يُتابع “الحزب” خطوات حثيثة ومُكثّفة وتراكميّة في مسار مخططه الهادف لتغيير صورة لبنان وهويته الثقافية، وصولاً إلى استحداث ولاية جديدة مُلحقة بولايات الدولة الأيديولوجية التي تتخذ طهران كعاصمة قياديّة لها، كونها مركز المُرشد العام، الولي الفقيه، الذي تصدر عنه التكاليف الشرعية والتوجيهات العملية والتعليمات المُلزمة والقرارات السياسية التي لا نقاش حولها، لأنها تحمل صفة القدسيّة وتصبّ بكاملها لصالح تحقيق وطن الممانعة المنشود. يستمر “الحزب” بكل ثقة بالمساهمة من موقعه الجغرافي بوضع مداميك وركائز الدولة الشاسعة التي تعترف فقط بوحدة الشعوب في الأيديولجيا وفي العقيدة، وليس في العرق أو القومية أو المواطنية أو التاريخ والجغرافيا.
لم يعد “الحزب” يخجل بالإعلان عن قناعاته بالعمل لتحقيق الخطوات الجغرافية المطلوبة منه، بإتباع الجغرافيا اللبنانية، بما يتبقى فيها من مواطنين، إلى دولة المُرشد، مُستخدماً بالوقت الحالي شعار وحدة الساحات، فالعقيدة التي نشأ لأجلها لا تعترف بأي حدود، ويعتبرها عائقاً يقف أمام وحدة دويلاته، أمّا تصنيفه للدول فيأتي حسب نسبة سيطرته عليها أو جهوزيته للانقضاض عليها، والاندساس في مجتمعاتها، ولذلك، فالحدود الحالية الرسمية المُرسّمة بين الدول، بالنسبة له هي حدود وهمية من صنع الحسابات الدولية وموازين القوى الراهنة.
يستكمل محور المُمانعة خطوات تطويع شعوب المنطقة لصالح إيديولوجيته، إمّا دساً وإرضاءً، وإمّا تخويفاً وتهويلاً، وحتى إلغاءً جسدياً عند الحاجة. من جوهر استراتيجيته التوسّعية، نستنتج أن الخطوات الحالية في مسار تحقيق مشروعه الفعلي، تقضي بتدمير الدول القائمة، وخصوصاً الدولة اللبنانية التي تُناقض تماماً مفاهيمه الثقافية والإدارية. فوطن الحرّيات، لبنان، ووطن الانسان اللبناني ووطن الأرز، هو النقيض الحقيقي لدولة الممانعة، وما يتغنى به اللبنانيون من نجاحات فنّية وعلمية وسياحية واستثمارية وعلاقات دولية وانفتاح ثقافي وتحرّر اجتماعي، كلّها أفكار معادية لإيديولوجيته المنغلقة والمُنعزلة عن العالم الحرّ. إن ما يفتخر به اللبنانيون من إنجازات وتقاليد ومن إرث كبير ومجد إنساني مهم، ليس إلا كفراً وخيانة يُحاكم عليها في دول المُمانعة الواقعة تحت سيطرة وقيادة الثورة الإيرانية.
إن نظرنا إلى المشاهد اليومية في تلك الساحات، نكتشف طبيعة الوطن المطروح لهذا المشروع، كبديل عن وطن الأرز، فإيران مثلاً، التي كانت في سبعينيات القرن الماضي من أحدث دول المنطقة، تحوّلت مع نظام الثورة الإسلامية إلى دولة قمع وإعدامات لأصحاب الرأي واغتيالات مُبهمة وذلّ وتخلّف اجتماعي. والعراق الذي اشتهر أهله بالتحصيل العلمي ما قبل دخول الحرس الثوري إليه، أصبح الآن وطن الحشد الشعبي، المتمرّس بالأعمال المنافية للقوانين وللإنسانية وللحرّيات. وسوريا باتت ساحة للصراعات التي لا تنتهي، واليمن رازح تحت راية الفقر المُدعّم بالصراخ الحوثي الصاروخي الغوغائي، ولبنان في زمن المُمانعة، يُعاني من الانهيارات المتعددة المشاهد.
إذاً، تُوحّد هذه الساحات المتخلّفة تحت راية “وطن المُمانعة” من أصغر الأحداث التي تقع في ساحاتها إلى أكبرها، والتي تدلّ كلها على تفلّت شؤون وأمور الدول وفشل الإدارات الخاضعة لتعاليم قيادة المحور. فمن الأحداث المقرفة والمشينة التي تحدث في مطار بيروت، إلى انقطاع الكهرباء وإلى انهيار القطاعات كافة وعدم القدرة على حل الأزمات، ومن عجز الحكومات، إلى وقف العمل بالدساتير والقوانين، كلها مشاهد من “وطن المُمانعة” الذي يعمل له “الحزب”.
هذا في المشاهدات النافرة، أي في العوارض الناتجة عن المرض الأساسي الذي يفتك بهذه الدول وبشعوبها، وبمقارنة بين لبنان ما قبل حلول مشاريع محور المُمانعة عليه أي ما قبل العام 1975، وبين لبنان ما بعد ذلك، فنتذكّر أنه كان مقصداً للمستثمرين وللجامعات الدولية والسياح وللزائرين والفنانين الدوليين والرياضيين التاريخيين، وللشركات الدولية المُحرّكة للاقتصاد الدولي ولرؤوس الأموال الضخمة. في ذلك الوقت، كان لبنان يخطو خطوات واثقة نحو التطور المُستدام ليحجز مكاناً له في الصدارة الدولية في العديد من المجالات العلمية، أمّا ما بعد الـ1975 ومع دخول الأفكار التدميرية عليه، وخصوصاً مؤخراً مع “الإيرانية”، فلبنان بات دولةً لا تشبه شعبها، دولة مصادرة من مجموعة مُسلّحة تنتمي لعقيدة مناقضة لمفاهيم الشعب اللبناني. هذا الواقع الأليم هو المُسبّب الأساسي للقهر الذي تُعاني منه العائلات اللبنانية مما يدفعها للهجرة القسرية، أكثر من افتقادها للأساسيات المادية التي تؤمن الحياة الكريمة.
إن الحجة التي يستخدمها محور المُمانعة ليبني عليها محاولاته لتخوين معارضيه، تتمثّل بابتداع أمجاد باطلة متأتية من نضالاته السلاحية الوهمية، حيث يدّعي بأنها تُعطي الشعب اللبناني ميزة القوة، معتبراً أن قوة الأوطان تُثبّت بصور الشهداء المستمرّة، وبكثافة الاحتفالات الخطابية والشعرية العالية النبرة والفارغة المحتوى، متّهماً معارضيه بأنهم أصحاب طروحات “قوة لبنان بضعفه”، وهذا يدلّ إلى إفلاس المحور من الحجج، لأن اتهامه هذا هو قمة التجنّي والتشويه والتجهيل للموقف الحقيقي للمعارضين.
الحقيقة هي بأن لبنان ما قبل حلول محورهم عليه، كان قوياً وقوياً جداً، بما اكتنزه من انجازات سياحية وعلمية واستثمارية ومالية وعلاقات دولية وتنوع ثقافات، أعطته صورة الوطن المتقدم والمتطور، فنال مكانة الاحترام الدولي والأممي، وباتت قوته الدفاعية مضمونة من خلال التطور العلمي لقدرات شعبه. أمّا لبنان ما بعد ذلك، فأصبح ضعيفاً متراجعاً في كل المجالات، خارجاً من الخارطة الدولية. لبنان، الدولة الساقطة تحت سلطان محور المُمانعة هي الدولة الأكثر مُناسبةً لاقتصاد إسرائيل وللشركات الاسرائيلية، فلبنان، محور المُمانعة، مكّن إسرائيل من أن تحلّ مكانه كمركز اقليمي صناعي وزراعي وسياحي وعلمي وثقافي.
ختاماً، إن الانسان الحرّ هو الركيزة الأساسية لقوة الدول، أمّا الإيديولوجيا المنغلقة فهي المُسبّب الأساسي لدمار المجتمعات والدول والأوطان. إن المنتصر في لبنان بنهاية الأمر، هو الإنسان اللبناني الحر، أمّا الزائل فهي المشاريع المنغلقة والمتخلفة.
بمشاهداتٍ يومية من ساحات محور المُمانعة، نتأكد تماماً بأن هذا المحور ليس وطناً للبنانيين، وأن لبنان لن يكون ساحةً له.
