Site icon Lebanese Forces Official Website

كورسك شوكة أوكرانية هل تؤلم روسيا طويلاً؟

صحيفة الجمهورية – شربل البيسري

أثارَ الاجتياح الأوكراني لـ14 كيلومتراً من أراضي مقاطعة كورسك الروسية في السادس من آب تساؤلات عميقة حول فعالية المراقبة الروسية وإجراءات التحصين على حدودها الغربية. وعلى الرغم من علامات التحذير المبكرة، بدا أنّ موسكو لم تكن مهيأة لمواجهة الهجوم المباغت الذي وصفه الخبراء بأكبر غزو للأراضي الروسية منذ الحرب العالمية الثانية.

سياق الهجوم

 

في الساعات الأولى من الصباح، عَبَرَت القوات الأوكرانية الحدود الغربية لروسيا من دون إشارات واضحة من موسكو على أنّ هناك شيئاً غير اعتيادي. فعند منتصف الليل، أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن تكريم أكثر من 2500 جندي لدورهم في السيطرة على مدينة شرقي أوكرانيا، في إشارة إلى الثقة الروسية بأنّ الأمور تحت السيطرة. لكن بعد ساعات، بدأت القوات الأوكرانية عملية اجتياح واسعة النطاق لكورسك، ممّا أثار حالة من الفوضى والذعر بين السكان المحليِّين.

 

وعلى الرغم من أنّ وزير الدفاع الروسي، الجنرال فاليري جيراسيموف، كان يتفقد مناطق قتالية في أوكرانيا في ذلك الوقت، لكنّه لم يبدُ على دراية بما يحدث في كورسك، ممّا جعل الخبراء يشيرون إلى فشل ذريع في نظام الاستخبارات الروسي بتوقّع تحرّك القوات الأوكرانية إلى العمق الروسي.

 

ويشير الجدول الزمني للأحداث إلى أنّ السلطات كانت تحاول جاهدة تهدئة السكان، إلّا أنّ الشهادات على مواقع التواصل الاجتماعي أظهرت حالة من الهلع. وسرعان ما اتُهم الجيش الروسي بالفشل في التصدي للاجتياح الأوكراني، ممّا أثار تساؤلات حول فعالية قواته المتمركزة على الحدود. وأشارت وسائل الإعلام الروسية إلى أنّ الجنرال جيراسيموف ربما كان مضلّلاً من قِبل مَرؤوسيه، أو أنّه اضطرّ إلى تقديم تقارير إيجابية للرئيس فلاديمير بوتين أمام الكاميرات.

 

يعتقد الباحث العسكري الفرنسي يوهان ميشيل أنّ روسيا ربما كانت تعتقد أنّ كييف لن تخاطر بمثل هذا الهجوم الكبير، خصوصاً مع تراجع القوات الأوكرانية في الجبهة الشرقية. لكنّ التقدير الخاطئ أتاح لأوكرانيا فرصة لإحداث تغيير كبير في مسار الحرب.

 

أهداف أوكرانيا ومخاطر العملية

 

تهدف أوكرانيا من هذا الهجوم إلى تشتيت القوات الروسية وسحبها من الجبهة الشرقية في منطقة دونيتسك، حيث كانت موسكو تحقّق تقدّماً مستمراً. لكن، وعلى الرغم من النجاح الأولي، يبدو أنّ المخاطر بدأت تتزايد مع محاولات أوكرانيا التمسّك بالأراضي التي احتلّتها في كورسك، إذ حذّر محلّلون من أنّ القوات الأوكرانية قد تواجه صعوبات كبيرة في الاحتفاظ بهذه الأراضي مع زيادة الضغط الروسي.

 

مصادر متعدّدة أكدت أنّ الهجوم الأوكراني الذي اعتمد على قوات عسكرية ومرتزقة روس معارضين لحكومتهم، لم يكن مجرّد عملية عسكرية بسيطة، بل كان جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى إضعاف الروح المعنوية الروسية من خلال ضرب أهداف داخلية. كما أنّ استخدام قوات شيشانية تابعة لروسيا في التصدّي للهجوم يعكس التوترات الداخلية داخل الجيش الروسي.

 

وتشير التقارير إلى أنّ الهجمات الأوكرانية على كورسك كانت أكثر كثافة واستمرارية من المعتاد خلال الأيام العشرة التي سبقت الهجوم، إذ استُهدِفت مستودعات النفط ومحطات الطاقة، وحتى مستودعات الأسلحة والمعدات العسكرية. وأظهرت لقطات الفيديو التي نشرتها القوات الأوكرانية استخدام معدات هندسية متقدّمة لاختراق الدفاعات الروسية، ممّا يدل على مستوى عالٍ من التخطيط والتحضير.

 

ضعف التحصينات الروسية

 

على الرغم من تأكيدات المسؤولين الروس بأنّ التحصينات على الحدود كانت قوية، إلّا أنّ فيديوهات الهجوم أظهرت ضعف هذه التحصينات. ووفقاً لمركز المقاومة الوطنية الأوكراني، فإنّ معظم النقاط المحصّنة كانت مهجورة من الأفراد والمعدات، ممّا أدّى إلى تدهور القدرات الدفاعية الروسية، على الرغم من التكلفة العالية التي تكبّدتها موسكو لبناء التحصينات في كورسك، مما يثير تساؤلات حول فعالية أنظمة المراقبة والدفاع الحدودية قد المصمّمة خصيصاً لمنع مثل هذه الاختراقات.

 

التحدّيات والرهانات المستقبلية

 

مع استمرار الهجوم الأوكراني واحتلال القوات الأوكرانية لمساحات كبيرة من أراضي كورسك، بدأت روسيا في محاولة استعادة زمام المبادرة. لكن، يبدو أنّ الهجوم الأوكراني نجح في إحداث خلل كبير في الاستراتيجية الروسية، ممّا دفع موسكو إلى إعادة تقييم خططها العسكرية في المنطقة.

 

وعلى الرغم من أنّ كييف أحرزت تقدّماً كبيراً، إلّا أنّ التحدّيات التي تواجهها في الاحتفاظ بهذه الأراضي قد تكون كبيرة، خصوصاً في مواجهة عدوّ روسي متفوّق عديداً وعتاداً.

 

بالنسبة إلى أوكرانيا، يمثل هذا الهجوم خطوة جريئة قد تعزّز موقفها في المفاوضات المستقبلية، لأنّها قد تسعى إلى استغلال الأراضي التي سيطرت عليها، في حال حافظت عليها طويلاً، كـ “منطقة عازلة” ضدّ الهجمات الروسية.

 

هزة في الأسواق وتداعيات على الاقتصاد الروسي

 

على المستوى الاقتصادي، أدّى الهجوم الأوكراني إلى اهتزاز في الأسواق الروسية والدولية. فتراجع الروبل الروسي بشكل حادّ بعد انتشار أنباء الهجوم، ممّا أثار مخاوف بشأن استقرار الاقتصاد الروسي في ظل التصعيد العسكري الجديد، بالإضافة إلى العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الدول الغربية على روسيا منذ بداية الحرب. وشهدت الأسواق العالمية، خصوصاً سوق النفط ارتفعاً بشكل ملحوظ، لأنّ روسيا تمثّل أحد أكبر منتجي النفط في العالم.

 

حتى أنّ الهجمات على الأراضي الروسية يمكن أن تؤدّي إلى تفاقم الاضطرابات في سلاسل التوريد الداخلية، وتزيد من التكاليف الاقتصادية للحرب على روسيا. وقد يواجه النظام المالي الروسي الذي يعاني من تضخم مرتفع ونقص في الاستثمارات الأجنبية، المزيد من الضغوط نتيجة للإنفاق العسكري المتزايد والاحتياجات اللوجستية في المناطق المتضرّرة.

 

إعادة رسم حدود الصراع وتداعيات إقليمية

 

جيوسياسياً، ساهم الهجوم في تغيير قواعد اللعبة في الحرب الروسية الأوكرانية، لأنّ الاعتقاد كان سائداً بأنّ كييف في موقف دفاعي، لكنّ قلبت الطاولة باتخاذها مبادرة هجومية كبيرة عبر توسيعها نطاق العمليات العسكرية لتشمل الأراضي الروسية، وسط تخوّفات من تدخّلات إقليمية أو دولية.

 

فمن جهة، اصطفّت القوات البيلاروسية الموالية لموسكو على الحدود الشمالية والشمالية الشرقية لأوكرانيا، في تحذير لاجتياحها أوكرانيا، مقابل بولندا ودول البلطيق ودول حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي انكبّت على تعزيز دفاعاتها خوفاً من تصاعد الصراع.

Exit mobile version