
من يقرأ سفري عزرا ونحميا في الكتاب المقدّس العهد القديم، يتأكّد له وجود الرابط القوي الذّي كان يربط العلاقات بين الفرس واليهود. ويلاحظ أنّ روحاً واحدة وعزماً واحداً يسودان هذين السِفرين.
إنّ كتاب نحميا قد شكّل امتداداً لكتاب عزرا، كما أنّ هذين الكتابين تتمّة لكتابي أخبار الأيّام الأوّل، وأخبار الأيّام الثاني في الكتاب المقدّس العهد القديم. فنهاية سفر أخبار الأيّام الثاني عبارة عن أمرٍ كتبه كورش العظيم ملك الفرس، في السنة الأولى لمُلكه أي سنة 558 ق.م، والذّي يفتخر به كلّ من له أصولٌ فارسيّة إلى اليوم، كونه من أوائل الملوك الذّين إهتدوا إلى عبادة الله الأوحد. وهذا ما ورد في مطلع سفر عزرا: “هذا ما يقوله كورش ملك الفرس: أعطاني الربّ، إله السّماوات، جميع ممالك الأرض وأوصاني أنْ أبني له هيكلاً في أورشليم التّي بيهوذا. فمن كان منكم من شعبه، فليذهب إلى أورشليم ويبني هيكل الربّ إله إس رائيل، وهو الإله الذّي في أورشليم، وليكن الله معه.” (عز 1: 2- 3). وهذا الأمر مشابه لما ورد في نهاية سفر الأخبار الثاني (2خ: 36- 23).
لا معلومات أكيدة عن سبب فصل سفر عزرا عن سفر نحميا، فقد كانا في الماضي كتاباً واحداً. لكن يتبيّن للقارئ، بأنّ مهمة عزرا الكاهن كانت تنفيذاً لأمر كورش العظيم ملك الفرس، بعد مئة عام من صدور هذا الأمر، وعودة الدفعة الأولى من اليهود إلى اورشليم، والذّين تعرّضوا للسبي، على عهد نبوخذ نصّر ملك بابل، ومحاولتهم بناء الهيكل. وتقضي مهمّة عزرا بالإضافة إلى تنظيم الأمور الدينيّة، بتكملة بناء هيكل الرب، على أنقاض الهيكل الذّي شيّده النبي سليمان الحكيم، خلال القرن العاشر قبل الميلاد، بناءً لأمر والده داوود النبي، على بيدر أرنان اليبوسي الذّي رفض قبض ثمن البيدر، لكنّ النبي داوود أبى إلّا أن يدفع له ثمنه بالكامل؛ أمّا مهمة نحميا السياسي، فقضت ببناء السور الكبير حول مدينة أورشليم، وتنظيم الأمور السياسيّة والماليّة فيها.
الوعد بحماية اليهود من قبل ملوك الفرس، امتدّ لعهود وعهود، فعندما كان الشعب اليهودي العائد إلى إس رائيل يبني هيكل الربّ، بإمرة زروبابل بن شألتئيل الذّي وُلد السيد المسيح من نسله، بحسب مطلع إنجيل القدّيس متّى، لقي معارضة كبيرة من والي غربيّ الفرات: “فجاءهم نَثْناي والي غربيّ الفرات وتْربوزناي وأعوانهما وقالوا لهم: من أمركم ببناء الهيكل وتجهيزه؟” (عز: 5- 3). عندها أصدر داريوس ملك الفرس (522- 486 ق.م) أمراً بالبحث في الوثائق التّي كانت محفوظة في خزائن الملك كورش، عن الأمر الذّي أصدره الأخير بالعودة من السبي وإعادة بناء هيكل الربّ. ووجد الوصية في “أحْمَتا” التّي كانت عاصمة مملكة ماداي القديمة، والمركز الصيفي لملوك الفرس، وهي اليوم مدينة همذان في إيران. فكتب جواباً إلى نَثْناي هذا نصّه: “إبتعدوا من هناك، ودعوا والي يهوذا وشيوخ اليهود يعملون في بناء هيكل الله هذا في مكانه. وآمركم أن تساعدوا هؤلاء في بنائه، على أن تُعطى لهم النفقة فوراً من خراج غربيّ الفرات العائدة للملك لئلّا يتعطّلوا عن العمل” (عز 6: 6-7-8).
وبعد وقت طويل، منح أرتحششتا ملك الفرس (404- 358 ق.م)، الكاهن عزرا الذّي كان عالماً ماهراً في شريعة موسى كليم الله، كلّ ما طلبه. وهذا مقطع من الرسالة التّي أعطاها الملك أرتحششتا لعزرا الكاهن: “وأنت يا عزرا، بحسب حكمة إلهك التّي معك، أقم قضاة وحكّاماً يقضون بين جميع الشعب الذّين في غربيّ الفرات ممّن يعلم شرائع إلهك، ومن لا يعلم فعلّموه. وكلّ من لا يعمل بشريعة إلهك وشريعة الملك، فليحكم عليه عاجلاً، إمّا بالموت أو بالنّفي إو بغرامة مالٍ أو بالحبس” (عز 7: 25- 26).
كما أرسل أرتحششتا ملك الفرس، نحميا، بناءً على طلبه، ليساعد الكاهن عزرا على تدبير شؤون إس رائيل، وإعادة بناء مدينة أورشليم وسورها الكبير، بعد أن تعرّضت للحرق: “قال الملك: ما طلبك؟. فصلّيت إلى إله السّماء ثم قلت للملك: إن حسن عندك أيّها الملك، ورضيت عليّ أنا عبدك، تُرسلني إلى يهوذا، إلى مقابر آبائي ، لأعيد بناءَها… فأعطاني الملك طلبي، لأنّ بركة إلهي الصّالحة كانت عليّ” (نح: 2: 4- 8).
وقد أعاد ملوك فارس، جميع الذهب والفضّة والأواني التي أخذت من هيكل الرب في وقت السبيّ، على عهد الملك نبوخذ نصّر ملك بابل. وتبرّعوا بالكثير للشعب اليهوديّ الذّي عاد إلى إس رائيل، وولّوه على جميع الشعوب غرب الفرات.
ويظهر من هذه القراءات، بأنّ ملوك فارس قد ظلّلوا اليهود بمظلتهم الواقية لأكثر من مئتي سنة، خلال ثلاثة عهود، وكانوا لهم العون. وقد آمنوا بإلههم وكرّموهم.
المفارقة، بأنّه وللمرّة الثانية قد تمّ بناء الهيكل من خشب أرز لبنان: “وأعطوا فضّة للنّحّاتين والنّجّارين، وطعاماً وشراباً وزيتاً للصّدونيّين والصّوريّين ليأتوا بخشب الأرز من لبنان إلى يافا بطريق البحر، بعد أن أذن كورش لهم.” (عز 3: 7).
المعلوم بأنّ الملك الفارسيّ كورش العظيم، هو النبي سايروس، ومن كبير الأنبياء عند اليهود، يؤمنون به إيمانهم بجميع أنبيائهم. فهو من أعادهم من السبي إلى إسرائيل، وساعدهم على بناء هيكل الرب، ومدينة أورشليم، وسورها الكبير. فهل يُعقل أنّ الفرس اليوم على خلاف مع اليهود، أم أنّها “بروبغندا”؟ والشعب العربيّ ينتظر الرد على التعديات الكثيرة التي طالت أذرع النظام الإيرانيّ، وقد إغتيل من أرادت إيران أن تنهي حياتهم، لأنّهم قاموا بدور أكبر ممّا هو مطلوب منهم وباتوا يشكّلون خطراً على الدولة العبريّة، وأغلبهم من العرب، على الرغم من أنّ كثراً منهم، على نفس مذهب الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران.