنوم، سفًّوا التراب وأكلوا العلقم وضلوع العليِّق وتموّنوا بصلاة خبزهم كفاف يومهم وشربوا ماء زهر الكينا نذرًا ووفاءً لمن عطش عنهم وارتوى بشراب الخلِّ والمُر!

عاصيّة جرجوميّة هي، وعصيانها وعد حر دائم لأطياف الذين أتوها منذ 1500 سنة، مغادرين مودّعين سلسلة جبال اللكام وجرجومة وقورش، ودخلوا عاصمتهم الجديدة الأبدية دخول عاصفة متفرّعة من ريح عنصرة الروح القدس، فكانت العاصية العاقورة، هي عليّة العاصفة الآتية، كي تبشِّر أبناء شرق الأمراء والملوك والسلاطين ببشارة عهد خبز جديد يحرر السّاعين إليه والمؤمنين به، من مذلّة أنذل وأشنع قوانين ذميّة، تفرض وتشترط على كل محتاج لرغيف أن يدفع ثمنه رقصًا بالسيف في ساحة قصر السلطان. وها هي الأمّة العاقورية الجرجومية أوّل من نادى وجاهر وأعلن بأنّ غلال القمح لن تكون بعد اليوم أغلال استعباد يضعها أمراء الإهراءات على أفواه المحتاجين المعوزين الجائعين… ولن تكون أرغفة الخبز سجونًا نزلاؤها ضحايا طعمة خبز السلاطين وطعنة سيوفهم ولعنة وجوههم!

عاقورة البيعة الصّخرية الكيفاوية الهوية والنّسب، الشاهقة العلوّ حتى ذروة اتِّحادها بالصخرة البطرسية الإنطاكية. عاقورة المرتفعات المتناسق قياسها، مع قياس تاج مار يوحنا مارون وعواصيها، هي الموطن الأول لشعب أول بطاركة الأمة المارونية وأول قائد قاد ملّة العصاة الأبديين على أولياء الأمر والنّهي، كما على أدعياء وكالات مبرمة غير قابلة للنقض والعزل، توكل إليهم شؤون العقائد الإيمانية وشجونها!

شير سيدة الحبس أعجوبة أعاجيب أعمال السّماء على أرض عجائب الدنيا السّبعة والثمانية، يتلوه شير ماريحنا، معجزة بطولة فارسات عاقوريّات باسلات، لم تكن أفعالهنّ أقل شأنًا من أفعال جان دارك الفرنسيسيّة فارسة إبنه الكنيسة البِكر.. مذكّرات قادة انكشارية الاحتلال العثماني الشّنيع لجبل لبنان، دوّنت وحفظت عن ذهن قهرها وحقدها، فعائل وأفعال حجارة مغوارات شير ماريحنا ومقاتلاتِه العاقوريات، وحجارتهم أذلّت وكسرت عنجهية هجّانة سلاطين بابٍ عالي، استوطى الباب اللبناني، فظنّ وتخيّل أنّ أشيار عاقورة الأربعين كنيسة، هي أسوار قسطنطينية آجيا صوفيّا التي اخترقتها واستباحتها حزازير وفوازير ذكورية الملائكة وأنوثتهم… فادرك انكشارية بني عثمان المهزومين المذلولين بأنّ بيعة “عين قورو” البيبلية الجردية هي التي لن تقوى عليها جميع أنواع وأشكال أبواب الجحيم كما أبواب سلطنة سلطات الباب العالي. صرحُ كنائس المملكة البيبلوسيّة الجبيلية الجبلية بليتورجياها الكنسية والكهنوتية، هي خرِّيجة تعاليم جامعة ابراهيم القورشي الميلادية والقيامية. هي الكنائس الأقرب شكلاً ومضمونًا إلى شكل ومضمون مغارة بيت لحم الفاتحة مضافة رعيانها وتبن مزودها، كي تستضيف دائمًا راعي الرُّعاة وملك الملوك وربّ الأرباب بكنائس قورشيّة مشقوعة بدبش برّي، مطليّة بطين مدلوك بمزيج التبن والماء، مسقوفة ببياض حوّارة التربة. هي هندسة “بيت لحمية” متجرَّدة البنيان عن أيّة فخامة ووجهنة كي تعتمدها أبرشية جبة المنيطرة هندسة معاكسة لكاتدرائيات كأنها ناطحات سحاب وأبراج رادارات تلتقط الأرضيات وتعجر عن التقاط السماويات.. وكأنّها منتجعات سياحية يقصدها رواد وهواة متاحف التماثيل الميكالنجية والرسوم الرفائيلية وسائر النقوش والمنمنمات المزخرفة.. وهل أبهى وأنقى وأخشع من أن ترفع المملكة العاقورية لملكتها وسيدتها وعذرائها، سماءً متّكئة على هامات وأكتاف بطاركة صرح سيدة يانوح أخوة البطريرك يوسف حليب العاقوري المقتني بغيرته الأسقفية المُتقشِّفة المتنسِّكة وقف أرض حراش الكسروانية عام 1642 من الشيخ يوسف أبي حبيش، ليبنيها ديرًا أسّس في حصنه رهبانية راهبات مار يوحنا حراش الحبيسات!

حدود العاصمة العاصية العاقورة هي كعواصفها لا تخضع لمقاييس الأمتار والهكتارات والكيلومترات. حدودها التاريخية المثبتة مدموغة بإشارات رسمها الأجداد بعلامات ورموز ومعاني رسمة صليبهم على وجوههم وبيوتهم وكنائسهم وحقولهم، ومواسمهم وينابيعهم وجبالهم.

أراض وأوقاف ومشاعات ومراعي مفروزين بالحق والقانون، فرزين لا ثالث لهما، أولهما إيجابيّ وثانيهما سلبي. فرزها الإيجابي هو الأبدى والأهم لكلمة شرف عواقرة، تمتدُّ أراضيهم وعقاراتهم بتراضي العقول النيِّرة والقلوب النبيلة والنوايا الصادقة حتى آخر بيت وحارة وجيرة، تمدّ يد السلام والمودة وتتشارك حراسة عهود الأمن والأمان من هجمات جراد الفتنة وثعالب إيقاع الخصومة بين الأخوة والأخوة.. ولكن عند استنزاف آخر كلمة من جملة الكلمات المفيدة والطّيبة والتعابير المسالمة، فإنّ أبناء المُلكِ الأصيل والإرث المثبّت كنور الشمس، يضطّرون مُكرهين لاعتلاء خيل آبائهم وأجدادهم لتثبيت حدودهم عند أول مكان سقط عليه رأس غاصب معتدي غامر بغزو واستباحة قدسية مبادئ الأرض والعرض !!

“عين قورو”، يا قُرّة عيوننا، أنت ثلاّجة جبالنا الكهنوتية العاملة على أسلاك أنوار السماوات وجذور أشجار الملّول والشوح والسروِ واللزّاب.

لا تذوبُ فيك آية واحدة من آيات انتمائك الأزلي الأبدي لجبل مارون القورشيّ السّاكن خيمة جرداء سقفها غيمة مثقلة بأمطار الأقداس الممطرة على القديسين. ومظال التجلِّي تظلِّلُ رأس مارونك وماروننا بهجير الصّيف وصقيع الشتاء وتسحب عيناه إلى غيوم لؤلوئيّة كغيومك، موشّاة بكلمات والحان موشحات مريمية ننشدها معك ونهلل بها للملكة “الملتحفة بشمسكِ والقمر وحولها الكواكب تدور أثنا عشر”!

إنّ لنا فيك يا عاقورتنا أوّل نواقيس لم تترك لمذاهب الذميّة والتّقية، أيّة شرائع ونواميس.

ممراتُكِ الدهرية فتحتيها في سالف الزمان لقوافل القمح والجوز والطيوب والحرير، هي ذاتها في أمسها القريب والبعيد قد شرّعت أبوابها الرّحيبة الأبيّة لرجال وفتيان سمعوا دقّات الخطر على أبواب بيوت أهلهم وشعبهم، فأعطي لهم مجد حراسة بوّابة لبنان!

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل