
عاش قسم من اللبنانيين ليل الاثنين ـ الثلاثاء الماضي ليلة خوف ورعب، بأعصاب اهتزّت على وقع الـ”هزّة” الأرضية التي ضربت غرب سوريا بالقرب من مدينة حماة وشعر بها خصوصاً سكان بيروت والمتن وصولاً إلى الجنوب والهرمل ومناطق أخرى بدرجات متفاوتة، وتراوحت قوة الـ”هزّة” بين 5.5 درجات و4.5 درجات، بحسب مراصد الزلازل المختلفة.
لعلّه من سخريات القدر، أن “يغدق” على اللبنانيين المزيد من الاهتزازات والهزّات، وإن كانت هذه المرة هزّة أرضية طبيعية، في بلدهم “المهزوز” أصلاً بفعل القابضين والمهيمنين على قراره ومصيرهم والذين لا يبخلون عليهم بالهزّات المدمّرة، فدفعتهم الـ”هزّة” الأرضية بالأمس للخروج مرعوبين بالآلاف في مناطق عدة من منازلهم وأماكن وجودهم إلى الشوارع والطرقات فور شعورهم بالهزّة، فيما توقفت آلاف السيارات على جوانب الأوتوسترادات والطرق وغادرها ركابها، بظل الخوف من أن يتبع الهزّة زلزال أكبر.
الأستاذ الخبير في الجيولوجيا الإنشائية والزلازل والبترول طوني نمر، يوضح، أن “ما حصل ليل الاثنين ـ الثلاثاء والهزّة الأرضية التي ضربت غرب سوريا وشعر بها السكان في بعض المناطق اللبنانية، لم يحصل بشكل فجائي وفي مكان غير معروف بتعرّضه للهزّات من قبل. نحن نعلم أن الغرب السوري تمرّ فيه فوالق زلزالية عدة ومتحركة عبر التاريخ، وما حصل يأتي في السياق الذي نعلمه عن تلك المنطقة التي حصلت فيها هزّات كثيرة من قبل”، مشيراً إلى أن “ما التبس على البعض حول قوة الـ”هزّة” هو حصول هزّتين أرضيتين في الواقع، الأولى حصلت قرابة الساعة 11:06 قبل منتصف الليل بقوة 5.1 إلى 5.2، فيما تبعتها هزّة ثانية بعد نحو 3 ساعات بقوة 4.5 درجات”.
نمر يلفت، في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، إلى أن “الناس في لبنان ربما لم تكن تخاف أو تتوتر وتقلق في السابق إلى هذه الدرجة، لكن ما دفعها إلى الخوف أكثر إثر الـ”هزّة” الأخيرة في غرب سوريا، يعود لسبب رئيسي، أن ما حصل ليل الاثنين ـ الثلاثاء ذكّرنا بما عشناه خلال العام الماضي في 6 شباط 2023 عندما ضرب زلزال بقوة 7.8 درجات تركيا وسوريا قبيل الفجر وأسفر عن نحو 60 ألف قتيل، إذ جعل هذا الزلزال اللبنانيين يتنبّهون ويعون بأن منطقتنا شهدت زلازل كثيرة عبر التاريخ، فوعينا على واقع لم نكن متنبّهين له”.
يضيف: “الـ”هزّة” الأرضية التي حصلت ليل الاثنين ـ الثلاثاء زادت على الخوف الذي تعرّف عليه اللبنانيون إثر زلزال تركيا وسوريا العام الماضي، بالإضافة إلى الوضع الصعب الذي يعيشونه في هذه الأيام والخوف من توسع الحرب لتشمل كل لبنان. كل هذه المسائل مجتمعة جعلت نسبة القلق والخوف عند الناس تتزايد، وشهدناها من خلال ألوف اللبنانيين الذي خرجوا مباشرة من منازلهم إلى الشوارع حاملين أطفالهم فور شعورهم بالهزّة التي حصلت”.
أما عمّا يجب فعله والتوصيات التي يمكن أن تعطى للناس؟، فيشدد نمر على أن “أهم شيء، هو أن يقوم الناس بعد انتهاء الهزّات مباشرة، بالكشف على مسكنهم وتقييم وضعه. هل لا يزال كما كان قبل حصول الهزّة؟ هل هناك تشققات أو تفسّخات ظهرت في المنزل بعدها؟ هل هناك توسّع في التشققات القديمة التي كانت قبل الهزّة أم لا تزال كما كانت عليه؟”، لافتاً إلى أنه “في حال لم يتغيّر شيء في المسكن عمّا كان قبل الـ”هزّة” ، فهذا أمر جيّد”.
نمر ينصح الناس، بـ”عدم التسرّع والخروج من منازلها في الليل، ولا أن ترعب أطفالها وتصحّيهم من النوم، خصوصاً إذا لم تلاحظ أي تغيّرات في المسكن بعد الهزّة كما أشرنا. ذلك لأنه في العادة، وإحصائياً، الزلزال الكبير الذي يحصل، لا تسبقه زلازل صغيرة تحضيرية، إلا بنسبة 5%. بمعنى أن الزلازل الصغيرة لا تسبق الزلزال الكبير المدمّر أحياناً إلا بنسبة 5% فقط، وفي 95% من الأحيان حين تحصل هزّة صغيرة تنتهي في حينها، وما يتبعها كناية عن هزّات أصغر. بالتالي وانطلاقاً من هذه الإحصائيات، لا يجب أن تبقى الناس مرعوبة وخائفة وفي حال انتظار للزلزال الكبير الذي سيتبع الـ”هزّة” ومتى سيحصل”.
نمر تمنى، أن “يدفع ما حصل بالأمس المسؤولين والمعنيين ويستحثهم للقيام بما كان يفترض بهم إنجازه من قبل، أي بالكشف على الأبنية المتصدعة أو التي تعتريها تشققات وتفسخات وهناك شكوك حول سلامتها، في كل المناطق اللبنانية، فهذا أمر بديهي، ومعلوم ما هو المطلوب منهم على هذا الصعيد. لكن للأسف كما نعلم جميعنا، “ما في شي ماشي بالبلد”، على أمل أن يتحركوا هذه المرة”.
