
يُجمع الخبراء العسكريون على أن “عملية البايجر”، أو “عملية تحت الحزام” بحسب وصف بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية، التي استهدفت تفجير أجهزة الاتصال من نوع Pager التي يستخدمها “الحزب” وأدّت إلى سقوط عشرات القتلى في صفوفه، بالإضافة إلى آلاف الجرحى تتحدث بعض المصادر عن أنهم تخطوا الـ4000 في لبنان وسوريا وبينهم قياديون من رتب متقدمة، هي خرق استخباراتي أمني سيبراني غير مسبوق لـ”الحزب”، بل الأول من نوعه على مستوى العالم.
إزاء هذا التطور الخطير في المواجهة بين إسرائيل و”الحزب”، لا شك أن “عملية البايجر” ستنقل الصراع إلى مستويات أخرى، بعدما سجّلت إسرائيل ضربة نوعية ضد “الحزب” لم يكن يتوقعها، لكون “عملية البايجر” أظهرت أن إسرائيل متفوّقة على الصعيد التكنولوجي والسيبراني إلى درجة متقدمة لم تكن في حسابات “الحزب”، إذ نفّذت عملية خرق سيبراني لم تفاجئ “الحزب” فقط، بل فاجأت حتى مختلف الخبراء والأجهزة الاستخباراتية الدولية. بالتالي السؤال، هل تؤدي “عملية البايجر” والضربة الصادمة التي تلقّاها “الحزب” إلى ردٍّ من قبله يأخذنا إلى مواجهة أوسع شاملة؟ وهل إسرائيل تخطط فعلاً لتوسيع دائرة الحرب وصولاً إلى هجوم بري؟
العميد الركن المتقاعد خالد حمادة يرى، في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أنه “بالدرجة الأولى، العملية أحدثت صدمة كبيرة في صفوف “الحزب” وقيادته. حجم الخسائر كان صادماً، كذلك المفاجئ كان استخدام هذه التقنية وتعطيل هذا المستوى من الاتصالات الذي لجأ إليه “الحزب” بعد استغنائه عن الاتصالات الخليوية”، لافتاً إلى أن “عملية استيراد البايجر يشوبها الكثير من نقاط الضعف، ما جعلها عرضة للاكتشاف الإسرائيلي بسهولة”.
يضيف حمادة: “لا يُعقل أن يتم طلب هذه الكمية من أجهزة الاتصالات من أي شركة في العالم، من دون إثارة الشكوك. لأن الشركات المصنِّعة لتقنيات لها علاقة بالعمليات العسكرية أو بأي شأن يمكن أن يُستخدم عسكرياً، تكون عادة مراقبة من قبل أجهزة الاستخبارات، المحلية والدولية. بالتالي هذا الخبر لا يحتاج إلى جهد كبير لكي يتسرَّب، فالمصانع تسرِّبه عادةً لأسباب أمنية، بل هي مجبرة على إعلام السلطات الأمنية بأن هناك جهة طلبت هذه الكمية الكبيرة من أجهزة الاتصال”.
يتابع: “أما السؤال، أين صُنِّعت أجهزة البايجر التي تم تفجيرها بعناصر “الحزب”، في هنغاريا أو في مكان آخر، وكيف نُقلت؟ فهذه أصبحت تفاصيل. لأنه إذا كان الموساد الإسرائيلي أخذ علماً بأن هذه الكمية من أجهزة الاتصالات آتية إلى بيروت، فمن السهل أن يستنتج بأنها للحزب، إذ ليس هناك أي مستشفى أو أي منشأة مدنية لا تزال تستعمل البايجر إجمالاً، وإن كانت لا تزال بعض المستشفيات أو غيرها تستعمله فليس بهذه الكمية”.
حمادة يعتبر، أن “مجرد طلب هذه الكمية من أجهزة البايجر، أطلق مئة شبهة حول المسألة وفتح شهيّة أجهزة المخابرات العالمية ومنها الموساد. أما هل تم تفخيخ أجهزة البايجر داخل المصنع أو خارجه، أو في المخازن قبل شحنها؟، فهذا أصبح شأناً تفصيلياً. لأنه حتى مَن يتعامل مع “الحزب”، أي إذا كان لديه أشخاص وسكك خارجية، فهؤلاء يتعاملون كذلك مع الموساد ومع غيره من أجهزة الاستخبارات العالمية، فليس هناك عميل يتعامل مع جهة واحدة. لذلك تصبح عملية التفخيخ أو تعطيل الدوائر الإلكترونية أو معرفة نماذج البطاريات أو غير ذلك، مجرد تفاصيل. بمعنى أن المهم في النهاية أن إسرائيل علمت بمميزات هذه الأجهزة ووجهتها والجهة المستفيدة منها، وتم تفجيرها”.
حمادة يرى، أن “حجم الخسائر الكبيرة لا يمكن للحزب استيعابه. أن نتحدث عن 3.000 إصابة تقريباً، لغاية الآن، هذا يعني أن 3.000 عنصر أصبحوا خارج الميدان. بالتالي، أن يكون هناك حوالى 3.000 عنصر من “الحزب” خارج نطاق عملهم، هذا يعني أن هناك ثغرة كبيرة، ميدانية وأمنية، وهناك تداعيات على الأداء الأمني والميداني، بالإضافة إلى ذلك على الأداء المعنوي، بمعنى أن هناك تنظيماً أصيب في صميمه وبهذا الحجم الكبير من الإصابات”.
أما في البحث عن إمكانيات الرد، فيعرب حمادة عن اعتقاده، بأن “على “الحزب” الإجابة عن أسئلة كثيرة قبل البحث عن إمكانيات الرد. بالدرجة الأولى، كيف يمكن ردم هذه الهوّة على صعيد القيادة والسيطرة والاتصال؟، كيف يمكن تعويض الخسائر البشرية؟، كيف يمكن إعادة هيكلة مجموعات “الحزب” التي أصبح جزء كبير منها خارج الخدمة؟”.
لكن الأسئلة الأهم بالنسبة لحمادة: “هل يجوز الاستمرار بنفس عملية المواجهة التي يقوم بها “الحزب”، أم أن هناك أساليب ومواجهات أخرى يجب أن يلجأ إليها ولا ندري إذا كانت متاحة؟. هل المضي بعملية بعنوان مساندة غزة هو العنوان الأمثل لتقبُّل هذه الخسائر، ليس فقط على مستوى “الحزب”، ففي النهاية هؤلاء مواطنون لبنانيون، وما حصل هو خسائر وطنية بصرف النظر عن وجهة نظر “الحزب” في هذا الموضوع؟. هذه أسئلة مطروحة على “الحزب”. كيف يرمّم الفجوة التقنية، والفجوة في الخسائر البشرية، وما هي الأساليب التي سيعتمدها، وهل هناك جدوى من الاستمرار بهذه العملية بهذا الشكل؟”.
أما على المستوى الإسرائيلي، فبرأي حمادة أن “إسرائيل لن تُقدم على عمل برّي، وهي لن تُحرج الولايات المتحدة. نتنياهو كان واضحاً عندما قال إنه يريد تغيير الوضع الأمني في الشمال لكنه لم يقل إنه سيجتاح لبنان”، معرباً عن اعتقاده بأن “الاجتياح البرّي يقدِّم للحزب ميزات تفاضلية في المواجهة، حتى مع هذه الخسارة، وهذا ما لن تلجأ إليه إسرائيل، والأرجح أنها مستمرة بنظام معركة يعتمد على القدرات الاستخباراتية والاستعلام العسكري المكثَّف بشتى أنواعه، واستخدام نقاط القوة والتي كان يُعتقد بأنها فقط مسيّرات وطائرات، اليوم دخل عليها موضوع استخدام أجهزة الاتصال لكي تتحوّل إلى قنابل موقوتة في يد حامليها، وهذا نموذج من حرب جديدة يجب التفكير مليّاً بكيفية مواجهتها”.
يبقى السؤال الكبير، وفق حمادة: “هل المشهد الذي شهدناه بالأمس من التضامن الرسمي والوطني والشعبي والقطاع الطبي وغيره، الذي تضافر لإنقاذ البلد من هذه الكارثة التي حصلت، سيستدعي من “الحزب” والسياسيين الذين يناصرونه للقول بأن مواجهة إسرائيل هي مشروع وطني؟. المشروع الذي يقوم به “الحزب” ويعتبر أنه يواجه به إسرائيل، آثاره السلبية بالدرجة الأولى هي انقسام وطني حادّ حول هذا المشروع الذي يقود به لبنان إلى المجهول. مواجهة إسرائيل مشروع وطني وبالتالي يجب على كل الناس في البلد أن تكون جزءاً منها، وألا يتم اقتياد الناس بهذه الطريقة واقتياد لبنان إلى مصير مجهول نتيجة مخلّفات إيديولوجية لا ندري ما إذا كانت قادرة على مواجهة كل هذا التطور التكنولوجي الإسرائيلي”.
من ناحية أخرى وعلى مستوى الملف الرئاسي، تتوقع مصادر سياسية مطلعة أن “يعود هذا الملف إلى دائرة البرودة بعد “عملية البايجر”، على الرغم من أن ما أثير في الفترة القريبة عن بعض الإيجابيات التي تحققت على صعيد التحركات والوساطات الدبلوماسية لتحريك هذا الملف ومحاولة إيجاد ثغرة تخرج لبنان من أزمته الرئاسية، لم يكن دقيقاً”.
المصادر ذاتها ترى، عبر موقع “القوات” أن “عملية البايجر فرضت واقعاً جديداً دفع إلى تركيز الاهتمامات والجهود، الخارجية والمحلية، على محاولة منع تدحرج الأمور إلى ما هو أبعد والدخول في مرحلة جديدة من العنف الواسع وتجنيب لبنان كارثة أكبر، علماً أن الآمال كانت أساساً متواضعة بإمكان تحقيق اللجنة الخماسية أو غيرها خرقاً على هذا الصعيد في المدى المنظور”.
المصادر نفسها، توافق على ما صرّح به رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع إثر لقائه السفير السعودي في لبنان وليد البخاري، الثلاثاء الماضي في معراب على مدى ساعة من الوقت، إذ أعرب جعجع في دردشة مع الإعلاميين عن أسفه وحزنه حيال ما سبّبه الحادث الأمني “من إصابة مئات وآلاف من الناس في المستشفيات”، مضيفاً “هلق مش وقت نحكي سياسة”، وتعليقه حين سئل عما إذا كان السفير السعودي حمل جديداً في الملف الرئاسي بالقول، “يمكن يكون كان حامل معو شي بس بعد لي حصل بطّل”.
