
قوة المقاومة اللبنانية في العام 1975 أنها كانت تنطلق من بيئة حاضنة وداعمة ومؤيدة، ولكن نقطة ضعفها أن الانقسام كان طائفيًا، وهذا ما دفع القوى التي تطلق على نفسها تسمية الوطنية على وضع خطة مثلثة الأضلع: شرذمتها مسيحيًا، محاصرتها لبنانيًا وتطويقها خارجيًا. ولو نجحت هذه الخطة المثلَّثة لكان قُضي على لبنان بصورته المعروفة.
أسقطت المقاومة اللبنانية هذه الخطة من خلال وحدة الصفّ في الداخل، وتأكيد مقاربتها الوطنية للشريك بأن الأوطان تُبنى على قاعدة دول لا مزاوجة فيها بين سلاحين شرعي وغير شرعي، وأنها لن تسلِّم بالشواذ مهما طال الزمن، والتشديد أمام الخارج بأن التخلّي عن لبنان لن تقتصر أضراره على بيروت فقط، إنما سيتحوّل إلى بؤرة توتر في أكثر من عاصمة عربية.
ولم تتبدّل خطة الممانعة بكل فصائلها منذ عشية الحرب اللبنانية حتى اليوم، وتكرّر الأمر نفسه مع الاحتلال السوري للبنان الذي فبرك تفجير كنيسة سيدة النجاة ليقول للمسيحيين إن “القوات اللبنانية” التي تدافع عنكم تفجِّر الكنائس، بهدف فصلها عن مجتمعها وعزلها مسيحيًا، وحرّض القيادات الإسلامية ضد “القوات” في مرحلة لم تكن أقفلت فيها بعد صفحة الحرب وبهدف عزل “القوات” وطنيًا، وقال للمجتمع الدولي باستطاعتي توفير الاستقرار الذي يشكل أولوية أولوياتكم ولكن شرطه منحي الضوء الأخضر لإدارة الحكم في لبنان، فحقّق هدفه بعزل “القوات” دوليًا.
لكن لأن لا شيء يدوم في هذه الحياة. فقد اكتشف المسيحيون سريعًا أن من دافع عنهم بإخلاص كانت “القوات”، وأن من استهدف “القوات” كان هدفه استهدافهم وضرب خطّهم التاريخي بقيام دولة مستقلة عن جيرانها وأولويتها الإنسان بحرياته وأمنه واستقراره، واكتشف المسلمون لاحقاً أن من استهدف “القوات” لم يكن هدفه تعزيز دور طائفة على حساب أخرى، إنما كان هدفه إخضاع الجميع لسيطرته ومن يعترض على سياساته يكون مصيره كمصير “القوات”، واكتشف المجتمع الدولي أن تسليم لبنان لدولة أخرى حوّله إلى بؤرة توتر إقليمية، وأن عنوان الاستقرار اللبناني شكّل مدخلاً لمشروع عدم استقرار إقليمي.
وما يحصل اليوم هو نسخة طبق الأصل عما حصل في الماضي لجهة السعي إلى عزل القوة المسيحية الوطنية الأكبر من أجل التخلُّص من الحاجز الأساس أمام وضع الممانعة يدها الكاملة على لبنان في ظل رهان هذه الممانعة على خروج الموحّدين الدروز بقيادة النائب السابق وليد جنبلاط من منطق الاصطفافات، ورهانها على انعدام الوزن السياسي للطائفة السنيّة بغية توحيدها داخليًا، وسعيها إلى تحريض سنّة 8 آذار الذين يدورون في فلكها، ولكن فات الممانعة ثلاثة معطيات أساسية:
المعطى الأول أن خروج “الإشتراكي” من الإصطفافات لا يعني خروجه العميق من شعاري “الدولة أولاً” و”لبنان أولاً”، وقد عبّر النائب السابق جنبلاط في أكثر من تصريح عن ضرورة العودة إلى اتفاقية الهدنة بما يتقاطع مع مطالبة “القوات” والمعارضة السيادية بضرورة التطبيق الفعلي للقرار 1701.
المعطى الثاني أن إنعدام الوزن السياسي السنّي لا يعني إطلاقا أن أهل السنّة أصبحوا مع إيران و”حزب الله” والنظام السوري ومحور الممانعة كله، لا بل هناك قناعة ثابتة وراسخة لدى أهل السنّة بأن المشروع الممانع حوّل أربع عواصم عربية إلى أداة بيد نظام الملالي في طهران.
المعطى الثالث أن الفريق الممانع داخل البيئة المسيحية تراجع حضوره بشكل دراماتيكي، ولم يعد قادرًا على تغطية المشروع الممانع، ولا تشكيل حالة موازية للمشروع السيادي.
ما كان يصحّ في حقبة الحرب ومن ثم الاحتلال والوصاية من سياسات تضليل وتشويه وعزل لم يعد يصحّ اليوم لا مسيحيًا ولا إسلاميًا ولا دوليًا للأسباب التالية:
السبب الأول لأن الرأي العام المسيحي تصالح مع دور “القوات” وتاريخها، وأدرك أن ابتعاده عنها كان سببه تراكمات الحرب من جهة، وسياسة التضليل من جهة أخرى، وأدرك أنه بقدر ما ابتعد عن «القوات»، بقدر ما ابتعد المسيحيون عن حلمهم بوطن وطموحهم بدولة تحقِّق المساواة والحرية والاستقرار والازدهار، وأصبح على قناعة تامة بأنه بقدر ما يقترب من “القوات”، بقدر ما يقترب من تحقيق أهدافه بدولة تحاكي تطلعاته وتجسِّد آماله.
السبب الثاني لأن الرأي العام المسلم العريض، الذي يريد لبنان دولة مستقلة وأولويته حياته ورفاهيته، تصالح مع “القوات” ودورها وأيقن أنه تعرّض لحملة غش وتضليل هدفها إبقاء الشرخ والانقسام من أجل مواصلة السيطرة على لبنان، وأيقن أن “القوات” تشكّل رأس حربة المواجهة مع المشروع الذي شكّل ويشكّل خطرًا ليس فقط على لبنان، إنما أيضًا على فلسطين وسوريا والعراق واليمن والمنطقة كلها، وكيف يمكن لهذا الرأي العام المسلم أن يكون ضد “القوات” التي تتصدّر صفوف المواجهة مع المشروع الذي يريد تغيير هوية الدول العربية وإخضاع شعوبها؟
السبب الثالث لأن الرأي العام الدولي أيقن، ولو متأخرًا، أن تسليم لبنان للنظام السوري وعدم تمسكه بتطبيق اتفاق الطائف، الذي دفعت “القوات” وحدها ثمن التمسُّك بتطبيقه، أبقى لبنان بؤرة توتر إقليمية، فيما لو كان صارمًا بتطبيق الدستور منذ العام 1990 لكان قطع الطريق على استخدام لبنان كمنصة ضد السياسات الدولية.
وحدها “القوات اللبنانية” دفعت أثمان تمسكها بالدولة والدستور، والخطأ الذي ارتكبه المجتمع الدولي من خلال سياسة غض النظر عن الانقلاب على اتفاق الطائف، عاد وارتكبه مع الانقلاب على القرار 1701، واليوم بات هناك قناعة دولية بأن سياسة غض النظر فاقمت أزمات المنطقة بدلاً من حسرها وتطويقها، لا بل لو لم توفِّر الغطاء لاستمرار “لبنان الساحة” لكانت حُلّت، ربما، القضية الفلسطينية، لأن محور الممانعة استخدم لبنان لضرب مساعي السلام.
وعلى رغم أن المشروع الإيراني التوسعي يُمسك بمفاصل أربع دول عربية، إلا أن حرب “طوفان الأقصى” أظهرت أن رأس حربة هذا المشروع هو “حزب الله”، فيما تأثير الحوثي والنظام السوري والميليشيات العراقية محدود جدًا، وحتى إيران مكبّلة وعاجزة عن خوض مواجهات عسكرية مباشرة، إن بسبب ظاهر هو الردع الأميركي، وإن بسبب مضمر هو أن حربها التقليدية مع عراق صدام حسين أنهكتها وقررت من بعدها الاعتماد على حروب الأذرع التي تتوسّع من خلالها بعيدًا عن الحروب الكلاسيكية، وهذا يُثبت أن عدم تطبيق الدستور والقرارات الدولية في لبنان يُبقي هذا البلد منصة إيرانية شبه وحيدة ومتقدمة لضرب السياسات الدولية.
فما لا تدركه الممانعة يكمن في حجم التغيير في القناعات اللبنانية لدى الجماعات والرأي العام من جهة، والقناعات الدولية من جهة أخرى:
هناك قناعة مسيحية راسخة بأن ضمان استمراريتهم في هذا البلد يكمن في قيام دولة فعلية، وتشكل “القوات” رأس حربة هذا المشروع.
هناك قناعة إسلامية بعدم جواز استمرار لبنان ساحة، وأن من انقلب على اتفاق الطائف هو الممانعة بكل فروعها، وأن الحل بالتكاتف والتحالف مع الشريك المسيحي الذي يريد دولة ودستور واستقرار وازدهار.
هناك قناعة شعبية تُرجمت في انتفاضتين، 14 آذار و17 تشرين، ومفادها أن لبنان سيبقى دولة فاشلة ما لم يُطبّق الدستور وتُطبّق القوانين.
هناك قناعة دولية بأن التخلّي عن لبنان أساء إلى السياسات الدولية وليس فقط إلى الشعب اللبناني، وأنه حان الوقت لتطبيق القرارات الدولية بما يجعل لبنان ساحة أمان لا بؤرة تفجير إقليمية.
وفي هذا المشهد كله يأتي قداس شهداء المقاومة اللبنانية، وهو قداس، أي هدفه الأول الصلاة على أرواح من سقط شهيدًا دفاعًا عن الإنسان في لبنان، وهدفه الثاني التأكيد للشهداء أن رفاقهم كلهم مشاريع شهداء للقضية نفسها التي سقطوا من أجلها، وهدفه الثالث التأكيد على أنه لولا شهادتهم ومشاريع شهادة رفاقهم لما بقي لبنان بالمعنى المتعارف عليه، وهدفه الرابع وضعهم سنة بعد أخرى في صورة الصراع المستمر، إذ على رغم أهمية التقدُّم خطوات في مسيرة القضية، إلا أن الأهم يكمن في الثبات وعدم الخضوع للخوف والترهيب والابتزاز والمغريات.
يأتي قداس شهداء المقاومة اللبنانية في عنوان “الغدُ لنا”، لأن الغد هو للإنسان الذي يريد العيش بحرية وأمن واستقرار وازدهار، والغد هو لمن لم ولن يتعب من النضال سعيًا إلى وطن يليق بتضحيات الشهداء والمناضلين، أي الوطن الذي لا يشعر فيه المواطن بالخوف على المصير والقلق على الوجود، ولا يتشرّد من منزله وبلده هربًا من حرب قررتها دولة إقليمية، ولا يعيش مذلولاً على قارعة المستشفيات في ظل دولة فاشلة بسبب مشروع ممانع، وكرامته لا تتأمن بالخطابات ورفع الإصبع، إنما تتأمن بوجود دولة فعلية تؤمِّن حقوقه بالعيش الكريم فلا يضطر إلى التسوّل بحثا عن لقمة خبز يطعم بها أولاده.
يأتي قداس شهداء المقاومة اللبنانية في ظل قناعة تترسّخ وتتوسّع بأنه لولا شهادة من يُقام القداس لأجلهم لكان لبنان محافظة لإحدى دول الممانعة التي تعيش شعوبها في الظلمة والقهر والعذاب والفقر والموت البطيء، ويأتي هذا القداس أيضًا في ظل قناعة تترسّخ وتتوسّع بأن القيادة التي تقيم القداس على أرواح هؤلاء الشهداء يكبر رهان اللبنانيين، جميع اللبنانيين، عليها من أجل لبنان الغد.
شارل جبور ـ رئيس جهاز الإعلام والتواصل في “القوات اللبنانية”
كتب شارل جبور في “المسيرة” ـ العدد 1756
الرهان على عزل القوات ساقط داخليًا ودوليًا
شهداؤنا… من أجل لبنان الغد!
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
