
“أنا مجرد كاتب أو صحافي أو صاحب وجهة نظر متواضعة، وباحث جامعي، أعمل من أجل نشر الحوار، ومعالجة المشكلات والسعي لحماية لبنان وكل العالم العربي والإسلامي. وأنا كنت وما زلت مع المقاومة في لبنان وفلسطين، وضد كل محتل. ومع كل إنسان مظلوم ومضطهد. ولا أسعى من أجل إثارة إعلامية أو سياسية أو حزبية. وما أتمناه هو أن نناقش الآراء بهدوء حرصًا على مصلحة وطننا جميعًا، وأن نكون جميعًا جنودًا من أجل وحدة وطننا وحمايته من كل معتدٍ.
مسيرتي معروفة منذ أكثر من أربعين عامًا، وعملت وما زلت أعمل ضمن قناعتي وحريتي.
والله على ما أقول شهيد”.
لم تكن هذه المقدمة الا ردًّا من الكاتب والصحافي والباحث الجامعي قاسم قصير على ما تعرّض له من هجمات واتهامات وحملات تخوين وهدر دم من الفئة نفسها التي لطالما نطق باسمها وتقرّب منها ودافع عنها بالموقف والكلمة، ولن تكون آخرها المحاولة التحويرية التي دبّجها في رسالته الى الدكتور سمير جعجع والذي يتعرّض لمثل ما تعرّض له قصير من افتراءات وتجني واتهامات نتيجة لما ورد في اطلالته بتاريخ 17 كانون الثاني 2021 على تلفزيون الـN.B.N، إذ ردّ قصير على رسالته الى جعجع منصفًا هذا الأخير بقوله: “إن لدى الحزب مشكلتين عليه حلّهما، وهما:
النقطة الأولى، علاقته بإيران، لا يمكن أن يكمل الحزب، مع احترامي وتقديري لهذه العلاقة التي كان لها إيجابيّات كثيرة، لا يمكن أن يكمل بالآلية نفسها التي كانت في الفترة الماضية. يجب أن يصير حزبًا لبنانيًّا. هناك علاقة دينية لا مشكلة. علاقة معنوية لا مشكلة. لكن لا يمكن أن يبقى يقول إنني بأمر الولي الفقيه. هذه نقطة بحاجة إلى حلّ.
النقطة الثانية، هي موضوع المقاومة. لا يستطيع الحزب أن يستمر وحده مقاومة، يجب أن يصير ضمن استراتيجية دفاعية. نحن بحاجة أولاً من الحزب ومن الشيعة ألا يكبر رأسهم كثيرًا. هذا البلد بدّو يساعنا كلنا سوا. على الشيعة أن يكونوا مواطنين في دولهم. فكرة أن يكون هناك دور شيعي أكبر من دور البلد هذه لم تعد. هناك عشر سنوات، الأخيرة، لظروف جيوسياسية، لظروف الصراع في المنطقة، اضطر الحزب إلى أن يخرج من البلد. والحزب في نظامه الداخلي التأسيسي لا يتدخل في شؤون أي دولة أخرى، لأنهم استفادوا من تجارب الجبهات العربية والحركات اليسارية وخصوصًا المقاومة حين تتدخل في شؤون دولة تُضرب، مثلما صار مع فتح والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. أخذوا (مؤسسو الحزب) قرارًا داخليًا بأن لا يتدخلوا في شأن أي بلد آخر. “الحزب خصوصًا، بغض النظر عن حلفاء إيران في المنطقة، لكن في السنوات العشر الأخيرة، بعد الأزمة السورية، خرج الحزب. هذا الموضوع حكى عنه نصرالله، أسبابه، ظروفه، معه حق ما معو حق، هذا الأمر صار، لا يمكننا العودة إلى وقته قبل عشر سنين. لكن الآن، آن الأوان الآن، للحزب، أحكي كلامًا هنا في “أن بي أن”، أن يعود إلى لبنان. ليس بحاجة قاسم سليماني لكل هذا الحجم. لكن الحزب، وإيران لا أعرف، ربما يمكن تعويض، تعبئة، لأنني لاحظت حجم الاهتمام الإعلامي والثقافي والفكري لأن يمكن بدهم يعوضوا عدم القيام بعمل عسكري الآن كرد، ربما يهتمون بالجانب التعبوي. لذلك، واضح من إيران إلى العراق فالمنطقة، وهذا انعكس سلبًا علينا. فلنعترف أن هذه الحملة الإعلامية، بغض النظر عن دور الحاج قاسم سليماني بالنسبة إلى لبنان، دعم لبنان، دعم المقاومة، لكن فلنعمل نقد ذاتي كل شي بيزيد عن حدّو بينقص”.
مع ان ما قاله قصير في 2021 كاف وواف كرد على رسالته الأخيرة لرئيس “القوات”، فقد كان لقصير رسالة سابقة وهي أطروحته التي نال على أساسها “الماستير” من الجامعة اليسوعية في العام 2017 والتي طبعت كتابًا تحت عنوان “الحزب بين 1982 و2016 الثابت والمتغير” ففي الصفحة الـ135 من الكتاب ـ الرسالة يقول قصير: “كان بعض قياديي الحزب يبررون بقاء الالتزام بولاية الفقيه مع الانخراط أكثر في إطار الدولة اللبنانية ..وان الولي الفقيه السيد علي خامنئي هو الذي شجع الحزب على تعزيز المشاركة في النظام اللبناني وان الالتزام بالولاية لا يتعارض مع الانتماء الوطني والهوية اللبنانية”. ويعلق قصير: “لكن هناك سؤلاً اساسيًا يطرح نفسه في هذا الإطار، ماذا لو تعارض قرار الولي الفقيه مع المصالح اللبنانية وما هي المصلحة التي يقدمها الحزب؟”
وورد في الصفحتين 139 ـ 140 من كتاب قصير “أن التحول والتغيير في خطاب واداء الحزب من أجل ان يصبح حزبًا سياسيًا يلتزم بشكل كامل بالعملية الديمقراطية واسس بناء الدولة في لبنان، يستلزم تغييرًا حقيقيًا في رؤيته الفكرية وعلاقته الاستراتيجية بالجمهورية الإسلامية وبالالتزام بأسس الدولة. وان يتحول من حزب عقائدي ديني يضم عناصر من اتجاه ديني ومذهبي محدد الى حزب سياسي وطني مفتوح”، ليخلص الكاتب بالقول: “يبدو أن هذا التحول غير ممكن في المرحلة الحالية وأن مراقبة خطاب وأداء الحزب بين العام 2011 و2016، ولا سيما بعد التطورات في العالم العربي والدور المتزايد للحزب خارج لبنان، يؤكد على أن الحزب قد عاد الى روحية الخطاب الذي كان سائدًا في مراحل التأسيس الأولى”.
إن ما ورد في رسالة قصير الكتاب عام 2017 وما ورد على لسان كاتبها في مقابلته التلفزيونية بتاريخ 17 كانون الثاني 2021 والتي لم يبلعها “الحزب” ولا جمهوره، يتلاقى لا بل يتطابق مع ما كتبه الدكتور سمير جعجع في رده على رسالة قصير التي خرجت عن سياق مسيرته في البحث والتعبير عن الحقيقة. فقصير قال ما قاله جعجع في الرسالة الرد إنه “لا يجوز أن يتولى فريق من اللبنانيين مصادرة القرار الاستراتيجي للدولة من دون التشاور مع الآخرين، وأن يبدأ عمليات عسكرية جميعنا يعرف الى اين يمكن أن تؤدي، ومن ثم يطلب من الآخرين جميعًا أن يجاروه “على العمياني” في ما بدأه هو وحده”…و “ان المراجعة السياسية مطلوبة دائمًا، أستاذ قاسم، ولكنها مطلوبة بشكل أساسي من الفريق الذي لا يلتزم الدستور ولا الميثاق ولا الشراكة ولا القرارات الدولية، ومطلوبة بشكل أساسي من الفريق الذي يعتبر أن قرار الحرب من اختصاصه وحده، فيما اختصاص سائر اللبنانيين معالجة تداعيات إعلانه الحرب. والحل يبدأ، أي حل، من خلال التزام جميع اللبنانيين من دون استثناء بقيام الدولة الفعلية والسلاح الواحد، والتهرب من هذا الالتزام يعني مواصلة الدوران في حلقة الفوضى نفسها”.
“والله على ما قيل وقرأنا شهيد”.
