لا يختلف اثنان في لبنان على ما يمثّله الرئيس بشير الجميّل من رمزية وقدسية تمسّ صميم المجتمع المسيحي بكافة تلويناته وأطره الحزبية وغير الحزبية، على الرغم من تنوعها واختلافاتها وخلافاتها.
إن بشير الجميل المُجْمَع عليه مسيحيًا والذي يلتقي عليه وعلى شخصيته وأدائه ووطنيتة ومبادئه الكثير من اللبنانيين، إن لم نقل أكثريتهم، التقى بالفعل ذاته إجماع المسيحيين وأكثرية اللبنانيين على استنكار واستغراب وإدانة آخر ما قام به النائب السابق لـ”الحزب” نواف الموسوي عبر “مباركته” لمن تسبب بإزاحة البشير عن أهله وحزبه وقواته وساحته ومجتمعه ولبنانه، مهددًا بسلاحه هذه المرّة، مَن يؤمنون ويعملون ويسيرون بمثل ما آمن وعمل البشير به، وسار على خطى ووطن الـ10452 كلم2، بإعادة الكرّة في حال انتخاب أحد من هذا الخط، إذ قال حرفيًا: “من قال له انه سيصبح رئيسًا وإن وصل فهو لن يعيش، وهذا حصل سابقًا عندما وصل أحد الرؤساء وقام حبيب الشرتوني بواجبه الوطني”.
من أكثرية اللبنانيين الملتقين مع خط بشير و”ضرورة الوفاء” له، نقرأ من برقية التعزية بـ”الرئيس الشاب” التي أرسلها رئيس حركة “امل” رئيس المجلس النيابي الحالي الاستاذ نبيه بري في 15 أيلول 1982، لكل من الشيخ بيار الجميل وأمين الجميل والسيدة صولانج الجميل: “إن اغتيال الرئيس الشاب محاولة لاغتيال وحدة لبنان واستقراره وأمنه واستعادة سيادته. إن الوفاء للفقيد يحتم تفويت الفرصة على العدو وتكاتف الجميع لمواجهة المصير الواحد”.
من الملتقين مع ما قاله الموسوي وما يردده المحور الذي يرأسه حزبه، وكما يخرق الإجماع والأكثرية حول البشير بكلام “نوافه”، هكذا خرق وليّه الإيراني إجماع المنددين المستنكرين في لبنان والعالم للاغتيال في 14 ايلول 1982، إذ نقلت صحيفة “كيهان” عن رئيس الوزراء الإيراني حينها، مير حسين موسوي قوله بعد اجتماع مجلس الوزراء الايراني: “…إن غياب بشير الجميّل يشكل صفعة قوية لنتائج مؤتمر فاس الذي اتجه الى الاعتراف بإسرائيل، كذلك يشكل تحذيرًا لإسرائيل والولايات المتحدة”، واشار الى انه يرى “جذور هذا الحادث في الحركة الداخلية للشعب الإسلامي في لبنان”.
ومن الجو نفسه قال وزير الخارجية الإيراني السيد علي أكبر ولايتي: “إننا نعتبر هذه المسألة فأل خير ونأمل في أن نشهد انتصارات أكبر للشعوب الإسلامية في المنطقة”، ووصف ولايتي الرئيس الشهيد بأنه “كان عميلًا دمية في يد الولايات المتحدة وإسرائيل”.
لطالما اعتمد “الحزب” المنطق والفعل التخوينيين الإلغائيين و”التصفويين” مع “حلفائه المقاومين” قبل “خصومه العملاء الأعداء”، وهو لا يزال. هنا لا بدّ من التركيز على التباهي والإعلان جهارًا على هذا المنطق وذاك الفعل في محطات كثيرة من الإعلان والإعلام في هدر الأرواح والاستهداف المعنوي والجسدي المباشر.
يقول نصر الله في 1 تشرين الأول من العام 1998: “إنّ عالم الشرفاء اليوم يتطلّع الى اللّحظة التي يوضع فيها حدّ لهذه المهزلة والخيانة والسقوط.
ألا يوجد في الشرطة الفلسطينية، من ضباطها وجنودها الذين يريدهم عرفات حراسًا للإسرائيليين… ألا يوجد شخص بينهم يحسّ بالكرامة؟ شريف، يخرج على عرفات كما خرج خالد الإسلامبولي ليقول إن وجود ياسر عرفات على وجه هذه الأرض هو عار في حق فلسطين، وفي حق العروبة، وفي حق الإسلام”؟
تجدر الإشارة الى أن خالد الاسلامبولي هو قيادي من الاخوان المسلمين، أدين في اغتيال الرئيس المصري محمد انور السادات.
وهنا يحاكي نصرالله في تخوين وهدر روح الزعيم ياسر عرفات، الرمز لأكثرية الفلسطينيين والعرب، نواف الموسوي في تخوينه للرئيس بشير الجميل وشماتته باغتياله، وهو الرمز المسيحي الجامع لأكثرية اللبنانيين.
ويقول نصرالله في 2 شباط 2006: “لو قام مسلم ونفذ فتوى الإمام الخميني بالمرتد سلمان رشدي، لما تجرأ هؤلاء السفلة على أن ينالوا من الرسول لا في الدنمرك ولا في النرويج ولا في فرنسا”.
وكان مرشد الثورة الإسلامية في إيران آية الله روح الله الخميني، قد أصدر فتوى عام 1989 دعا فيها المسلمين، الى إزهاق روح الكاتب البريطاني الهندي الأصل لكتابته “آيات شيطانية”، أما في استهدافه وهدر حياة شركائه اللبنانيين من معارضيه، قال نصرالله في 30 آذار 2006: “من يريد أن ينزع سلاح المقاومة!!! قلناها في أكثر من مناسبة، نحن سنقطع يده ونقطع رأسه وننزع روحه، ليقول في 16 حزيران 2020: “لمن يضعنا بين خيار تسليم سلاحنا وقتلنا بالجوع، نقول، سيبقى سلاحنا في أيدينا، ولن نجوع، وسنقتلك”.
لا شك مما رأيناه من تلك العيّنات القليلة من منطق وأدبيات “الحزب” ومحوره، وعايشناه من ممارسات وارتكابات، أن أوجه الشبه ونقاط الالتقاء بينهما وبين بقية اللبنانيين تكاد تكون معدومة، وأن أسباب الفراق والطلاق بين ثقافة الحياة واحترام خصوصية الغير وتاريخه ورموزه وبين ثقافة الموت والتشفي به والتحريض عليه وازدراء التاريخ والرموز والمقدسات، تكاد تكون وللأسف الشديد كبيرة وكثيرة وبارتفاع مطّرد.
.jpg)