.jpg)
مع تصاعد مستوى المواجهات العسكرية على الجبهة اللبنانية الجنوبية، تكشَّف زور شعارات محور المُمانعة، الذى بنى أمجاده وبطولاته على مبدأ التهويل بالقدرات الردعية ضد الجيش الإسرائيلي والادّعاءات بتحقيق توازن الرعب مع العدو المفترض، فظهر بشكل واضح ما كان معروفاً لدى المراقبين والخبراء، بأن التفاوت التقني العسكري بين محور المُمانعة الاستعراضي وبين الجيش الإسرائيلي المُدعّم بقوة الجيش الأميركي، كبير جداً. وللعلم المُسبق لقيادة محور المُمانعة بهذا الواقع، ولإدراكها بأن الخداع الذي مارسته على مدى عقود من الزمن بهدف الحفاظ على شرعية “القضية”، انتهت مفاعيله مع قيام حركة ح بعملية غلاف غزّة التي أوقعتها في حيرة كبيرة حول كيفية مواجهة الإحراج، للحفاظ أولاً على ماء الوجه أمام القواعد والأتباع، وثانياً، لتجنّب تسديد الضربات التدميرية القاسية الأكيدة من القوة العسكرية الإسرائيلية المُستنفرة، فأرسلت رسائل عديدة للمعنيين الدوليين، بجهوزيتها التامة للوصول إلى تسوية تُعيد الأوضاع إلى ما قبل عملية حركة ح
وهكذا، فقد اختار محور المُمانعة الطريق الأسلم له، على حساب الشعبين الفلسطيني الغزّاوي واللبناني بأكمله. فمن جهة، تخلى عن الشعب المِعذّب في غزّة، مُتمسّكاً بوحدة الساحات مع حركة ح، ومُعلناً انتصارها كونها لا تزال على قيد الحياة، بالرغم من الموت الذي حلّ على أهل غزّة، ومن جهة أخرى أدخل الشعب اللبناني في حربٍ استنزافية، أدّت إلى ما أدّت إليه من تضحية بمصالحه لأجل حماية النظام الإيراني، ومنعاً لامتداد الضربات التدميرية إلى أراضيه ومواقعه العسكرية الاستراتيجية في إيران. وبالتوازي مع هذا المسار، أطلق هذا المحور العنان لآلته الإعلامية المُبدِعة في تركيب الأكاذيب وبثّ الأخبار الخاطئة حول المعارضين في لبنان، فتحوّل من “محور مُقاوم” إلى “محور فتن”.
السلاح المُتبقّي الوحيد بيد محور الممانعة، هو سلاح إثارة الفتن المتنقلة في البيئات اللبنانية، لإضعاف الجبهة الداخلية السياسية وإعدام إمكانياتها للمحاسبة والمساءلة. ففقط الوضعية الفوضوية هي التي تؤمّن المهرب لمحور المُمانعة – الفرع اللبناني لعدم الوقوف أمام محكمة الشعب اللبناني الوطنية، وها هو المحور يدفع مُجدّداً إلى الواجهة بملفات مطلبية، مُحقّة بالأساس، لكنه يستخدمها للتمويه عن القضية الأساسية المتمثّلة بعواقب مصادرته للسلطات الرسمية واستغلاله للقدرات اللبنانية، ومحاولته المكشوفة للتمويه عن الخطايا التي ارتكبها بحق الشعوب الواقعة تحت نير سلطانه، بتركيز إعلامه على الوضع السياسي غير المُستقر في الداخل الإسرائيلي، في محاولة تمثّل قمة الدجل والوقاحة.
إن انفضاح الأكاذيب الخفيفة والمُبتذلة لآلة المحور الإعلامية وضعف حججها واستمرارها بالتمسّك بلغةٍ خشبية، خارجة من الخدمة عالمياً، يُحوّل ما يُسمّى، خطأً، بمحور المُقاومة إلى محورٍ لبثّ الفتن التي لا تنتهي، إلا بانتهائه وسقوط مشروعه. إن الفتن التي يرميها بين الفئات اللبنانية، لن تجد أرضيّة صالحة، إلا بتلهّي بعض الفئات “المُغفّلة” والضائعة بين الأدوار، والمخدوعة بالوسطية التي اختارتها لنفسها، بقضايا جانبية لا تؤتي إنقاذاً بل خراباً متبادلاً. فبالرغم من أهمية القضايا الاجتماعية المطلبية والخدماتية والحياتية، إن الأمراض لا تُعالج إلا من مصدرها وبأسبابها، وليس بعوارضها.
أكبر مثال على ذلك، عندما تشتَّتت القوى الوطنية السيادية والمدنية بعد انفجار ثورة 2019، فذهب أركان منها إلى الشموليّة في الاتهامات، وإلى إدخال نفسه في الأجندات السياسية والأحلام الترشيحية، فسقطت في أهدافها ولم تنل إلا بعض المآرب الشخصية، وضاع الهدف الأساسي الذي من أجله انتفض الشعب والمُتمثّل بالتخلّص من السلطة الحاكمة، أي من السلطة المدعومة من قبل محور المُمانعة.
هذا الأداء القصير النظر، سمح لمحور الممانعة بالنجاح في تفخيخ المنتفضين وإثارة الفتن في ما بين بعضهم البعض، فسقطت الثورة. ولم تكن هذه المرّة الأولى التي ينجح فيها هذا المحور بإفشال انتفاضات الأكثريات الشعبية في مشروع محاسبتها له وتحريرها السلطة منه، فثورة الارز الرائعة سقطت بحسابات بعض الأطراف السياسية التي حملت رايتها، لكنها لم تُركّز اهتماماتها على السبب الأساسي التي اندلعت لأجله ثورة الناس، فدخلت في الحسابات الجانبية، وتفرّق الأحباب، ونجح المحور بإثارة الفتن، فسقطت الثورة.
يخدم النظام الإيراني أذرعه العسكرية المنتشرة في المجتمعات العربية، وتخدمه هي بدورها بمصادرة القرارات الرسمية للشعوب الواقعة تحت سلطاتها. بالتالي، ما على هذه الشعوب إلا التوحّد داخلياً، والتعاون في ما بين أطرافها المتخاصمة والمتنافسة، لإزالة سيطرة محور المُمانعة، فسحاً بالمجال للخروج من الأزمات الأخرى. فإن لم تتأمَّن هذه الوحدة ضد محور الفتن، لن تتمكّن من القيام بالإصلاحات الضرورية على أنظمتها، لتنضم مع الوقت إلى المسار الطبيعي للشعوب.
بالنهاية، المسلك الوحيد الذي يؤمن به محور المُمانعة، هو منهجية الفتن، بدل مواجهة الحقائق. فكونه خسِرَ تأثير حججه الغوغائية، وكونه يفتقد أصلاً للفكر التشاركي مع الآخرين، وتتعارض ايديولوجيته مع منطق الاعتراف بالآخر والتعاون معه، وكونه أفقد البلاد مقدّراتها وعزلها عن العالم المُنتج والمُفيد وهرّب رساميلها، فهو محور ضعيف للغاية، وملاذه فقط الفتن.
المسألة المطروحة اليوم على الكتل النيابية وعلى الأحزاب السياسية كافةً، هل نقاوم فتن المحور لنُحرّر أنفسنا، أو نسقط فيها، ونُنقذه؟. المسؤولية الملقاة على عاتق الجميع، إنقاذ الشعب اللبناني من محور الذلّ والتخلّف، ومن لا يتضامن مع مشروع المواجهة مع محور الفتن، فإنه يخدم الفتن.