.jpg)
مِن “يجب أن نحفظ لبنان، وطن الأديان والانسانية” مع الإمام المغيّب موسى الصدر، إلى “لا نؤمن بوطن اسمه لبنان، ولا نملك مقوّمات حكم في لبنان ومن أهم الوسائل لتحقيق ذلك، تحويل لبنان إلى مجتمع حرب”، مع الأمين العام لـ”الحزب”. هكذا، قبض الأخير على الشيعة، طائفة ونهجًا ومسارًا، وخيّط جسد “الشيعية السياسية” من لحم الدولة والشعب في لبنان، فَقَضَمَ المؤسسات وانتهك الكرامات، وجيّر كلّ المقوّمات ليُمتِّن وضعيّته السياسية والمالية والعسكرية.
وتوازيًا مع اغتياله معارضيه اللدودين ومُحاوريه الودودين، من جهة، واغتياله كلّ ركائز الدولة الموعودة، من جهة ثانية، يُصرّ على تصفية التاريخ اللبناني، لسببين رئيسيّين، أوّلهما، أنّ هذا التاريخ يُناقض فلسفته الوجودية التي تعتبر أنّ دونه، لا تاريخ ولا مجد للبنان، وثانيهما، أنّ هذا التاريخ العظيم يُعرّي كل “الامبراطورية العظمى” التي زرعها “الحزب” في أصقاع بيئته، أوهامًا وانتصارات إلهيّة.
ويُقرأ في التاريخ اللبناني أنّ استهداف الدولة يعني استهداف المسيحيّين، من هنا يواصل “الحزب” ارتكاب اغتيال متواصل للوجود المسيحي في لبنان واستطرادًا للوجود اللبناني الحرّ – على تشعّباته – فيه.
وقد تجنّدت، مؤخّرًا، الشيعية السياسية، التي يقودها “الحزب”، للتصويب – بشكل مباشر أو عبر الأدوات – على الوجود المسيحي، فالدور الماروني داخل لبنان، تارةً باستنباط “لغة الأعداد” بدراسات مفبركة في غرفٍ صفراء، وطورًا بشيطنة تجربة “المارونية السياسية”، وصولًا إلى الغوص بتأسيس الكيان اللبناني و”لبنان الكبير” وإعلان زواله وفق توقيت الضاحية الجنوبية لبيروت، المقترن بتوقيت طهران.
إنّ “المارونية السياسية” كما سُمّيت، وهي بالواقع اللبنانيّة السياسيّة الحقّة، قد صنعت أمجاد لبنان، حضارةً، فرادةً، هويّةً، مدرسةً، جامعةً، طبابةً، ثروةً ذهبيةً، مصرفًا، ثقافةً، فنونًا، انفتاحًا، ازدهارًا، تطوّرًا، قضاءً، عدالةً، قانونًا، دستورًا، جيشًا، مؤسسات ودولة، والأهم من كلّ ذلك، مقاومةً منعت من تحويل الأرض إلى ساحةً بديلة لشعب آخر، أو محافظة ملحقة لنظامٍ مُعادي، أو حتّى تحويل لبنان جزءًا من مشروع توسّعي شمولي يُذوّب التنوّع والتعددية اللبنانية، وقد قدّمت آلاف الشهداء لعدم سقوط الوجود الحرّ وبالتالي عدم إنهاء ميزة هذه البقعة الجغرافية.
إنّ الكلام بلغة الأعداد، وبعيدًا من الغوص بحقيقة الأرقام التي تُبيّنها بشكل واضح لوائح الشطب بما يُناقض كل ترويج ممانِع، إعلامي وحكومي في آن، يؤكّد أنّ النهج المنقلب على دستور الدولة في لبنان، لا تتحمّله “المارونية السياسية” بل تلك الشيعية، وقد شكّل تعليق رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع خلال كلمته عقب قداس شهداء المقاومة اللبنانية، في الأول من شهر أيلول الحالي، المختصر المفيد: “كلّ مَن يتكلّم بلغة الأعداد، يقول علنًا أنّه يريد تغيير الدستور، لأنّ الدستور لا يتكلّم لا بلغة العد ولا الأعداد”.
ومع التصاريح العلنية لأدوات الشيعية السياسية في انتهاك الدستور اللبناني من باب العدد، وفي عودة سريعة لكل المراحل السابقة، أسئلة تُطرح من الواقع اللبناني، تؤكّد أنّ النموذج الذي حمل الفوضى والخراب والموت والانهيار والاضمحلال للبنان هو ذاك الذي حملته هذه السياسة التي فرضها “الحزب” وتوابعه، على هويّة لبنان.
كيف حافظت الشيعية السياسية الإيرانيّة على النموذج اللبناني، وعلى الكيان اللبناني؟
هل بجرّ الحروب والمعارك العبثية بشكل متواصل إلى لبنان، مع كل مخلّفاتها من عدم استقرار وتهجير ودمار وموت؟
هل بتصفية كلّ صوت معارض لـ”الحزب” داخل وخارج البيئة الشيعية، وجعل المناطق اللبنانية ممرًّا للسّلاح الإيراني، واجتياح العاصمة ومحاولة اجتياح الجبل مع كل وسائل الإجرام، من التعدي على حرمات المنازل وحرق وانتهاك الوسائل الاعلامية وترويع وقتل النساء والأطفال، واعتماد لغة “القمصان السود”، مع تمجيد كل هذه الأفعال؟
هل باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وكل قادة الرأي، وتهليل نائب “الحزب” السابق نواف الموسوي منذ أيّام لاغتيال الرئيس الشهيد بشير الجميل والتهديد العلني بقتل كل رئيس جمهورية يُخاصم ما يُسميه زورًا “مقاومة”؟
هل بخطف قرار السلم والحرب من يد الدولة، وانتهاك دور المؤسسة العسكرية، بعد وضع خطوط حمراء بوجهها على أبواب مخيّم نهر البارد، وتهريب عناصر تنظيم د. بباصات مكيّفة منعًا للجيش اللبناني من الانقضاض عليهم، وتصفية النقيب الطيّار الشهيد سامر حنا لأنّه حلّق فوق أرض لبنانية، وشنّ حملات ممنهجة ضد قيادة الجيش الحالية لتقويض تنفيذ أي قرار سيادي بعد محاولة إجهاض التمديد العسكري السيادي في لحظة أمنية قومية استثنائية؟
هل بتحويل الحدود اللبنانية الشرقية مرتعًا لعصابات التهريب على أنواعه، وتشريع الحدود الشمالية والشرقية، غير الشرعية والشرعية، ممرًا لإغراق لبنان بمئات آلاف السوريّين بعد تهجيرهم من بيوتهم، تنفيذًا لمصلحة نظام الأسد ومخطط المشروع الفارسي في تدمير الهوية اللبنانية تسهيلًا لما يتوهّم قدرته على ارتكابه، “الانقضاض الأخير”؟
هل بضرب كل النّظم المؤسساتية عبر ابتداع نظام مصرفي بديل، والقفز فوق القوانين عبر التهرّب الجمركي والضريبي، وحماية المطلوبين من قبل القضاء اللبناني، وانتهاك المرافق البرية والبحرية والجوية، وجعلها ممرًّا للسّلاح والمخدرات، مع عزل لبنان عن كل الخارج، وحماية الفساد واحتراف صناعته على مدى عقود، وبناء الثروات على حساب اللبنانيّين ومعظم أبناء الطائفة الشيعية ضمنًا، وتصدير العمالة المزدوجة لصالح طهران وتل أبيب؟
هل بانتهاك وثيقة الوفاق الوطني – اتفاق الطائف، مع رفض تطبيق بند حصر السلاح بيد الشرعية اللبنانية، والابقاء على تنظيم مسلّح غير شرعي يُقوّض وجه وهيبة ودور وفعاليّة الدولة؟
إنّ اللبنانية السياسية المُسمّاة “مارونيّة سياسيّة” طبعت لبنان بوجهه الحضاري الذي وُجِدَ لأجله، بينما أغرقت الشيعية السياسية، أحد منتجات مشروع “الحزب”، لبنان بمستنقع العزلة والموت، بعد أن ثبّتت دعائمها بضرب دستور الدولة وكل ما أجمع عليه الشعب اللبناني في ميثاقهم.
إنّ “المارونية السياسية”، أي إرادة اللبنانيّين بالحياة، لم تمت، ولن تموت، وهي تُقاوم وغدها المُشرق سيعود، أمّا “الدفن السياسي”، الذي تُلوّح به أبواق الممانعة، فلن يكون إلّا للمشروع القاتم، الذي سينتهي كما انتهى كل أشباهه من قبله، وما عويل إفرازات الشيعية السياسية، سوى الدليل الساطع، أنّ مراسم الدفن يقوم بها “الحزب” بذاته. هذا هو مسار التاريخ ومصير كلّ رهان يُعاكسه.
