
كل من تابع التطورات التي استجدّت فجر الخامس والعشرين من آب 2024، وكل من تسمّر أمام الشاشات متهيّبًا توسعًا للأعمال الحربية وصولًا الى الحرب الشاملة، استخلص بعد ساعات قليلة من نشر روايتي إسرائيل و”الحزب” أن مقولة “الخاسر الأكبر في الحروب هي الحقيقة”، منطبقة الى حد كبير على أحداث وتطورات “يوم الأربعين”، الذي أضيف الى أيام “الحزب” ومقاومته المجيدة. لقد زكّت إطلالة نصرالله بعد ساعات على تبني طرفي النزاع لـ”حقيقته” صدق “المقولة” المذكورة، إذ أنها لم تقرن شكوك المتابعين والمتسمرين والحياديين والمنحازين باليقين المرفق بـ”التفنيد الموعود” بالأدلة والصور، والتي درج إعلام “الحزب” الحربي على نشرها وبثها في استهدافات تقل أهميةً عن الهدفين النوعيين في “غاليلوت” و”عين شيما” اللتين قصدتهما مسيّرات “الحزب” وصورتا عبر “هدهد” المقاومة.
لقد شكك نصرالله نفسه في ما سمته بيانات الحزب “تفنيدًا لمزاعم العدو”، بنجاح ونجاعة تحقيق الهدف في قاعدتي “غاليلوت” و”عين شيما” بقوله: “نحن سنتابع نتيجة تكتم العدو عما جرى في هاتين القاعدتين وخصوصًا في غاليلوت.. إذا كانت النتيجة مرضية وتحقق الهدف المقصود فنحن سنعتبر أن عملية الرد انتهت.. إذا لم تكن النتيجة كافية سنحتفظ بحق الرد حتى وقت آخر”.
ومجافاة للحقيقة أيضًا، أسقط نصرالله معادلة الردع التي تمثلت بـ”مدني مقابل مدني” والتي لطالما رفعها “الحزب” وأمينه العام وعاد وكررها في إطلالة الأمس التي أبدى حرصه فيها على المدنيين الإسرائيليين والمنشآت المدنية، كما أسقط معادلة “تل أبيب مقابل الضاحية الجنوبية”، وذلك بحرصه على أن يكون الهدف قريبًا من تل أبيب وليس في قلبها.
وهنا أدخل نصرالله معادلة يعيب على أخصامه اعتمادها وهي “إذا تجنب ردّ الحزب المدنيين الإسرائيليين والبنية التحتية الإسرائيلية وتجنب ضرب تل أبيب”، فإنه يسقط بذلك ذريعة من يد إسرائيل التي لم تحتج يومًا الى حجة أو ذريعة لقتل المدنيين وتدمير البنى التحتية واستهداف الضاحية، على حد أدبيات الممانعة السابقة وعلى رأسها نصرالله نفسه، إذ يقول في 10 نيسان 2010: “إسرائيل لا تحتاج إلى ذرائع، لكل حروبها على لبنان لم تحتج لذرائع يقدمها لها أحد، وإذا كانت بحاجة إليها فهي يمكنها أن تصنع هذه الذريعة… إن الأخطر في هذا الكلام حول عدم إعطاء الذرائع لإسرائيل أن فيه محاولة تبرير لإسرائيل وتحميل المقاومة مسؤولية”.
وكأن بنصرالله يقول إن إسرائيل لطالما راعت وتراعي الجنوبيين المدنيين أو تحسب حساب دمائهم وأملاكهم ومزروعاتهم.
أما فيما يتعلق بتفنيده مزاعم “الضربة الاستباقية” ونفيها ودحضها، فيقر نصرالله أن الغارات الإسرائيلية حصلت قبل نصف ساعة من هجوم “يوم الأربعين”، وهذا يعتبر استباقًا لضربة علمت بها إسرائيل استخباراتيًا قبل حصولها، وإن لم تحقق الغارات أهدافها فلنقصٍ في المعلومات وليس لفشل استخباراتيٍ “فظيع” على ما قال نصرالله، لأن استمرار انكشاف “الحزب” وكوادره وعناصره ومقراته ومواقعه منذ الثامن من تشرين الأول 2023 وصولًا الى لحظة إلقاء نصرالله كلمته، مع استهداف اثنين من “الحزب”، بالإضافة الى عنصر من حركة أمل، قد يعتبره المراقبون انطلاقًا من معيار نصرالله نفسه انتصارًا استخباراتيًا ساحقًا ماحقًا خارقًا…
أما في ما قاله نصرالله عن تأخير الرد تسهيلًا للمفاوضات التي تديرها الولايات المتحدة عبر رئيس استخباراتها وتشارك فيها الدول العربية المتآمرة المتأمركة المطبّعة مع إسرائيل، فهو لا يعدو كونه إلا التزامًا بالإرادة والإدارة الإيرانية لـ”وحدة الساحات” التي لم تترجم في الرد الثلاثي الإيراني اليمني اللبناني المرتقب، على استهداف هنية والحديدة وشكر لـ”حكمة” لا يعلمها الا الولي الفقيه المعصوم والاتصالات الإيرانية الأميركية الحاصلة في عمان.
اما بالنسبة لإقرار نصرالله بإصابة بعض منصات الصواريخ المستعملة في “يوم الأربعين”، فيسجل عليه اعترافه أن تلك المنصات بعد استعمالها تترك في مكانها بعد مغادرة مشغليها من المقاتلين حماية لهم وزودًا عن دمائهم، كما يسجل عليه وعلى حزبه ومقاومته تعريض المنازل المجاورة والمدنيين القاطنين فيها للقصف من المدفعية أو الطيران الحربي أو المسيرات تمامًا كمثل الدور الذي يلعبه مقاتلو “الحزب” في أنفاق عماد 4.
وقبل جلاء الحقيقة وتبيان الخيط الأبيض من الأسود وبانتظار أن يأتي اليوم التي “تقوم به فرقة موسيقية من الحزب باجتياح إسرائيل”، طمأن نصرالله أولًا الاسرائيليين ومن وراءهم من أميركيين وأوروبيين وعرب متأمركين مطبّعين وأخيرًا اللبنانيين أن “الرد انتهى، في المرحلة الحالية، ولبنان يمكنه أن يرتاح. عودوا الى منازلكم”.
.jpg)