صحيفة النهار – علي حمادة
من اللافت للمراقبين ان حدة المواجهات بين “الحزب” وإسرائيل، تراجعت مباشرة بعد انتقام الأول من الثانية لاغتيال قائده العسكري فؤاد شكر في قلب الضاحية الجنوبية من بيروت. فالرد الذي وجهه الحزب المذكور يوم ٢٥ آب الفائت بأكثر من ٣٤٠ صاروخا وعدد من المسيرات التي زعم انها اصابت هدفين عسكريين مهمين في إسرائيل، احدهما يقع في ضواحي تل ابيب، طوى صفحة خطر اندلاع حرب واسعة بين الطرفين اقله في الوقت الحالي. تزامن هذا التطور المبرمج بينهما، وفوقهما الولايات المتحدة ضامنة اسرائيل وايران ضامنة “الحزب” مع التجديد السلس لولاية قوات الطوارئ الدولية “اليونيفيل” في ٣١ آب.
وفي الوقت عينه تراجعت دقة الاستهدافات الإسرائيلية لمقاتلي وقادة الحزب الميدانيين الى حد كبير. وما من سبب منطقي يفسر هذا التطور سوى ان “تفاهمات” حصلت بين واشنطن وطهران أدت الى طي صفحة تداعيات اغتيال فؤاد شكر في لبنان وإسماعيل هنية في طهران. فالرد الإيراني تأجل بعدما تراجع الحديث عنه إلا فيما ندر. وبات من التهديد بالانتقام في اسفل سلم التصريحات والأولويات. في المقابل تقدم الحديث عن عودة طهران بأمر من المرشد علي خامنئي لحكومة الرئيس الجديد #مسعود بزشكيان الى طاولة التفاوض حول برنامجها النووي. كمان ان الرئيس الجديد نقل بمواقفه وتصريحاته واطلالاته المتلفزة الاهتمام الى الشأن الاقتصادي الداخلي، وقضية الانفتاح السياسي على الغرب بشكل عام، وذلك عبر كلام صريح تحدث فيه عن ان ايران تحتاج الى ١٠٠ مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية لتحقيق النمو المرجو للاقتصاد الإيراني. وقوله أيضا ان ايران في حاجة للتواصل مع العالم وجذب الاستثمارات.
وهذا الموقف الصريح معناه من الناحية العملية ان طهران مستعدة لتخفيف التوتر والتصعيد بشكل تدريجي توازيا مع حفاظها على “ماء الوجه” اكان على مستوى مشروع ازالة إسرائيل من الوجود، او على مستوى تفعيل ماكينة “وحدة الساحات” في البلدان العربية التي تخضع نوعا ما لهيمنتها عبر ميليشياتها المذهبية المعروفة. في لبنان لم يعد خطاب “الحزب” الجدي يشير الى “الانتصارات”، وما عاد حتى يتحدث عن توازن القوة مع إسرائيل. وكل خطب القادة الكبار في الحزب المذكور تخلت تباعا عن العديد من الشعارات لكي يستقر الامر عند هدف واحد ألا وهو منع إسرائيل من الانتصار في غزة عبر حرب اسناد “محدودة وعاقلة”. ومن هنا اتى الرد على اغتيال قائد الحزب العسكري مدروسا للغاية بحيث تجنب استهداف المدنيين، او البنى التحتية الاستراتيجية، او حتى المدن الكبرى.
وانحصر زرع الأوهام في عقول الجمهور الخاص بأصوات يديرها اعلام “الحزب” من دون ان يتحمل مسؤولية ما يقال. وقد اتى خفض التصعيد المتوازي بين الطرفين ليؤكد ان ثمة نصف هدنة بينهما، يستمر بموجبها “الحزب” بما يزعمه من إدارة حرب اسناد ومشاغلة من دون ان يخرج عن قواعد سابقة للاشتباك كانت سائدة في قبل نهاية العام الماضي. وهذا ما قد يكون منح إسرائيل فرصة الانتقال التدريجي من التركيز على حرب غزة الى التركيز على اقتحامات الضفة الغربية التي تعتبر مبدئيا الخاصرة الرخوة لإسرائيل. حتى ان معلومات نشرتها وسائل إعلامية إسرائيلية اشارت الى ان الجيش الإسرائيلي نقل بعض وحداته من الجبهة الشمالية مع لبنان الى الضفة الغربية.
يعرف “الحزب” ان ثمن تنفيذ تهديداته كبير جدا. ومع اغتيال قائده العسكري في قلب الضاحية الجنوبية وبالتحديد في الربع الأمني الضيق فيها خسر الحرب الميدانية. وفي النهاية يعود “الحزب” ليكون ورقة يستخدمها الراعي الإيراني في مفاوضاته لتحرير أموال وأصول محتجزة من جهة ولتسهيل انتخاب مرشحة الحزب الديموقراطي كاملا هاريس. استنتاجا لا مكان لهوامش حركة فعلية مع ايران. انه فصيل اصيل!