#adsense

خاص ـ صراعٌ بين الانفصال والاتّصال

حجم الخط

إذا كان قَدَرُنا كمواطنين، من حيثُ المبدأ، أن نتوحّدَ بالوطن، بكلِّ جزءٍ من أجزائه، ونتصالحَ معه لأنّه زادُنا، وبه ارتقاؤُنا، لذلك، علينا أن نعملَ لمَحوِ الفواصلِ بين وجودِه ووجودِنا، ونُلغيَ الثّنائيةَ بينه وبيننا، فنتجسّد به، ويتجسّد بنا، حتى الحُلول. وإذا كانت الوطنيّة تعني، بمفهومها وبالممارسة، الانتماءَ والولاء، فعلينا، إذاً، أن نعيشَ اتّصالاً حميماً بالوطن، فِعليّاً، ومُوَحِّداً، عبرَ تكريم ثوابتِ الوطنيّة، احتراماً، والتزاماً وتطبيقاً، وبعشقٍ كيانيٍّ جامعٍ لأرضٍ لها وجودٌ حرٌّ وسيادة، وهذا يعني أن يكونَ لبنان كلُّه فينا، وأن نكون كلُّنا فيه.

ولكنّ الواقعَ، عندَنا، بعيدٌ، كلَّ البعد، عن هذا الإجماع المفهوميّ للوطن، فهناكَ مُغَرِّدون خارجَ هذا السَّرب، وتغريدُهم يحتِّمُ خطراً على البلاد، لأنه ينطلق من موقفٍ مبدئيٍّ استراتيجيٍّ، قوامُهُ  استبدال حيثيّةٍ قائمة بأخرى مستورَدة تفرضُ انتداباً أعجميّاً يُمسكُ بلبنان ورقةً تفاوضيّة، أو جائزة ترضية تعويضيّة على طاولة التّسويات، ما يهدِّدُ، فِعلاً، مصيرَ الوطن . ولمّا كانت غالبيّة المواطنين ترفضُ هذا المشروع المشبوه الذي يعيدنا الى زمن الخلافة، ولا يتناسب مع التّركيبة الوطنيةِ الميثاقيّة، وفي المقابل، لمّا كانت الجهة المستقوية بالسّلاح، وبالتّرهيب، وبغيابِ الدولة، تعملُ، جادّةً، على أسرِ الوطن، وتفكيك كيانه، لإلحاقِهِ بنظامٍ خارج خارطته، لذلك، فرضَ الانفصالُ نفسه على السّاحة الوطنيّة، حالةً تفكيكيّة رسَّخت شريعة الغاب، ما يُنذر بصراعاتٍ عنيفةٍ نتائجها وخيمة.

واستناداً، فالمواجهةُ قائمة بين الاتّصال والانفصال، والأدهى أنّ هذه المواجهة قد انقلبَت صراعاً، و… حرباً. لا شكَّ في أنّ أسبابَ اندلاعِ هذه المواجهة، في الأساس، ترقى الى خنوع الدولة، سلطةً وحُكماً، وعجزها عن الدفاع عن سيادتها المُنتَهَكة، وقبولها حيثية الأمن بالتّراضي، وتنازلها عن حقّها في بسط سلطانها بقواها الشّرعية، وفساد مسؤوليها المتملِّقين والذين اعتادوا ممارسة وضعيّة الانبطاح أمامَ المرجعيّات المُهَيمِنة… كذلك، رِضى بعض الشّرائح في النّسيج الوطنيّ، بالعيشِ في ” جمهورية الموز “، أو في هيكلٍ فارغٍ غير مستقرّ، والقَبول بالأمر الواقع خوفاً على سلامتهم من قَمعٍ، أو تصفيةٍ، أو اندلاعٍ لحربٍ أهليّة…

إنّ الاتّصال بين أبناء الوطن هو، في القاموس السياسي الدّولي، وفي عِرفِ فلاسفة الاجتماع، قيمةٌ أخلاقية قائمة على التّضامن، وهو علاقة حضارية في مجتمعٍ راقٍ، وهو تَلاقُحٌ يُسهم في بناء مواطنةٍ حقَّة، ويعزّزُ مواكبةَ الوطنِ لرَكبِ التطوّر، كما أنّه واجبٌ إلزاميٌّ في الحقبات المأزومة التي تمرُّ بها البُلدان. أمّا في واقعنا المُفَكَّك، فالتّآزرُ بالاتّصال، والتحوّلُ، به، الى غيريّةٍ عفيفة مطلوبة، كان، ولمّا يزلْ مجرّدَ ادّعاءاتٍ فارغة، أو أكذوبةً مُكَرَّرةً بحاجةٍ الى أداءٍ إسعافيٍّ لتوريتِها. وهذا مؤشِّرٌ ملموس الى القُصورِ المتمادي في اشتراكِ المواطنين بحيثية الاتّصال، ما يعني فشلَ مقولة أنّ النّاس مفطورون على الاجتماع والتّعاون، ويا لَخَجَل الفارابي وابن خلدون.

إنّ واقعَ الانفصالِ الذي يفرضه المستَقوون، بإبعادِ حال الاندماجِ الى حدِّه الأقصى بين أهل البلاد، وبتعميقِ صِدعِ التشرذمِ السَّرطاني لدى الإخوة، وبتفتيقِ اللُّحمة بينهم، يعني، تحديداً، تغليبَ طابع الجناية على ملفّ الوطن، لذا، ينبغي أن يُساقَ المعنيّون هؤلاء الى قفص الاتّهام الشّعبي، والوطنيّ، بتهمةِ الانقلابِ على الوطن، والتآمرِ على كيانه وهويّته، ووضعِ رقبةِ مصيره تحت مقصلةِ الانتداب، واغتيالِ حضورِه الحضاريّ بنَقلِهِ من عصور التَّنوير الى مجاهلِ الانحطاط…

وبعد، في مناخ التوعّرِ الذي جعلَه المستقوون ينهشُ البلد، وقبالةَ مؤامرة سَحقِ قِيَمِ التّلاقي بين النّاس، وأمامَ خطّةِ جَرِّ المجتمعِ بكاملِهِ الى حيِّزِ الخضوع، ألَم يَحنِ الوقتُ لمواجهةِ الدونكيشوتيّة البهلوانيّة، والاستقواء المُعوَجّ، بِعصًا غليظة رادعة ؟؟؟ إنّ عدمَ المَضِيّ، وبسرعة، الى هذه المواجهة، يُشبِهُ مَنْ يضربُ رأسَه بِعَصاه، وهذا منتهى العجب !!!!

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل