#dfp #adsense

يوم تُقرع الأجراس مُعلنة قداسة الثالوث المسابكيِّ

حجم الخط


هوذا حمل الله الحامل خطايا العالم يحلِّق بآيات أناجيل جُمعته العظيمة الأربعة إلى أبعد بكثير من أسوار مدينة أورشليم قاتلة الأنبياء وراجمة المُرسلين إليها مُسهِّلاً لدرب آلامه مَهمَّة الاتصال والتواصل مع مَن اختاروا بملء إراداتهم وقناعاتهم سلوك دروب مراحله الأربع عشرة لخوض معركةٍ ملوكيَّةٍ ملكوتيَّةٍ لا يخوضها إلاَّ مَن أيقنوا أنَّ مملكة الفداء لا ينتصر في معاركها إلاَّ ملوكٌ مشوا ويمشونَ بجرأةّ لا تتلكَّأ، بإرادةٍ لا تتردَّد، بتصميمٍ لا يتعثَّر، وبمحبةٍ صعبة الفهم والإدراك لا تتفسَّر. ملوكٌ رفعوا ويرفعون بيرقًا وحيدًا يتَّسعُ لموجز جوهر آية نداء: “كلُّ من أراد أن يأتي إليَّ فليكفر بنفسه ويتبعني”!!

دير الآباء الفرنسيسكان صيف 1860 المُفترض أنَّه قائمٌ في عهدة سلام وأمان دمشق عاصمة الأمويين مهد القديس يوحنا الدِّمشقي، كان مع الأرياف والأحياء المجاورة هدفًا رئيسيًا لمئة شاوول وشاوول يحملون أوامر مَهمَّة إلقاء القبض على أتباع يسوع النَّاصري المتجذِّري الإيمان بإلهٍ واحدٍ وُلِد على خشبة مزودٍ ومات فوق خشبة صليبٍ، وأكفانه المرمية عن ناسوتِه الجسديّ والحجر المٌدحرج عن قبره الرّاميّ، أثبتُ شاهدين لحقيقة انتصاره على الموت بالموت وارتباط قيامته بقيامة البشرية جمعاء!

دير الآباء الفرنسيسكان برهبانه الأوفياء لعهد جيرة خبزٍ وملحٍ وصدقٍ وصداقةٍ جاور فيها أهل نهر بردى مجاورة الصدّيق لوصايا الرب. هذا الدير الذبيح قد لحقه ما لحق بدير القمر في جبل لبنان… “كشاةٍ سيق إلى الذَّبحِ وكحملٍ صامتٍ أمام جزّاريه”. هي نبوءة أشعيا التي اعتمدها الجزَّارون الذبَّاحون كأنسب أستراتيجية لسكاكينهم وسواطيرهم وخناجرهم وفؤوسهم..

نهر بردى الدمشقي كنهر يوحنا المعمدان الأردنيّ، لا تكتمل فيه معموديةٌ إلا إذا امتزجَ مزيج ميرون الزيت والطيوب والماء والحياة بأمواج الدم المتدفِّق من فيضِ الرؤوس المقطوعة والأجساد المسحولة ترجيعًا لصدى نحيب وعويل راحيل الباكية المولولة على بنيها، وإصرارها المثالي على رفض وقوفها ذليلة مكسورة مهزومة في صفوف مراسم العزاء!!

فرنسيس وروفائيل وعبد المعطي، ثالوثٌ عائليٌ أخويّ مارونيّ دمشقيّ. ثلاثة أخوةٍ وجهاء تصدَّروا قائمة الوجاهة الدمشقية فكانوا مرجعًا أساسيًا من مرجعيات دمشق مسقط رأس يوحنا الدمشقيِّ المعروف “بمجرى الذَّهب” والدَّارة المسابكية العامرة بالقلوب المفتوحة والنفوس السّخية والأيادي الكريمة ربطت هدفَ ثرواتها المالية الطّائلة بغاية التَّوصية الأقدس كَرَمًا والأغنى عطاءً: “كنت جائعًا فأطعمتموني وعطشانًا فسقيتموني وعريانًا فكسوتموني ومريضًا وغريبًا فزرتموني”.

الشيخ فرنسيس عميد العائلة المسابكية المبارَكة في العائلات وأخواه روفائيل وعبد المعطي عاشوا وهم يعتبرون، بأصدق وأوفى وأخلص اعتبار، أنَّ دمشق بكلِّ أطياف أهلها وطوائفها، بكل بيوتها وحاراتها وأحيائها، هي أهلهم وطائفتهم وبيتهم وحارتهم وحيَّهم. فكانت أخلاقهم الإنسانية تفوح فوحَ عطر الياسمين الدمشقي وإيمانهم المسيحي هو إيمان حنانيا ربيب دمشقهم الذي أزال قشور العمى الجسدي والإيماني عن بصر شاوول وبصيرته كي يجول العالم باسم بولس المسيحية والمسيح!

تموز 1860 داهم عاصمة بلاد الشام وحش لهيب محرقة حزيران جبل لبنان وحجم اللهيبين أشدُّ خطرًا وفتكًا وحرقًا وترميدًا وموتًا زؤامًا بأضعاف أضعاف المحرقة التي رصف حطبها إبراهيم الخليل تضحيَّة بابنه إسحق، وأقامها فوق جبل المريّا… المحرقة السلطانية العثمانية المشتعلة بشَرَرِ وشرور كبريت “فرِّق تسُد” امتدت حرائقها من حزيران اللبناني إلى تموز الدمشقي. وبالقَدر الذي رمَّدت البيوت والأرزاق والقرى والمناطق والعمران وجنى الأعمار، كذلك جمَّرت وفحَّمت طويل عهود الخبز والملح والتعايش الأخوي وحسن الجوار.. والماء الذي لا يصير دمًا، صيَّره التَّعصُّب الأعمى الأبكم الأصَمّ سواقي دماءٍ تجري من أبواب خرائب البيوت المخلّعة المشلّعة المحوَّلة إلى جماد ورماد، والجهل العميم الذميم يعمِّم ويعوِّم مندبة منادب أشعار الجاهلية: “قِفا نبكِ ذكرى حبيبٍ ومنزلِ”.. وها جنون العقول وهيجان الغرائز وانفلات المشاعر من عقالها وعقلائها يرتكبون ما لم يرتكبه قايين في حق أخيه هابيل!

خورشيد باشا السفّاح توأم أحمد باشا الجزّار في نسل أفاعي الإجرام المروِّع المريع يُطلق أذنابه المتذئِّبين يدسّون فتائل البارود بين الباب والباب، والبيت والبيت، والحي والحي، والقرية والقرية، والمنطقة والمنطقة، فكانت كلمة الفصل الأولى والأخيرة لمتعهّدي حفلات رقصة الموت برعاية وحضور أصنام سفك الدماء البريئة، كما دماء تنزف من ألسنة راقصين سكارى حتى الثمالة تلحس ألسنتهم أسنان مبارد الغرباء!

دمشق 1860 أقدمَ بعضها التَّائه عن عناوين أهل النَّسَبِ وجيران العمر على إعادة إحياء تسميَّاتٍ هجينة بائدة تفشَّت زمن تصنيفات “حارات النَّصارى”.. بينما الحارات الدمشقية ذات الأصل العريق والعُرقِ الأصيل، كانت كلُّ حارةٍ منها تضم أختها إلى صدرها وقلبها وإرثها وتراثها. وكما في جبل لبنان كذلك في رحاب الشام، ضاق صدر حرّاس أصنام العصبيات الدينية بكلِّ مَن يغايرهم في شرائعهم وشعائرهم وتشريعاتهم فنهضوا يطاردون ذوي العقائد الإيمانية المخالفة، متجاهلين أن الله لم ولن يكلِّف كائنًا من كان بمهمة اقتياد الموصوفين بالكافرين وجرّهم إليه بالقوة، وهو الكلي المحبة والرحمة والمغفرة. كما أنه هو من رفع الإيمان إلى العقل الكامل الحرية، ورفع العقل إلى إيمانٍ لا تدركُ حجمه الألوهيّ اللامتناهي إلاَّ عقولٌ تعرف حجمها البشري المحدود!

الشيخ فرنسيس المسابكي لم يكن عميدًا ومرجعًا للعائلة المسابكية فقط، بل شملت مرجعيتُه معظم مسيحيي دمشق وجوارها فصمَّم الجلاّدون وخطَّطوا لإمساك الكيان المسيحي الدمشقي من رأسه: رأس الشيخ فرنسيس وأخويه روفائيل وعبد المعطي.. طلب مآمير الإعدام من الأخوة الثلاثة كسب حياتهم وأمن وسلامة عيالهم وبيوتهم وأموالهم وأرزاقهم بإعلانهم جهارًا وعلانيَّةً الجحود التام بربهم ومعلمهم يسوع إبن الله الآب، لكنًّ الذاكرة الإيمانية للأخوة الثلاثة أعادت الصوت والمعنى لذلك التَّذكير والتنبيه الأمضى من حدِّ السيف: “سيأتي يومٌ يُظنُّ فيه أنَّ مَن يقتلكم يُقرِّب قربانًا لله”…

وفي خِضمِّ حراجة وأهوال تلك الساعة الرهيبة تذكَّرَ أخوة المصلوب منظر بطرس كيفا المُدَّعي القوة المُعتَدّ المغتَرّ بنفسه ليلة خانته رباطة جأشه وأرتعش وارتجف أمام تلك المرأة الواشية، فكانوا أكبر وأشجع وأجرأ مِن أن يستنجدوا ويستجيروا بتقيَّةٍ آنيَّةٍ ظرفيَّةٍ تقيهم تعذيبًا يفتح في أجسادهم عشرات الجراح، وموتًا محتومًا مختومًا بحشرجة نزاع مثالهم وقدوتهم المعلَّق مصلوبًا بين عيني أبيه السماوي وعينَي أمه الحزينة، فهلَّلوا تهليلة إسطفانوس أول الشهداء المحكوم بالإعدام رجمًا: “ها أنا أرى السماوات مفتوحة وابن الإنسان قائمًا عن يمين الله”!

ذبيحة 10 تموز 1860 تضرَّج ثالوث الأخوة المسابكيين فرنسيس وروفائيل وعبد المعطي بدماء الأقنوم الثاني من قدّوسية الأبوّة والبنوّة وانبثاق الروح الأقدس. دماء الذي “شُدِخَ لأجل معاصينا وبشدخه شفينا”. وأثواب أبناء وإخوة فرنسيس الأسيزي لم تستطع أن تفعل ما فعله ثوب راهبة المريمات يوم حمى ثوبها الرهباني الأجنبي “صبي دير القمر “من شريعة الذَّبح “الحلال”.. تلك الزنبقة الحملاوية اليتيمة التي نذرت لاحقًا نذور الراهبات اللبنانيات حاملةً إسم أمها رفقا. هي ذاتها الصبيّة بطرسية مراد صابر الريّس التي اختارها الفَقرُ والعوَز خادمة برتبة وراتبِ إبنةٍ لعائلة أسعد البدوي الدمشقية. وكم تمنَّت الأخت رفقا من الخادمة بطرسية أن تحمي بمئزرها جميع أهلها ومعارفها داخل بيوت وكنائس وأديار وأحياء دمشق المذبوحين من الوريد إلى الوردية!!

يوم تُقرع أجراس الكرسي الرسولي البطرسي ومعها أجراس كنائس وأديار الأمة المارونية لحظة رفع أيقونات الثالوث المسابكي الأخوي الدمشقي الماروني فوق مذابح قديسي الكنيسة الجامعة المقدسة الرسولية سيكون إعلان قداسة فرنسيس وروفائيل وعبد المعطي أعلانًا عامًا وعلنيًا لقداسة شعبٍ “سكن المغاور والكهوف طيلة مئات سنين الظلم والظّلام كي تبقى له الحرية ويسلم له الإيمان”.. وإعلانًا لقداسة أمَّةٍ ساكنت البراري والقفار وجاورت أقسى ما في الأرض من وعرٍ لا يتقبَّل إلاَّ الذين من صُلبه وصلابته وصلبانه.

أُمةٌ تفوَّقت بامتيازٍ مشهود له بعسير امتحان إعتراف الإعترافات: “مَن يعترف بي أمام الناس أعترف به أمام أبي الذي في السماوات”. واعترافها كلَّفها التَّكفير عن جميع خطايا الذين جحدوا وأنكروا يسوع المهان الملطوم المجلود المهشَّم الوجه والجسد بعد أن آمنوا إيمانًا إنتفاعيًا إنتهازيًا وصوليًا بمسيحٍ أشبع جياعهم وشفى مرضاهم وأنهض مخلَّعيهم وأيقظ عيونهم من غفوة العمى إلى صحوة النور!

إعلان قداسة الأخوة المسابكيين الشهداء هو شهادةٌ مسكونيةٌ بطوباوية مجانين يُدركون عن سابق تصوّر وتصميم أن كل من قرّر الصمود والبقاء في شرق مملكة الجمعة العظيمة، عليه أن يتحمّل كامل تكاليف تنفيذ بنود آية الوصية الأغلى ثمنًا: “من ضربك على خدِّك الأيمن فدر له الأيسر”!!!

 

كتب ميشال يونس في “المسيرة” ـ العدد 1755

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل