.jpg)
أكثر من صدفة أن يلتقي يوم ذكرى رحيل الأب ميشال حايك بقداس شهداء “المقاومة اللبنانية”، فالعنوانان مترابطان إلى حد كبير، وتجمعهما قضية واحدة: لبنان مساحة حرية ولقاء، أي وطن تعدّدي!
لذلك أرادت الدائرة الثقافية في جهاز الإعلام والتواصل في “القوات اللبنانية” القاء الضوء على الأب حايك وفكره المتوقّد الذي يُصلح لكل الأزمنة. وُلِدَ حايك في بلدة بِجِّة قضاء جبيل سنة 1928. تلقّى دروسه الإبتدائيّة والثانويّة في مدرسة دير سيّدة ميفوق ثمّ في معهد الرُّسُل-جونيه، ثم حصَّل دروسه الجامعيّة في جامعة القدِّيس يوسف-بيروت، وبعدها انتقل إلى فرنسا لتحصل المزيد من العلوم في المعهد الكاثوليكيّ-باريس. سُيّم كاهنًا في 17 أيّار 1954، في كنيسة مار يوسف للأباء الكرمليّين-باريس. نال الدكتوراه هناك في اللاهوت والليتورجية والآداب والعلوم الإجتماعيّة-السياسيّة، وسرعان ما بدأ مسيرته في التعليم في المعهد الكاثوليكي – باريس. ثمّ في الجامعة اللبنانيَّة وفي جامعة الروح القدس-الكسليك. شارك في المجمع الفاتيكانيّ الثاني (1961-1965) بصفة مستشار لاهوتيّ، وعُرِفَ بعظاته النوعيّة في كاتدرائية القديس جرجس المارونيّة في بيروت، إبّان الصوم الكبير بين عامي 1965 و2004. أما وفاته فكانت في أيلول 2005. أتقن العديد من اللغات، وترك مجموعة من الكتب والمقالات والدراسات والأبحاث والأشعار في التاريخ والفلسفة واللاهوت والليتورجية والأدب والشّعر والأنتروبولوجيا وغيرها.
كان حايك كاهنًا موسوعيًا، شاعرًا، باحثًا، واعظًا متعدد المشارب الفكرية والثقافيّة، اشتهر بمواهبه الوعظيّة، فكان الناس يتجمّعون من جميع الأقطار لسماع عظاته حيث كان يؤمّ الكنيسة عديد المؤمنين لسماعه، وكانت كتاباته تُشير الى مدى تطلّعه لتصديع بعض البنى الاجتماعيّة التي ليس لها ارتكاز فكري وإعادة بنائها على أسس إيمانيّة ذات أبعاد روحانيّة ودعوته إلى إصلاح الإنسان الفرد من أجل إصلاح المجتمع.
حمل مشعل النور التوجيهي داعيًا الناس الى إثبات وجودهم الإنساني بالخروج من ذاتهم المزيّفة ليقفوا بها أمام مرآة أنفسهم، وكان على يقين حتميّ بأنّ الإنسان، إذا تجرّد عن كلّ زيفه الحضاريّ والأخلاقيّ والإنسانيّ، سيحقّق وجود ذاته الإنساني في مستواها الأعلى.
لكن هذا ليس كل شيء، فحايك كان الثائر والمتمرّد الأبديّ، ورؤيته للبنان تبدو منسجمة مع فكر “القوات اللبنانية”، بل يعبّر عن كل القيم والأحلام التي استشهد من أجلها شهداء “المقاومة اللبنانية”، إذ يقول أن الوطن لا يُقاس بالأمتار، لأنه قبل كلّ شيء مساحة حرية وروح.
ولا يُنسى كلام الأب حايك عن الموارنة إذ باح بأجمل وصف: “قدر الموارنة وخيارهم أن يموتوا واقفين دفاعًا عن حريتهم وأرضهم”. متساءلًا: “المارونية: عقدة أم قضية؟”، وأجاب بنفسه: “المارونية ثورة وحريّة”. هو رسم خارطة طريق لمن يسعى لفهم الموارنة. وهو أيضًا مفاتيح مضيئة للموارنة بالذات، علّ كلامه يذكّر المتخاذلين بأن قضيتهم، لا بل وجدانهم التاريخي، في لحظات تاريخهم الحاسمة هذه، لن يجدوه في دروب مشاريع خارج نهائية الكيان اللبناني، بل في العودة إلى الينابيع التي منها تشرّب آباؤهم. فيدركوا حينها إلى أي مدى ضربت جذورهم في أعماق تربة هذا الشرق وتاريخه… فيحدّدون بالتالي أين يسكبون ماء حياتهم فلا يذهب هدرًا!
أمثال الأب ميشال حايك لا يموتون، إنما يبقون أحياء في كلماتهم وفكرهم وبصيرتهم ورؤيتهم المنوّرة للأجيال الآتية!
