#dfp #adsense

خارطة طريق المعارضة لانتخاب رئيس

حجم الخط

المعارضة ـ مجلس النواب

أي حوار حول أي موضوع له أسس وضوابط ومحاذير ومعايير وحتّى شروط ليكونَ حوارًا ناجحًا، ولا سيّما في السياسة عندما تستعصي المسائل السياسيّة على الأفرقاء، أو عندما تتعطّل الديمقراطيّة بفعل الديمقراطيّة. أو عندما ينجح فريق سياسيّ بتعطيل الديمقراطيّة تحت ذريعة التوافق فتتحوّل بذلك الديمقراطيّة التوافقيّة إلى نوع جديد يُعرف بـ”الديمقراطيّة التعطيليّة”. فهل ستنجح المعارضة اللبنانيّة بعقلنة شروط الحوار، لتسجّل بذلك خرقًا في جدار الدّستور المعطّل، بدلًا من نجاح الممانعة في استجلاب عمليّات خرق جدار الصوت، وتحويلها لبنان إلى ساحة مباحة لعدوّها الودود؟ أمّ أنّ التعطيل سيبقى سيّد الموقف حتى تستطيع الممانعة بيع المجتمع الدولي ورقة الجنوب، مقابل حصولها على ورقة الدولة العميقة بالكامل، عبر بوابة رئاسة الجمهوريّة، وعطفًا الحكومة لاحقًا؟

عمليّة العقلنة التي تسعى قوى المعارضة إلى فرضها من خلال المبادرة التي طرحتها في التاسع من شهر تمّوز تبدأ بالاحترام المتبادل حيث يجب أن يحترم كل طرف الآخر وأراءه، بغض النظر عن الاختلافات. وهذا ما ترفض الممانعة تطبيقه. ولقد ترجم هذا الفريق ذلك عبر أدبيّاته السياسيّة القائمة على الشيطنة والتخوين والعمالَة. كذلك تقتصر عمليّة العقلنة على التفاهم والصراحة. وفي هذين الأقنومَين من ثالوث العقلنة يستطيع المتحاورون التوصّل إلى فهم وجهات النظر المختلفة، وصولًا إلى فهم الأسباب والدوافع الكامنة وراء المواقف المتّخذَة.

ومتى اكتمل هذا الثالوث يستطيع المتحاورون التوصّل إلى خلاصات هادفة في حوارهم، وبذلك يأخذ الحوار مداه العملي ليحوّل الغاية التي من أجلها انعقد إلى واقع. وهذا لا يمكن أن يتحقّق بين المشروعين المتحاورين في لبنان، وذلك لأنّ الممانعين لا يحترمون الفريق الآخر ولا توجد لديهم أيّة نيّة للتفاهم والمصارحة. فهم يعلنون دومًا نقيض ما يضمرونه. وإن تفاهموا يومًا مع طرف ما، فلأسره في سجون نفسه الذميّة البغيضة. ولنا في تفاهم 6 شباط 2006 خير مثال.

مطلوب عقلنة العمل السياسي القائم على مبدأ التشاور، إذ لا يمكن لفريق واحد أن يتسيّد في بلد تركيبته المجتمعيّة تركيبة تعدّديّة. وإن يعمل هذا الفريق الذي يظنّ نفسه متسيّدًا على تعديل الدّستور، عليه أن يتيقّن تمامًا أنّ عمله هذا ساقط مسبقًا. ولعلّ هذا ما دفعه إلى الاستعاضة عن التّعديل بتكريس الأعراف من الثلث المعطّل إلى الوزير الملك فطاولة الحوار، وليس انتهاء برئيس المجلس النيابي!

في السياق لا بدّ من البحث في نتائج فشل الحوار اللبناني – اللبناني حتّى الساعة، وذلك لتذليل مسبّباتها. هذا في حال وجود نوايا حسنة عند طرفي عمليّة الحوار. ومن أبرز هذه المسبّبات عدم وجود أيّة نيّة عند الفريق الممانِع بمسامحة مَن يحاوِرُه. ودليلنا في ذلك أنّ معجم مصطلحات الحرب الأهليّة وتداعيتها ما زال حيًّا يرزق في أدبيّات هذا الفريق. فهو لا زال قابعًا في غياهب الثمانينات والسبعينات التي استغلّ كلّ تفاصيلها للانقضاض على السلطة في التسعينات.

زد على ذلك أن هذا الفريق ما بحث يومًا عن نقطة مشترَكَة مع الآخر الذي يدّعي محاورَتَه. جلّ ما يريده هو عمليّة جلب لهذا المتحاوَر معه، ظنًّا منه أنّه قد ينجح بممارسة ما يمارسه عليه أسياده الشاميّين والإيرانيّين. ففي الموضوع الرئاسي، لا يزال هذا الفريق نفسه، بعد تعطيله الانتخابات الرئاسيّة، عبر نجاح رئيس مجلس النوّاب بالفشل في إدارة الجلسة الانتخابيّة المفترَض أن تكون بدورات متتالية، يمعن في التعطيل على حساب كرامة وحياة اللبنانيين كلّهم.

أمّا الصفة الأهم التي يجب أن يتّسم بها مدير جلسة الحوار فهي الحياديّة. فالحوار بحاجة إلى مدير أو رئيس حيادي يرأس جلسة الحوار بينما التّشاور ليس بحاجة إلى رئيس ليديره بل يكفي أن تلتقي الكتل النيابيّة للتباحث ثنائيًّا وثلاثيًّا في ما بينها. وكيف إذا كان طارحو مبدأ التشاور يرفضون إلّأ أن يكون تحت سقف المجلس النيابي.

ولعلّ مَن يمارس النّكد السياسي هو رئيس المجلس الذي فشل في إدارة مجرّد جلسة انتخابيّة لإنتاج رئيس للجمهوريّة. ويكفي أن نستذكر كيف تمّ انتخاب الرئيسين ميشال سليمان وميشال عون. فالأوّل أتى بعد هجمة حليف برّي وانقلابه المسلّح الذي فرض تسوية إقليميّة للضرورة الدّوليّة، والثاني أتى بعد تنازل الفريق المسيحي الأكبر حقنًا للدّماء الحقيقيّة، وحفاظًا على الوطن، فوضع يده بيد الشيطان، مع يقينه المسبق بغدره. وكان ما كان. كرمى لعيون المسيحيّين أوّلًا واللبنانيّين كلّهم ثانيًا.

فالادعاء بممارسة النّكد ليس من باب إلّا تيقّن هذا الفريق بأنّ عمليّة التشاور الدّستوري من تحت قبّة البرلمان تنزع من هذا الفريق مبدأ ترؤوس الحوار. وهذا ما فجّر غيظ الممانعين. وليس الإدّعاء بالحرص على الدّستور، أو خوفهم على تجاوز الرئاسة الثانية.

في خلاصة النتائج، الفشل لا يجرّ النّجاح بل فشلاً أفظع منه. وما وصل إليه لبنان اليوم هو من مسؤوليّة مَن أفشل عمل المجلس النيابي. بينما كان حريّ به أن يدير عمله بدستوريّة وموضوعيّة وحياديّة وليس العكس تمامًا. وإنّ تطبيق هذه الأسس يمكن أن يساعد في خلق بيئة حوار بناءة، تسهم في تحقيق التفاهم والتوافق بين الفرقاء السياسيين.

إجمالًا، إصرار نبيه بري على طاولة حوار قبل الانتخابات الرئاسيّة يعكس رغبته في ضمان سير العملية الانتخابيّة بسلاسة، وتحقيق توافق سياسي يساهم في استقرار البلاد. هذا في الظاهر. لكن ما وراء الأكمة بات واضحًا للعيان سواء أكان في لبنان أم خارجه. رئاسة الجمهوريّة هي مؤسّسة مستقلّة بحدّ ذاتها. تتكامل بالعمل مع سائر مؤسّسات الدّولة ومنها المجلس النيابي الذي لا يمكن أن يكون وصيًّا عليها.

فهدف برّي من الحوار المزعوم يكمن في الإطباق على الرئاسة الأولى تحايلًا على الدّستور وفي محاولة منه لفرض الأعراف الجديدة. أمّا رهان سمير جعجع على القوى النيابية الوسطيّة لتحقيق خرق رئاسي فهو يواجه تحديات كبيرة، بالنظر إلى التعقيدات السياسيّة والطائفيّة والرماديّة القاتلة في لبنان.

فمن المتعارَف عليه في الدّول المستقرّة سياسيًّا أنّ القوى النيابية الوسطية غالبًا ما تكون غير موحّدة في توجّهاتها وأهدافها، ممّا يُصعِّب بناء تحالف قويّ ومتماسك معها. وهذا ما يجعل الوضع السياسي في وضعيّة “راوح مكانك”. ولا يبدو أنّ القوى الوسطية تتأثّر بالضغوط الخارجية التي تتعرض لها من قوى إقليميّة ودوليّة قد تؤثر في قراراتها ومواقفها.

قد تكون الانتخابات المبكرة إحدى الحلول التي من الممكن أن تحرّك المياه الراكدة، لكن الخطر في هذا المقترَح أن تنتج القوى نفسها بنفسها فيصبح عندها التغيير متعذّرًا لأنّ الأكثريّة المطلقة قد لا تتكوّن من جديد. ما يعني تكبّد الخزينة المزيد من المصاريف والمزيد من الوقت الضائع، ما قد يريح محور الممانعة القابع في الوضعيّة الانتظارية القاتلة، وذلك لأنّ البيئة السياسية اللبنانية مشحونة بالاستقطاب، مما يجعل التعاون بين القوى المختلفة صعبًا. وهذا ما قد يعزّز دور منظّمة “الحزب” كجزء من “محور المقاومة” بقيادة إيران في المزيد من السيطرة على لبنان؛ وقد تستغل إيران الأزمات الإقليمية لتعزيز نفوذها في لبنان من خلال دعم منظمة “الحزب” سياسيًّا وعسكريًّا تحت ذريعة الدّخول في الحرب الإقليميّة مع العدو الإسرائيليّ، ولا سيّما إن اتّخذت منحى تصعيديًّا أكثر فأكثرز

إنّ التوترات الإقليمية قد تزيد من تعقيد المشهد السياسي اللبناني، ويستغلّها الممانعون لعرقلة أي جهود للحوار الحقيقي أو التوافق الداخلي. لذلك رفضت الممانعة مبادرة المعارضة حتّى قبل مناقشتها. وهذا ما سيزيد الأزمات المتفاقمة من الضغط على الاقتصاد اللبناني، مما يؤدي إلى المزيد من عدم الاستقرار.

يبقى أنّ الرهان على القوى الوسطيّة قد ينجح إذا تمّ تحقيق توافق واسع وتقديم مرشح رئاسي مقبول من غالبية القوى السياسية. وهذا ما يُعرف بالطرح القوّاتي حول “المرشّح الثالث”.  فضلًا عن خارطة الطريق التي طرحتها قوى المعارضة معلنة مبدأ التشاور تحت سقف الدّستور، ورفضها الحوار فوق سقف هذا الدّستور.

نعم نريد الحوار، ولكن الحوار للوصول إلى نتائج وليس لتكريس أعراف.

نعم نريد الحوار، ولكن لحلّ الإشكاليّات اللبنانيّة وليس لخلق إشكاليّات جديدة.

نعم نريد الحوار، ولكن ليس على حساب ضرب الدّستور اللبناني، بل احترامًا لما ينصّ عليه هذا الدّستور.

في النهاية، إنّ رفض إقتراحَي المعارضة يبقي المستقبل السياسي في لبنان رهينة بقدرة القوى السياسية على تجاوز الخلافات الداخليّة والتعامل مع التأثيرات الخارجيّة بمرونة وحكمة. ولكن هل يجرؤ أيّ فريق سياسي على المبادرة والقول: “الأمر لي”؟

كتب د.ميشال الشمّاعي في “المسيرة” ـ العدد 1755

خارطة طريق المعارضة لانتخاب رئيس

تشاور تحت سقف الدستور.. لا حوار

إقرأ أيضًا 

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل