
بالكلمة قاومت. بالكلمة إياها الواضحة القوية قالت كلمتها المدوية وأعلنت ثورتها على الأعداء. حملت بندقية الموقف وكانت الحقيقة متراسها الوحيد، وبسبب تلك الكلمة بالذات، تعرّضت لمحاولة اغتيال متوحشة، ووحدها شفاعة مار شربل أنقذتها من الموت المحتّم، ولاحقاً أنقذت روحها من اليأس والوجع، حتى تحوّلت تلك المرأة الى رمز للصمود والشجاعة.
مي شدياق كيف الصمود من صوبِك يا مناضلة؟ وتجيب بضحكتها المعهودة: “أنا مناضلة على طريقتي”.
“مناضلة بالكلمة منذ بداية المسيرة، بدأت مهنتي بعمر الـ17 عاما وأنا من مدرسة بشير الجميل. عشت مآسي الحرب منذ بدايتها، أي من زمن القناص الذي كان يستهدف الناس على الطرقات، وكنت أسكن منطقة الجميزة التي كانت تُعتبر خط تماس، عايشت حرب الأسواق وحرب الـ73. يومها كنا صغارًا لكننا عشنا كل تلك التفاصيل التي انطبعت فينا. كل هذا خلق فيّ نواة المناضلة. أذكر الكثير من تفاصيل تلك الأيام، لكن أهمّها وجوه الشباب الذين كانوا يدافعون عن بلادهم وعن مناطقنا من أجل الصمود وحماية الوجود المسيحي، كانوا شبانا يافعين ولكن أقوياء أبطال، تركوا كل شيء والتحقوا بالمقاومة اللبنانية لأجل الدفاع عن لبنان حر، ولا أنساهم”.
هل هذا ما جعلكِ تتوجّهين للنضال عبر الكلمة؟
وتجيب مي: “صحيح، كل هذا دفعني لدخول معترك الإعلام. عشنا في بيتنا جو الكتائب ثم القوات اللبنانية وكنا جميعًا فتيات مع أمي وأبي. كل تلك المشهديات غرزت فينا غريزة الدفاع عن لبنان والوجود الحر فيه، ومن هنا انطلقت بذور النضال فينا”.
لا أوثِق هنا المسيرة المهنية لتلك المرأة القوية، غوغل تقوم بالواجب كاملاً، وحكاياتها المهنية والوزارية المشرِّفة تتصدّر كل مواقع المعلومات التوثيقية، إنما أكتب هنا عن امراة تحوّلت بين ليلة وضحاها الى رمز الصمود، وهذا أمر نادر حصوله في الأوطان المشرقية، لبنان المشرقي الجميل الصغير المساحة، كبير كبير بمناضليه وثواره ومبدعيه. مي شدياق سيدة من بين هؤلاء المناضلين والمناضلات، نكتب عنها بروح المقاومة، روح الشجاعة الملهمة والتي حوّلت تلك السيدة الى واحدة من أبرز رموزها بين سيدات المقاومة.
“بدأت مسيرتي من الإذاعة ثم وصلت الى التلفزيون، عشنا أجواء المقاومة بكل أبعادها في منطقة كانت تنتشر فيها صور الشهداء على الحيطان، ومعهم تلك العبارة “ماتوا ليحيا لبنان”، وكل يوم كنا نرى صورًا جديدة، كان المشهد قاسيًا وأخبار الاستشهاد تتوالى من الجبهات كافة، كل ذلك عزز فيّ تلك الثورة، عرفت أني لن أكون سوى مناضلة في محراب الكلمة لأجل الحرية ولأجل وجودنا الحر ولأجل هذا الوطن الصغير بس كبير بوسع هالدني”.
“عشنا مراحل صعبة جدًا، وخصوصًا بعد اعتقال رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، صمدنا ولم نسكت. في التلفزيون انتدبوا أحدهم لإسكاتي ولم أفعل، لم أتمكّن، ثمة شيء فينا يدفعنا للمواجهة، هيدي قضية قناعة لا مكاسب فيها”.
عام 2003 كانت مي شدياق من أبرز الإعلاميات في تلفزيون الـ Lbc، عُرض عليها العمل في تلفزيون “العربية” مقابل بدل مالي مغرٍ جدًا. وتروي: “سافرتُ لإجراء المقابلة، لكن وعلى رغم العرض المغري رفضت وتحججت بحجج سخيفة وعدت فورًا الى لبنان، هذا دليل أن ثمة قضية مقدسة غالية جدًا تسكنني وأدافع عنها بكل قوة، لم يلزمني أحد بها، إنما هي من صلب قناعاتي”.
كان الاحتلال السوري يطبق أنفاسه على لبنان ويطارد المقاومين، اعتُقل الحكيم، واضطُهد الشباب، فجاء لقاء قرنة شهوان وبيان المطارنة الموارنة الشهير “كنا نصنع الثورة على طريقتنا، دعمنا لقاء قرنة شهوان، وهللنا لبيان المطارنة الموارنة، كانت قضية حياة أو موت الإنسان المقاوم فينا، كانت مقاومة حقيقية لمواجهة الإحتلال السوري وأنا كنت إعلام مقاومة، هذا كان خياري”.
26 أيلول 2005 محطة فاصلة في حياة المرأة المناضلة والكلمة الحرّة. كيف تروي مي تلك اللحظات؟
“بقول يا ريت مار شربل أكمل أعجوبته معي وأنقذني، لكن الرب شاء أن أحمل صليبي، خضعت لعمليات صعبة ومتكررة، عانيت من أوجاع لا تقارَب، خسرت يدي وقدمي عدا عن الجروح التي اجتاحت جسمي، ولكني قررت أن أكمل مسيرتي، تحوّلت حياتي الى تحد للحياة نفسها، صرت رمزًا وكانت مسؤوليتي أن أكمل مسيرتي وأن أتحداهم بأنهم ما تمكنوا من النيل مني، خلقت من الضعف قوة، وقررت ألا تكون إصابتي عائقاً في طريقي النضالي. صار مجهودي مضاعفاً. أكملت الدكتوراه وأنشأت مؤسستي الإعلامية، فأستعملوها ضدي للتنمر علي والسخرية من يدي وقدمي، وأطلقوا عليّ ألقابًا سيئة مثل مدام بلاستيك وقطع غيار وما شابه من تفاهات حاقدة، كانت محاولة اغتيال ثانية إنما معنوية وسياسية وخصوصًا أني امراة. حاولت الحفاظ على شكلي الخارجي، كي لا أدعهم يحطمون كبريائي، وفي الوقت نفسه بقيت على معركتي الأساسية وهي النضال مع المقاومين الأحرار في لبنان، لأجل تحرير بلدنا من الاحتلال. كانت معركة قاسية ولكن أعتبر أني نجحت فيها وتجاوزت كل تلك المطبات. 48 عملية جراحية ومن بعدها أصابني المرض ثم تعرضت لحادثة المدخل في باريس، وعبرت بالكثير الكثير من المصاعب والمطبات القاسية، لكن لم أدع ذلك يغلبني مقابل إرادة حب الحياة. لو لم أكن رمزًا من رموز النضال لما حاولوا اغتيالي، علما بأن علاقاتي بجميع الأطراف كانت جيدة انطلاقًا من مهنتي، ولكن كنت أفعل ما أريد وعن قناعة تامة وليس مجرد عناد. أنا المرأة الوحيدة التي استُهدفت بالاغتيالات لأنهم ما تحمّلوا جرأتي، كانوا يستهدفون الجميع ويظنون أن المسيحيين لن يردوا ولن يقاوموا، ولكنهم قاوموا ولا يزالون”، تقول تلك المرأة الحديدية، التي حوّلت الألم الى رسالة إيمان وصمود وتحدٍ حتى المواجهة. رقصت مي على زجاجها، أدمت قدميها، سالت منها الدماء الغزيرة، الألم دماء، المعاناة دماء، الدموع دماء، وحتى تلك الضحكات المزيفة أحياناً دماء أيضا سالت على وجه الحياة. وقعت يدها وقدمها، فحملتهم باليد الأخرى وأعلنت على الحياة النضال المشرِّف، هؤلاء هنَّ نساؤنا، بطلاتنا، مقاوماتنا.
أين مي شدياق الآن من السياسة؟
“في السياسة ما رح يقدروا يسكتونا سنصمد وسنصعد من ركامنا. الآن يحاولون تغيير الديمغرافيا والكيان ككل، كما تفعل إسرائيل بفلسطين، استغلوا كل شيء لإضعافنا وإضعاف الطبقة الوسطى التي هي أساس الاقتصاد في لبنان. يريدون تغيير التركيبة اللبنانية وحاولوا استغلال وجع الناس بعد تفجير 4 آب، والآن يسعون لوضع اليد على كل لبنان وتغييره بالكامل. نحن نعيش أصعب المراحل على الإطلاق، والمطلوب منا التماسك والتمسك بالمبادئ الأساسية وإلا بيروح منا لبنان. إنهم يتسلّلون بطريقة خطيرة جدًا جدًا كي لا نستوعب ما يحصل، لازم نكون واعيين وخصوصًا جيل الشباب، يجب أن يعوا ما يحصل وأن يصمدوا لأن لبنان ليس مجرد فندق، لبنان وطن وقضية وأرض ونضال ومقاومة، ورح نضل نقول لأ. علينا أن نقاوم، هذه رسالتنا وهذا واجبنا المقدس تجاه بلادنا”، تقول.
تكمل مي شدياق دربها الصعب، هي التي حفرته بالقلم والصوت وكادت أن تصل الى الاستشهاد. ليس جميلا القول إنها “شهيدة حيّة”، هذا لقب غير صحيح، هذه امرأة ليست شهيدة بل سيدة صعدت من ركام الموت لتعلن انتصارها على الحقد والكراهية، وانتصرت، انتصرت لنفسها ولكرامتها ولتلك القضية التي تسكنها مثل الريح الهوجاء. انتصرت مي وانهزم القاتل، وها هي تمضي في الشجاعة. إنها سيدة يليق بنا أن نكتب بعضاً قليلاً من سيرتها، لنكرِّم عبرها نضال تلك المقاومات من بلادنا، فيكبر فينا ذاك القلم المغمّس بجنون الحرية، والذي يدوِّن حكايات نسائنا ورجالنا الشجعان.
كتبت فيرا بومنصف في “المسيرة” ـ العدد 1756
مي شدياق قالت كلمتها ومشت على أوجاعها
يريدون تغيير هويتنا… سنصمد ونقاوم!
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
