
تُكثّف المطابخ الإعلامية لمحور المُمانعة، فرع لبنان، مؤخراً، هجوماتها التخوينية ضد السياديين اللبنانيين المعارضين للمحور، متّهمةً إياهم بالطعن بظهر مشروع المحور الاقليمي، وتأتي حملتها التكفيرية تمهيداً للمرحلة المقبلة المتوقع أن تبدأ فور انتهاء مسرحية حرب وحدة الساحات أو فور عقد التسوية التي تتسابق مع المعارك العسكرية، أو ربما بعد الحرب الحقيقية والتسوية التي ستفرضها المعطيات الميدانية.
أهمية ما يحصل اليوم من مفاوضات على وقع المعارك العسكرية المحدودة الجغرافيا وتأثير الغارات الاغتيالية، أنها فضحت ألاعيب المحور ومراجله الفارغة وغوغائيته الخفيفة، وزيف الأوهام التي درج على إطلاقها تحت شعاراتٍ جذّابة على مدى السنوات الماضية، وأهمها شعار “إزالة إسرائيل” من الوجود، ليتبيّن عند الوصول إلى لحظة الحقيقة الميدانية، أن المحور يستجدي لحظةً بلحظة من دول العالم إقناع إسرائيل بقبول التفاهم على إخراجٍ ميداني لا يجرّ المنطقة إلى حرب شاملة، ويحفظ في الوقت ذاته ماء الوجه له، ويؤسّس لمرحلة أخرى من الترتيبات السياسية والنفوذية.
الرسائل التي يُرسلها المحور إلى إسرائيل تحاول تحديد النقاط المسموح قصفها ونوعية الصواريخ المسموح استخدامها، كي لا تؤدي إلى أضرار تفرض على إسرائيل الرد على الرد. يتأمل المحور بأن يأتيه الفرج بعدم اندلاع حرب واسعة، من حاجة الإدارة الأميركية لتهدئة الأوضاع، لأسباب تتعلّق بظروف المعركة الانتخابية الرئاسية الأميركية التي تحتدم بين الديمقراطيين والجمهوريين، وحاجة كل طرف منهما إلى استمالة الأصوات والجاليات الحائزة سابقاً أو مؤخراً على الجنسية الأميركية والتي باتت مؤثّرة في نتائج الانتخابات. فايران تتهرّب من الحرب الواسعة كونها تُدرك تماماً الفارق الكبير بين إمكانياتها العسكرية والتقنيات التي تملكها، وتلك التي بيد الجيش الإسرائيلي مدعوماً من الأساطيل الأميركية.
تتسابق الأحداث العسكرية مع المحاولات التفاوضية وتؤثر على بعضها البعض، تسريعاً أو إبطاءً أو حسماً، ويوجّه محور الممانعة أجهزته للتحضير للمعركة الداخلية التي ستُصبح هي الأساس عند الوصول إلى التسوية العسكرية، ويُمهّد المحور لها بشنّ حملات تشويه لمواقف المعارضة بشكل عام والقوات اللبنانية بشكل خاص كونها تُشكّل العامود الفقري للمعارضة السيادية. الحملة القائمة تتضمن عبارات التشكيك والتخوين وشيطنة المواقف، بهدف إحراج كافة الأطراف الوسطية وتخويفها للابتعاد عن القوات اللبنانية، وصولاً إلى عزلها.
قيادة المحور تُحرّك أذرعها الداخلية وعملاءها في كافة الساحات اللبنانية، لخلق فتن في ساحاتها، ولنقل المواجهة من مواجهة سياسية بين السياديين وبين محور الدويلة واللاقانون واللاشرعية، إلى مواجهات مسيحية- مسيحية، ومسيحية-إسلامية. إن فشل المحور بالحفاظ على شعاره الخارجي وصورته كمقاوم لأجل القضايا العربية والإسلامية، يدفعه إلى خلق أجواء من الشحن الطائفي، استنهاضاً لجميع الحركات الراديكالية المُمَّولة من مرجعيته الاقليمية.
مع إدراك إسرائيل لغوغائية شعارات محور المُمانعة وللأهداف الحقيقية له، المُتمثّلة بتمكين أذرعه في كافة الدول الواقعة تحت سطوته للتسلّط على شعوبها، تتلمّس سهولة المقايضة معه. فمن أجل شرائها الهدوء العسكري عند الحاجة لذلك، قد تعمد إسرائيل بواسطة القوى الدولية النافذة إلى صفقة تبادل مقابل التعامي عن سيطرة المحور على القرار الداخلي للدول التي تقع تحت هيمنته، ومنها لبنان. في المقابل، وبما أن المحور يُدرك بدوره أن هكذا سكوت لا يعني تسليماً بسيطرته وتسلطه، فلن يتخلّى عن خوضه بكل شراسة المعارك الداخلية ضد كافة القوى الرافضة لسطوته على القرار الوطني
خلاصة لذلك، فمع حلول مرحلة التسوية العسكرية، سيفتح المحور المعركة الداخلية بوجه معارضيه، بهدف إسكاتهم وإلغائهم وقمعهم، وستتعاون معه أطراف طعنت بظهر شعاراتها السابقة وقضاياها وقواعدها، وبظهر الوطن. لذلك، إن تهمة الطعن بالظهر التي يُشهرها محور المُمانعة ضد معارضيه السياديين، يهدف منها التمويه عن طعنه بظهر الوطن، وبسبب انفضاح شعاراته القومية وسقوط حججه النضالية ولأجل إسكات اللبنانيين، يفتح الآن مرحلة تفجير الفتن وإلهاء اللبنانيين ببعضهم البعض، وهو لن يتوانى عن استخدام سلاح الفوضى وسلاح الاغتيالات والقمع
لكل هذه الأمور، سيجد المحور معارضةً له، لا تنهزّ عن ثباتها أمام ممارساته ولا تتنازل عن مواقفها أمام ضغوطه، وستقوم بالطعن بمشروعه وجهاً لوجه، وتُذكّره دوماً وأبداً بأنه الطاعن بظهر الوطن.