
لن أستعير هذا الشعر من ” المتنبي ” لأمدح حكمته، وهو آية العصر العباسي، وما بعده، وحتى الساعة، لأفكاره النافذة التي عاشت دهورا، ولا تزال. لكن هذا ” البيت ” أبانته، لي، ذاكرتي، لأتفحص، بطريقة نقدية، ما صدر عن واحدهم، من إسفاف طال مقاما، بل رمزا، شكل مفصلا لا يتكرر، ونقطة مركزية في تاريخ لبنان المعاصر، تحدى مؤامرة الإطاحة بالكيان، وخطة نسف هوية الوطن.
هو بشير الجميل، الرئيس الساحر، مفتاح عودة السيادة الى لبنان، جرع النضال من فيض جدوله، فالكرامة فيه مبذورة في الطينة. وليس غريبا ألا يحجم أحدهم، وقد صفق له أردياء، عن استعمال كلمات نابية، يطلقها، مجانا، علها تقوى على تفريغ جهل، وعمالة، ورجعية، هي مقياس القزمية الوطنية، والعقلية، والأخلاقية، لديه، ولدى من وراءه… وهي بعيدة عن قوام استقامة النفس والكلام، ونقاوة التعاطي بين بني آدم. لقد سعت المداخلة العقيمة القيمة لهذا القزم المتطاول، وبكل جهدها، الى النيل من أبرز المتسامين في النضال الوطني، وذلك بانحراف مسف، وبترويج لاحطاط يشكل العنصر الوحيد المكون لمداخلته السخيفة. وإذا كان هذا الواحد يتوقع أن يصدقه الناس، فكأنه لا يعلم بأن ما قاله لا يشكل سوى سلعة رخيصة، سقيمة، متزمتة، باطلة، مدفوعة من عمالة ممجوجة لم تعد تخفى على أصحاب الحجى.
واضح، تماما، أن هذا الواحد دمية يلتزم سلوكها، ولسانها، بسياق مكونات تشغلها، وتحركها، لتصبح مخلوقا آليا، مشوه البناء الفهمي، أو صنما مقترنا بأصل مغرض يتسلل اليه، ويحفزه على الافتراءات. أما هدفية هذا التوجه المقيت، فهو إنجاز تشويه لصورة أنقى الأنقياء في الوطن، الرئيس بشير الجميل، بتلفيقات ومزاعم، واختلاقات، هي عصية على التصديق.
إذا سلمنا جدلا بأن النزاعات بين الناس، والأطراف، والأحزاب، قائمة في مجالات لا تحصى، ولا سيما في السياسة، وأن حال متعاطيها تنفصل أكثر مما تتصل، وتتفاعل سلبا، أكثر من تفاعلها بشكل مثمر منتج، فهذا لا يبرر، إطلاقا، ما استخدمه هذا الواحد من أسلوب الابتذال، والسلوك المشين، والسفاهة في الكلام، ليتراجع مستوى الناطق بالمنطوق، ويزج به في بؤرة الرجعية والإنحطاط. ولما كانت العلاقة الصراعية بين الأطراف، في التعاطي السياسي والوطني، بالغة التعقيد بين إيديولوجيتين تنظران الى الحياة، والتاريخ، والمستقبل، والنظام، من منظارين متناقضين لا يلتقيان، فهذا لا يعني، أبدا، التغاضي عن ركون هذا الواحد، في تهجمه على بشير الجميل، الى طقوس ديكتاتورية بائدة، يترجمها بترهات خشبية تجرح كرامة المنطق، وبهذيانات هجينة غرائزية، إن دلت على شيء، فعلى أن مطلقها لا يمت الى الكائنات البشرية العاقلة.
واضح، تماما، أن هذا الواحد يتلطى بفريق الفرض، والتسلط، والسيطرة، والاستقواء، ليسترسل باتهامات عوجاء، وبتلفيقات هذيانية تشير الى عطل في خلايا جمجمته، والى تراجيديا أخلاقه، ما يؤكد على جلاء مواصفاته كإنسان، منذ أمد بعيد. لو كانت المناظرات العقلانية الموضوعية هي السائدة بين المختلفين، كما في البلدان الراقية، والمجتمعات المتحضرة، بديلا من الفرض، والتعنت، والإفتراء، لكنا توكلنا، في هذا الإطار، على الوعي الوطني في التخاطب الذي يخضع لمبادئ عقلية حرة، ولاحترام الآخر، وإن بطرحين مختلفين. لكن المهاترات التي ينطلق منها فريق الفرض والسيطرة، والتلفيق، تكسر، وبطريقة عوجاء، سياجات الرقي الأخلاقي في التعاطي الوطني، ليكون توجهها المتشنج الشتم، والكذب، ورمي الغير باتهامات واهية، وأباطيل بعيدة عن الحقيقة.
إن اغتيال الرئيس الشهيد بشير الجميل ليس واجبا وطنيا، كما فح هذا الواحد، إنما هو اغتيال لحلم بإسقاط مؤامرة النيل من لبنان السيد، وبتشليع قبح الأوصياء والعملاء والخونة الذين ينتسب إليهم هذا الواحد. إن اغتيال بشير الجميل هو اغتيال لشوق الناس الى الكرامة، فبشير، وحده، وبنبضه الثوري، كان الضامن لاستعادة ما ضيع من الحرية والسيادة، انتصارا لعامل الكرامة الوطنية، وإحياء لمفهوم الوطن السيد لا الوطن المنتهك، أو الضحية. إن دحر مخطط تقويض الدولة، مع بشير، هو انتساب وجداني للكرامة الوطنية، ورفض للتبعية أيا يكن مرجعها الخارجي، ونضال طوع التاريخ، وهذا بعيد، كل البعد، عن هذا الواحد ومشغليه الذين جعلوا لبنان مقترنا به شيطان، ضربوا مفهوم الوطن ككيان، ومشروع قيام الدولة القادرة، وطوعوا الشعب الذي اختزلوه وفرضوا عليه، بالقمع والترهيب، السمع والطاعة.
بشير الجميل، يا هذا الواحد الممسوخ، كان، ولا يزال، حالة نادرة في زمن لبنان، ونفحة فاضت من رحم العنفوان، تنضح قيما وشهامة، وعرقا من عروق لبنان، ونصلا مسننا جريئا، حاملا راية استعادة الوطن من الفوضى، والفاشية الممقوتة، والخطط التفكيكية، والأداء الأعوج للمتحكمين به، الى مناخ الحرية والعدالة والحقوق، معانقا الأرض في مصالحة سرمدية، ذابت في ذاتها ذاته، فنبتت أرزة ما تعودت أن تنحني، مهما قسا عليها التراب.
