.jpg)
ترتفع الصلبان فوق تلال قرانا، هذا تقليد قديم رائع نحافظ عليه منذ زمن القديسة هيلانة الشهيرة، والدة الامبراطور قسطنطين الكبير، حين حضرت الى اورشليم للبحث عن خشبة صليب المسيح، ولما وجدتها رفعتها على جبل الجلجلة وبنت فوقها كنيسة القيامة، وأمرت بإشعال النار من قمة الى أخرى ليصل خبر إيجادها الصليب الى ابنها الامبراطور في القسطنطينية. ومذ ذاك الزمن ونحن نحتفل ونرفع صلباننا عاليًا فوق تلالنا، ونشعل النيران احتفاء بمن ارتفع فوق صليب العار ليحوله الى صليب المجد والقيامة.
14 أيلول! ماذا في التاريخ؟ 14 أيلول لعله هو التاريخ الحديث الذي رسم عذابات لبنان فوق صليبه الكبير. استشهد الشيخ بشير، قتله رعاع إرهابيون ليقتلوا معه لبنان الحلم. نجحوا والله، للأمانة نجحوا بامتياز، لأن مع استشهاده حملنا صلبانًا مسننة بالعذابات، حملنا لبنانًا جريحًا مضرّجًا بالفوضى والاحتلال والمجرمين والفاسدين… ويللا من جديد الى المقاومة والنضال المضني، لاسترجاع لبنان من أنياب الذئاب، قتلة البشير وأعوانهم وحلفائهم.
نتحايل على الذكرى المدمِرة، فنحتفل بالبشير في قداس وصلاة وتناول جسد الرب ونبيذه. نعانق ذكرى البشير بحنين أيلول وشجنه، وذاك الورق الأصفر المتناثر دمعًا شفافًا على شغاف القلب. هذا رجل لا يغيب حضوره الاخاذ، لا تغيب عيناه، والأهم لا يغيب صوته عن ضمير أمة حرة شجاعة مناضلة، حملت صليبها بشجاعة استثنائية، وحوّلت المأساة الى أنشودة مقاومة. هذا رجل لا يغيب عن ضمير مقاوم، لذلك نقول بشير حي فينا. هذا لم يكن يومًا مجرد شعار، بل هي حال يعيشها المناضلون في كفاحهم اليومي لأجل استرجاع لبنان، وتحقيق حلم البشير وحلم كل مناضل حر فوق وجه هذه الأرض.
نعانق أيلول مع عيون البشير، شو اشتقنالك يا باش، نعانق الصليب في عيده، يا قديسة هيلانة أنت بطلة الأزمان الغابرة والآتية. نعانق أيلول الضيعة حين تحتفل بالمناسبة، فتفلش المؤونة فوق سطوح أيلول وتعبق رائحة البركة في كوارة ستي، حيث قمح السنابل وطحين المعجن وبركة مواسم الخير. فوق في الضيعة يحتفلون تحت أقدام الصليب، ويذهب الأهالي الى الليل يعلنون الحياة في سهراتهم القروية المغمسة بتقاليد الضيعة القديمة المتجددة، وتنادي كل القرى الجيران لمشاركتها احتفالاتها التقليدية وعاداتها وتقاليدها الرائعة، لتقول لصليب الرب، إنك لست مجرد خشبة استشهدت فوق عيدانها، بل أنت الحياة بكل مظاهرها، ونحن من قعر الخوف والاحتلال والارهاب، نبتدع الحياة لأجل من ارتفع فوق الصليب، وعود صليبه سيبقى ذخيرة الأرض الى نهاية الدهر.
في عيد الصليب، يتطاير ورق أيلول الأصفر المتحايل على فلول الصيف، ليعلن للطبيعة موتًا مختلفًا، موتًا لأجل الحياة المتجددة في الطبيعة، وليعلن لصليب الرب أن لكل منا صليبه يغرزه فوق أعلى قمة في الانسان، وليس أجمل وأعلا من قمة القلب، حيث ترتفع هامة الحب، وهناك تمامًا ينتصب صليب من مجد، وحكاية موت وقيامة، وأيضًا وطن صغير كبير عظيم، زُرع ذات يوم في عيون البشير، وهو مغروز الآن في عيون آلاف المناضلين، يقاومون ليبقى الصليب فوق تلالنا علامة، ولنحمل الشعلة مع القديسة هيلانة، وننقلها من قمة الى أخرى معلنين على أيلول الحب والحنين والوفاء لمن رحل وبقي حيا فينا، ومعلنين ما هو أكبر بكثير، وهو مجد الصليب.
