.jpg)
ما حصل بالأمس، على مستوى اندفاع الناس، كل الناس، الى استهجان ما تركه الاختراق السيبراني العدوّ، من جرحى ومشوَّهين وضحايا، والى تراكض أكثرين لمدّ يد المساعدة، والتبرّع بالدم للمصابين، ونقل العديد منهم الى المستشفيات الموجودة خارج دائرة سيطرة “الحزب”، كلّ ذلك يقتضي مقاربة عقلانية، ووطنية، لاستثمارها، ربّما، في إعادة اللّحمة بين شرائح النّسيج الوطني المُفَكَّك.
أمّا بعد،
في علم المنطق الذي يوجب التوصّل الى استنتاج مقبول، ينبغي المرور بمراحلَ إلزامية هي المسلّمات، والتّحليل، والمناقشة، وسوى ذلك من أدوات القياس، للانتهاء بنتيجة يسنّها الوعي، ويؤسلبها العقل. من هنا، لا بدّ من شرحٍ وافٍ لواقع الحال، في لبنان، للتوكّل عليه وصولاً الى المبتغى المنشود.
إنّ مشروعَ قيامِ دولةٍ قادرةٍ في وطنٍ سيّدٍ، هي المسألة التي تتصدَّرُ مَطالبَ النّاسِ بحقِّهم الثّابتِ بالسّلامةِ، والأمنِ، والعَيشِ الحُرّ، وبَسطِ سلطانِ القانونِ على كاملِ مساحةِ البلاد، وهذا الحقّ يعني تعلّقاً بفلسفةِ البقاءِ والوجود. كلُّ ذلك يواجهُ استحضاراً لنَقيضِه، حرباً تُمَدمِكُ لتدميرٍ شاملٍ، وتضعُ لبنانَ تحتَ المقصلة، تمهيداً لبسطِ سلطانِ أحاديّةٍ مستبِدَّةٍ تغتالُ الكيانَ، وتصعقُ الهويّة، وتمسخُ السيادة. من هنا، فالصورةُ القاتمةُ الجاثمةُ فوقَ رؤوسِ اللبنانيّين، قد تأكّد أنّ خَطَرَها ليس وَهماً، خصوصاً في بيئةِ الذين يسكنُ الوطنُ في وجدانِهم، انتماءً وولاءً، وحيثيّةَ مصيرٍ في كيانٍ نهائيّ، في مُقابلِ مَنْ انقلبواعلى ثوابتِ وطنٍ لم يكن، مرّةً، وطناً إلّا في تخرّصاتِهم، ليوهموا النّاسَ بأنّهم لبنانيّيون، وليتَهم كانوا…
وللأسف، هنالكَ، بعدُ، عندَنا، عاجزونَ، أو مُعَجَّزون، عن إدراكِ الخطرِ الدّاهمِ الذي يتربّصُ بالبلاد، وهم كالواقفِ أمامَ الشّمسِ وعيناهُ مُغمضتان، أو مُجبَرَتانِ على التَّغميض. وحتى هذه اللّحظة، لا يريدونَ أن يعترفوا بأنّ قرارَ زجِّ لبنانَ بحربٍ مدمِّرة من جانبِ المرتبطين بأجندةٍ لا تمتُّ للبنانَ بصلة، وبمرجعيّةٍ هجينةٍ مُنتدِبة، إنّما هو تدميرٌ مُمُنهَجٌ للوطنِ بكيانِه السياسيِّ، ومؤسّساتِه، وحريّتِه، ونهائيّةِ حضورِه، ما يقضي، تالياً، على أبجديّةِ السيادةِ فيه، ويطعنُ الأرض والتاريخ والثّقافة، ما يدرِجُه، في وجدان السياديّين هالة تَقديس.
إنّ المجاهرةَ السّافرةَ بامتلاكِ قرارِ الحرب، ليسَت سوى طَلاقٍ إستراتيجيٍّ للوطنِ، وعَطَبٍ ناجزٍ لِعَصَبِ الإنتماءِ والولاء، وسلوكٍ تدميريٍّ للهويّةِ الوطنيّة، وزَجٍ سافرٍ للناسِ، ولا سيّما أهلنا في الجنوب المُعَذَب بوجود الطّارئين فيه، في أتونِ مغامرةٍ قاتلةٍ لا تنفعُ لتبريرِها ذرائعُ ومسميّات. من هنا، فإنّ النّضالَ لمواجهةِ هذا السّلوكِ، ينبغي أن يكونَ غيرَ قابلٍ للتَراجع، والذي يجبُ أن تتكوكبَ حولَهُ جماعةُ الأَصيلينَ الذين يعانقون الوطنَ في مسيرةٍ سرمديّة. وما نتولّاه، في هذه المسألة، ليسَ سوى تذكيرٍ واضحٍ بمفهومِ الأرض السيّدة، وأَبعادِ الكيانِ النهائيّ، وبأنّ الهويةَ الوطنيّةَ تشكّلُ منظومةً إجتماعيّةً وأخلاقيّةً، وقضيّةَ التزامٍ بِقِيَمٍ جوهريّةٍ تَتَنَزَّلُ في زمنِ الوطن، وتُحدّدُ حقيقةَ المنتسبين إليه. وكذلك، فإنّ الولاءَ سلوكٌ، ونمطُ حياةٍ، وطموحٌ وجوديّ، وأساسُ ترسيخِ الفردِ بأرضِه، وهو مُعطًى مقدَّسٌ ثابتٌ ونهائيّ، ما يُبعدُه عن المراجعةِ والنّقدِ والتّقويم، وعن تشويهه بتفسيراتٍ مستمدَّةٍ من حفريّاتِ الأعراقِ المنتهيةِ الصلاحيّة، وبادّعاءات فارغة يحاول مُرَوِّجوها تبريرَ زجِّهم الوطن في مغامرةٍ قاتلة لن تكون نتائجها إلّا تدميراً قياسيّاً غير مسبوق، ما يقودُ، حتماً، الى تَقَهقرٍ سحيق لزمن الإنحطاط والتخلّف، وعلى كلِّ المستويات.
إنّ الصورةَ قاتمةٌ بشدّة، لأنّ مواقفَ المُستَقوينَ، ثقّافي الموت، تجرُّ البلادَ الى حيثُ لا يريدُ أهلُها، خراباً، وضحايا، واضمحلالاً للدولة، وسَحقاً لِبُناها، وزعزعةً لكيانِها، في مواجهةٍ غيرِ محسوبةٍ مع آلةٍ عسكريّةٍ شنيعةٍ، مجرمة، رأينا ما نتجَ عنها في غزّة، من إبادةٍ ودمارٍ وتهجيرٍ وسَفكٍ للحجرِ والبشر، وما خلّفته، بالأمس، في أكثر من منطقة في لبنان، ضحايا، ومعوَّقين، ومشوّهين، وجرحى. أمّا ما يصوغُهُ المُغامِرون الدونكيشوتيّون من خُطَبٍ لتبريرِ هذه المواقف، فلا يمتُّ الى المقبوليّة، لأنه يفتقر الى الأخذِ بالإعتبارِ مصلحة الوطنِ والمواطن، ويغوص في تركيباتٍ غريبةٍ عن قناعةِ النّاسِ المؤمنين بالسّلامِ، والحياد، ما يجعلُ الوطنَ يُقيمُ في حيثيّةٍ معزولةٍ عن مصالحِ أهلِه، وكأنّه أسيرٌ في فوّهةِ الإستقواء، والموت.
إنّ اللّحظةَ الحاضرةَ هي في منتهى الأهميّة، فإمّا أن يستمرّ المستقوون في الاستهانةِ بمصلحة الوطن، والناس، فيواجه هؤلاء الرّعب، ويعيش الوطن حيثيّة جهنّم، وإمّا أن يبدّل المستقوون من استراتيجيّتهم، ويعودوا الى لبنان، ويثبتوا أنّهم من عِرقِه، ما يتلاءم مع مرتجى المواطنين بالسلام، والحرية، والطمأنينة، والعيش الواحد الآمن، حفاظاً على لبنانَ كياناً نهائياً، حرّاً، يستحقّ الحياة.