
مع كل جولة تهديدية تصاعدية متبادلة بين طرفيّ المواجهة الإقليمية، يلجأ كل من محور المُمانعة ومحور إسرائيل- الولايات المتحدة إلى استعراض الإمكانيات العسكرية والقدرات التدميرية المحشودة في المنطقة، ويُعلن الطرفان عن استقدامٍ لبوارج عسكرية وسفن حربية وحاملات طائرات، وعن استحداث لدفاعات جوية وصواريخ دقيقة وخنادق جوفيّة، كأن الحروب الحديثة باتت تُخاض، أولاً، في وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام المرئي والمسموع والمكتوب والمُسرّب، فيُعلن كل طرف عن قدراته العسكرية جهاراً، كمقدمةٍ لخوض الحرب الميدانية.
لكن، إن عدنا إلى النظر في المنطق الأمني المعهود، نرى جليّاً أن الدول تتحفّظ عن الإعلان عن قواها العسكرية، معتبرةً ذلك سرّاً من أسرار الدولة، وعنصراً مهماً من عناصر تحقيق المفاجآت الميدانية لحظة اندلاع الحروب، وركناً من أركان تحقيق الانتصار الخاطف وغير المُكلف. بالتالي، يدلّ هذا الاستعراض بأن أسباب الخرق الحالي لشرط السرّية، ناتج عن التفاوت الكبير في القدرات العسكرية بين الطرفين.
فمحور إسرائيل- الولايات المتحدة يمتلك القوة العسكرية المُدمّرة التي لا يملك أي طرف في العالم إمكانية ردعها، فكيف بالأحرى المحور الإيراني وأذرعه، التي تبيَّن مع تقدّم الجولات العسكرية الأخيرة بأنه قوة عسكرية كرتونية، مُجهّزة للقمع ولحماية النظام وليس للدفاع عن الوطن. وبالاخذ بالاعتبار لهذا التفاوت، يستعمل محور إسرائيل- الولايات المتحدة عامل التهديد تحقيقاً لخطواتٍ متقدّمة في المفاوضات، وهذا ما أسرّ به مؤخراً أحد المسؤولين الأميركيين، بأن استقدام البوارج يهدف إلى وقف الحرب وليس إلى التحضير لها، ممّا يعني أن الحاجة للتهديدات تأتي على سير المفاوضات، وتَعرقُلها أو تقدّمها.
قبل كل جولة مفاوضات أو عند قدوم الموفدين الأميركيين إلى المنطقة، تتصاعد الاستفزازات الميدانية، من تحليق لدرون المُمانعة وغيره، وبالمقابل من خرق لجدار الصوت للطائرات الإسرائيلية، وإن كانت التهديدات المتبادلة موجهة ذهاباً إياباً بين الطرفين، لكنها والأهم من كل ذلك، هي ابتزاز للطرف الأميركي الضاغط لوقف النار ولتأمين التهدئة، المُناسِبة للإدارة الأميركية الحالية لخوض معركتها الرئاسية من دون تأثيرات وعواقب الضربات العسكرية المتبادلة على أصوات الداخل. ونتيجةً لذلك، فالتهديدات العسكرية والمعارك التدميرية والاغتيالات الهادفة والتهجير المقصود والضاغط والتضحيات على صعيد المواطنين، كلها تقع على وقع المفاوضات، بين مشروعين. فالطرف الاسرائيلي له خططه لتأمين أمان مواطنيه على حساب الشعب الفلسطيني وقضيته المُحقّة، وطرف المحور الإيراني له مشروعه التوسّعي الأيديولوجي الراديكالي على حساب استقلالية الشعوب المنتشرة من العراق وحتى لبنان.
تهديدات على وقع المفاوضات، وضربات عسكرية على وقع التهديدات والمفاوضات، وجولات ميدانية على وقع مجريات المفاوضات، وتدمير للسلم الأهلي في لبنان، وللاقتصاد الوطني، وللسياحة وللمستشفيات والقطاعات الحياتية، وللعلاقات اللبنانية مع الدول العربية ومع العالم المتطور تقنياً وعلمياً، كل ذلك يجري على وقع مفاوضات التبادل النفوذي، فهل من إمكانية لبقاء لبنان على وقع هذه الظروف؟؟؟ وهل يُناسب اللبنانيين العيش على وقع حسابات المحور الإيراني؟؟؟
كتب القاضي الراحل سليم العازار، بتاريخ 27/11/2012، في رسالة الرد على رسالة الدكتور سمير جعجع له المتضمّنة لملاحظات حول الدراسة التي قدّمها القاضي العازار للدكتور جعجع والتي تناول فيها رؤيته حول مسؤوليات طرفي النزاع الداخلي المسيحي- المسيحي، عندما وقع التصادم بين جيش ميشال عون والقوات اللبنانية، فوجّه القاضي العازار السؤال التالي للدكتور جعجع: “ألا تعتقد أنه لم يعد عملياً ومُمكناً حكم لبنان بتركيبته الحالية، والحالة هذه؟؟؟ أي فعلياً بعد أن أصبح لبنان مُهدّداً بالزوال، نتيجةً للزعزعة المتواصلة والمُستمرّة منذ سنة 1969 بسبب نشأة أحزاب في الداخل اللبناني تدين بالولاء لقوى مجاورة للبنان، تدعو لمشاريع وبرامج سياسية تؤدي حتماً لإلغاء لبنان الحرّ المستقلّ؟؟؟ أضاف أيضاً سائلاً الدكتور جعجع: ألا تعتبر أن العصر الذهبي للبنان كان عهد المتصرّفية، وأن الخطأ التاريخي الكبير كان بمطالبة البطريرك الياس الحويّك بلبنان الكبير؟؟؟
هذا قاضٍ، لم يعمل في السياسة، آمن بلبنان الإنسان الحرّ، وعمل بكامل عمره المهني لتمتين القضاء والقانون، وحكم على قوس المحكمة بالحق، ومن دون تأثيرات السياسة وحساباتها، وسبّب دائماً أوجاع رأس للسياسيين بقراراته واستقلاليته. هذا قاضٍ، آمن بدستور بلاده، لكنه آمن أيضاً، بالإنسان الحرّ في بلاده، وبهوّية لبنان، ولذا طالب بتركيبة جديدة تحفظ الهوّية والوجود.
ختاماً، هل نسمح للتهديدات على وقع المفاوضات أن تُسيّر أمورنا ومستقبل بلادنا، أم نذهب إلى تركيبة جديدة متحرّرة من مفاوضاتهم وتهديداتهم ومعاركهم؟؟؟.