
شاء الزمان أن يصبح بلد القداسة غريق العتمة. عذراً.. ليس الزمان من شاء، بل حكام البلاد والمسؤولون بشكلٍ مباشر عن ملف الكهرباء هم من شاؤوا أن نصبح مواطنين نلملم أشلاء وطننا من قلب ظلمة ملفاتهم. بئس زمنٍ بات فيه لبنان من دون إنارة، وبئس زمنٍ بتنا فيه عاجزين أمام حقنا، فأصبح بيننا وبين الحق صراعٌ لا تنهيه منابر الدبلوماسية والسياسة.
ملف الكهرباء بات يعرف بـ”مغارة علي بابا”، إذ هو ملفٌ عزيزٌ على “محور الفساد” في لبنان، فأغلبية التقارير الصادرة عن البنك الدولي بما يخص الأزمة اللبنانية، سلّطت الضوء على ضرورة إعادة هيكلة قطاع الطاقة باعتباره الضحية الأولى لفساد الطبقة الحاكمة.
لا بد من الإشارة أولاً، إلى أهمية قطاع الطاقة والموارد في الدول القائمة، فهو يمثل باب الإنتاج الأول فعلياً إذ أنه نبض المجتمعات والمحرك الأساسي لسيرها وقيام إقتصادها. لذلك نلحظ أن الاقتصادات الحديثة وجَّهت طاقاتها لإنتاج الطاقة محلياً، مدركة بذلك لأهميتها ومدى الأعباء التي يمكن أن تنتج عنها في حال عدم توفر شروط العمل بها.
في هذا السياق، وفي طور البحث في أرشيف هذا الملف، يتضح أن الفساد كلمة تقل معانيها أمام ما وصل إليه قطاع الكهرباء والطاقة من درجة انهيار، إذ أن كلفة هذا القطاع جعلت لبنان يصبح مثقلاً بالديون. فبحسب تقرير لـ”الجزيرة”، لبنان يخسر سنوياً نحو 200 مليون دولار كلفة اقتصادية واجتماعية وبيئية بسبب انقطاع الكهرباء والمعامل التي تشغّل من دون شروط بيئية.
لا بد عند تطرقنا إلى هذا الملف، أن نذكر حقبة “البواخر” إذ إنها “قصة بذاتها” وهي تلخّص نمط الفساد المعتاد في لبنان، “مناقصات يتم تفصيلها على مقاس شركة واحدة، تصممّ المناقصة لأجلها أساساً”. هكذا تطورت حقبة الكهرباء في السنوات المنصرمة وهكذا ثقل كاهل الوطن والمواطن بفواتير “بواخر” علم الله تحت أي صفقة عقدت. إنما الأكيد أننا نعيش الحصاد اليوم، إذ بات معظم البلد قائماً على الطاقة الشمسية والمولدات في ظل وزارة أشبه بمجسّم شمع.
كذلك، ضمن إطار البحث حول الملف وطرح إشكالية التأثير الحالي لإنقطاع الكهرباء على اقتصادنا، يشير الخبير الاقتصادي محمد فحيلي إلى أنه “منذ تاريخ اندلاع الأزمة الاقتصادية، هناك قدرة اقتصادية كبيرة أظهرها المجتمع اللبناني، خصوصاً القطاع الخاص من أفراد ومؤسسات، للتأقلم مع المتغيرات الاقتصادية، فجزء كبير من المؤسسات المنتجة تعتمد على الطاقة الشمسية والمولدات الخاصة، كذلك الكثير من الأفراد، وجزء قليل يعتمد على الكهرباء اللبنانية، أو “كهرباء الدولة” التي تعتمد عليها مضخات المياه لضخ مياه الشفة”.
أضاف فحيلي حول المشكلة الحديثة للكهرباء: “نلاحظ أن هناك العديد من المشاكل، أولها تسديد الفواتير للعراق، إذ تكلم وزير الطاقة عن الموضوع من دون أن يوضح أن الاتفاق الأساسي كان يعتمد على تقديم الخدمات مقابل النفط العراقي. بالمقابل، في حال كان الاتفاق قائماً على شراء النفط ودفع الفواتير، فهناك معاملات ومسار قانوني للملف إذ يجب أن يخضع للمناقصات وقانون الشراء العام”.
تابع فحيلي: “المشكلة الحقيقية التي يواجهها القطاع، وهذا ما ظهر خصوصاً بعد انفجار 4 آب، أن الدولة لم تتعلم تقنية التخزين الاستراتيجي. فاليوم مشكلة الكهرباء أن لا تخزين استراتيجي للـ”fuel oil”، إذ أن وزارة الطاقة لجأت إلى استعمال مخزون الجيش لتأمين ساعات قليلة من الكهرباء بانتظار وصول البواخر من الجزائر والعراق”.
ملف الكهرباء في لبنان ليس ابن اللحظة، هو إنتاج لتراكم الفساد والصفقات وصولاً إلى سوء إدارة القطاع، وبنتيجة الموضوع قيام الإدارة الذاتية للقطاع الخاص وعلى مستوى الأفراد. الأكيد طبعاً أن الشعب الملقّب بـ”طائر الفينيق” لا يفهم الموت، فمن قلب كل هذا الركام تأقلم ورفع اقتصاده، لذلك المشكلة لم تعد في عتمة الشوارع، فشوارع لبنان لا تطفئها الروح، وهذا الشعب لن يخاف من العتمة لأن عزيمته تشعل قلب لبنان. لكن للحقيقة من ينير عتمة ضمائر الحكام؟ هل من كهرباء تنير نفوس من تاجروا بنا وبمستقبلنا؟