#adsense

الغد لنا

حجم الخط

الغد لنا ـ معراب 2024

اختلفت المقاربات حول مستقبل الانسان. فمنهم مَن يربط ذلك بالقوى الغيبيّة، سواء أكانت إلهية أم لاأدْريّة. ومنهم من يربط الغد بالقوى الماديّة الرأسماليّة، حيث يعتبر هؤلاء أنّ مصير الكون متعلّق بمدى ثرواتهم، وبكيفيّة تحريكها في الوسط الإنساني. ومنهم مَن يعتبر أنّ الغد نصنعه اليوم بناء على ما ورثناه من تجارب الآباء والأجداد.

ولا ننكر لأحد نظرته. لكن نرفض أن يتنكّر أحد لنظرتنا، ولاسيّما أن تصل وقاحة بعضهم إلى حدّ التخوين، وهدر الدّماء لمجرّد الاختلاف بالرّأي. نحن حتمًا من الذين يصنعون غدهم بأيديهم. ولا نقبل من أحد أن يصنع لنا مستقبلا لا يشبه تاريخنا ولا تطلّعاتنا إلى المستقبل. وذلك لأنّ المستقبل الذي نسعى إليه إنّما هو ناتج من استمرار حركة التّاريخ التي لا يمكن وقفها أو قتلها.

صحيح أن المسار الوجودي يسير بالفعل الإلهي. هذه قناعتنا. وهذا إيماننا. وهذا إيمان رفاقنا الذين ساروا إلى الشهادة قوافل قوافل. لكنّ مسار الوجود على قدر ما هو ثابت وموجّه من قبل رأس المثلّث الوجودي، المكوّن من واجد وموجود ووجود؛ فهو متفاعل مع حركة الموجود، أي الانسان، في هذا الوجود، أي في الكون.

فالشعب الذي لا يريد الحياة، لا يمكن للواجد الذي أوجده، أن يفرض عليه هذه الحياة. وذلك عملًا بمبدأ الحرّيّة التي هي جوهر هذا الوجود. وهذه قناعتنا. ونحن اخترنا الحياة، ولا نؤثر الموت لأنّنا ثالوثيّون، أبناء الحياة والحقّ والقيامة. فطبيعتنا الحياتية – الإيمانيّة تأبى الموت، لأنّها منبثقة من الحياة بحدّ ذاتها.

وتاريخنا النّضالي ضدّ الاضطهاد غير الإنساني ضدّ أيّ إنسان في هذا الكون وحده الذي يشهد على تطلّعنا المستقبلي. نحن مستقبَليّون ولسنا ماضويّين. فالتاريخ في ثقافتنا ليس مصدرًا للتمجيد أو لبناء ثقافة الكره تجاه الآخر، بل هو مرآة لصناعة المستقبل. ومدى استمرارنا في هذا الشرق وفي لبنان بذاته مرتبط في نظرتنا إلى هذا الغد الذي نطمح إليه. ولكنّ ذلك ليس منفصلًا عن الحاضر الذي نعيشه. لأنّ صناعة المستقبل تبدأ من اللحظة التي يولد فيها الانسان. والأوطان لا تصنع بالأوهام أو بالأحلام أو بالتمنيات بل بالتخطيط والتضحيات والجسور.

ولكن قبل ذلك كلّه، ما ننجح بالحفاظ على إرثنا التّاريخي، أو قل ذاكرتنا الجماعيّة، أي هذه الذاكرة الكيانيّة التي ترتبط بتكويننا الكيانيّ؛ فإنّنا حتمًا إلى زوال. فمن ينسى تاريخه، ويبيع دماء آبائه وأجداده، وعرقهم وتعبهم فهو حتمًا سائر وصائر إلى زوال. ولنا في واقع انهيار بعض التيارات السياسيّة الذي نشهده اليوم خير دليل على صحّة هذه الفرضيّة. فهؤلاء اتقنوا فلسفة الزّوال التي تبدأ بالنكران ولا تنتهي بالثلاثين من فضّة.

أمّا نحن فقوم نقدّر تضحيات الذين سبقونا. إيماننا بحاضرنا منبثق من تاريخنا التعليمي – التعلّمي الفاعل وليس التباهي – التمجيدي الجامد. وهذا ما يؤمّن لنا رؤيا إلى المستقبل، ووحدها توضح رؤية الحاضر الذي نعيشه، بهدف أن نبقى ونستمرّ في المستقبل، وليس أن نصبح من الذين يسيرون أو يصيرون إلى الزّوال.

الغد لنا، وبالطبع عندما نقول “لنا” لا نعني لنا كفئة سياسيّة، أو كطائفة معيّنة، أو حزب، أو جماعة؛ بل يعني أنّ هذا الغد سيكون للذين يحملون هذا النهج الفكري، وهذه الفلسفة الحياتيّة في جيناتهم الحضاريّة – التكوينيّة؛ مهما كانت انتماءاتهم الاثنيّة أو الدينيّة أو المجتمعيّة أو السياسيّة أو الحزبيّة أو حتّى العقائديّة. فهؤلاء هم بالفطرة الكيانيّة كيانيّون أصيلون. لبنانيّتهم تتفوّق على أيّ انتماء آخر.

غدنا لا يتصل ولا ينفصل ولا يتفوق ولا يتصاغر.‏ أمّا غدهم فكَذِب يحتجب وراء نقاب من الذكاء وذلك للانفصال آنًا عن سوريا أو إيران والاتّصال بهما آونة، ثم يحتال على طرفيه ليكون بين معقودٍ ومحلول ومرهون لأفكار بعيدة كلّ البعد من لبنانيّتنا الأصيلة.

ربّان سفينة غدهم التردُّد، وأما ميناؤها فكهف تسكنه الغيلان. سفينتهم تصارع الأمواج وهي بدون دفة ولا شراع. لذلك لن يستقبلها أيّ ميناء وحتّى لو عائم بناه الاستكبار والامبرياليّة والاستعمار الجديد. بلغاء هم أمام بعضهم بعض. لكنّهم خرسان متى دقّت ساعة الحقيقة. وها هي ساعة الحقيقة تدقّ اليوم كما دقّت في الماضي القريب. ولن نسمح لهم هذه المرّة بإسكاتها حقنًا للدّماء أو خوفًا على عيش مشترك وهميّ.

ما نريده في غدنا هو العيش معًا، ولكن كما يرتضيه الأحرار، لا كما يذعن له العبيد. ولقد طرح جبران خليل جبران إشكاليّة الاختلاف في الوجود منذ نيّف ومئة عام فسأل:

–   هل بينهم من يتجرَّأ أن يقول: “إذا ما متُّ تركتُ وطني أفضل قليلًا ممَّا وجدتُهُ عندما وُلدت”؟

–   هل بينهم من يتجرَّأ أن يقول: “لقد كانت حياتي قطرة من الدم في عروق لبنان، أو دمعة بين أجفانه، أو ابتسامة على ثغره؟”

لا يحملون جرأة هذا الطرح لأنّهم لا يعملون للبنان ولغد لبنان بل إنّهم يعملون لأنفسهم ولغد مشاريعهم الساقطة حتمًا. وإذا كان هؤلاء يظنّون أنّ الزمن يحفظ في ذاكرته مظاهر الخداع والمُداهنة والتدليس فهم حتمًا مخطئون وزائلون. لأنّ الأثير لا يختزن في جيوبه أشباح الموت وأنفاس القبور. والحياة لا تستر جسدها العاري بالخرق البالية. لأنّها جديدة ناصعة البياض. ولن نقبل بأن نجعل من رقعة من قطعة جديدة على ثوب عتيق، كي لا يأخذ الملء من الثوب، فيصير الخرق أردأ.

الغد لنا. نعم لنا نحن الفلاّحون والكرّامون والبنّاؤون والفخَّارون والحائكون وصانعو الأجراس والنواقيس، والشعراء، والذين يعيشون في “القلايات” الرابضة في عمق صخور الجبال والوديان، يقاومون من لبنان ولأجل لبنان فقط.

الغد لنا لأنّنا السُّرُج التي لا تطفيها الأرياح، والملح الذي لا تفسده الدهور.‏ نسير بأقدامٍ ثابتة نحو الحقيقة والجمال والكمال.‏ نحن الذين تحدّث عنّا التّاريخ بقلم جبران خليل جبران ابن بشرّي الأبيّة وذلك الوادي القاديشيّ التاريخ والتأريخ الذين لن تمحوه الانتصارات الإلهيّة الوهميّة والواهية كالفقاقيع الفارغة.

نحن مقتنعون بأنّ الغد لنا. لا بل مؤمنون بذلك وفي اقتناعنا هذا عذوبة وسكينة وطمأنينة وسلام ناضح من آلاف الأرواح الذين يزهو بهم كلّ أيلول فيتجدّد عبق بخور أرز الرّبّ ويفوح من جديد فوق ذلك الوادي السّحيق، ليذكّر ناكري التّاريخ، وقابضي الثلاثين من فضّة بأنّنا هنا كنّا وهنا سنبقى وقوّات الجحيم لن تقوى علينا. هل علمتم لماذا الغد لنا؟

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل