
هي زحلة، عروس البقاع، وهو البردوني ووادي العرايش، لؤلؤة “دار السلام” و”جنة الله على الأرض”، قبلة السياح وموطئ الشعراء والمفكرين والنجوم.. وسؤال في البال، هل كان ليكون لزحلة كل ذاك العز لولا ذاك البردوني؟ هو التاريخ يخبرنا مسترسلًا منتشيًا، كيف أرسل الله للبنان ولبقاعه ذاك البردوني، وكيف صارت له زحلة عروسًا، هناك قصة حب وعزّ “ما بتخلص”.. بدأت وتجذرت وأكملت طريقها متوّجة تلك المدينة وبردونيها “موطن الخمر والشعر”، مدينة الكرم والضيافة واللقمة الطيبة، مدينة التذوّق.. فما قصة زحلة مع بردونيهـا وذاك الوادي، وكيف صارت بهما ومعهما، صفحة بين أبهى صفحات لبنان وأكثرها تألقًا وعزًّا، جمالًا وسياحة؟
إن زرت مدينة زحلة، لا بد أن تحط رحالك في “وادي العرايش” على نهر البردوني، فما من أحد يستطيع زيارة البقاع، من دون المرور بذاك الوادي، وإشباع نظره بسحر المكان، والتمتع بتناول اللقمة اللبنانية الأصيلة، وارتشاف كاس عرق بلدي من الكروم المحيطة.. هناك على ضفتي ذاك النهر الذي لا ينضب طيلة أيام السنة، تتناثر المطاعم “الخمس نجوم”، هناك هناك أجمل الجلسات على صوت خرير المياه، هناك قد ترتدي الكنزة في “عزّ شوبات آب اللهاب”، هناك، وما إن تطأ قدماك مدخل الوادي، بين المياه والهواء الطلق والنسمات العليلة، سيلفك حلو الإحساس بأجواء كل ما فيها ينبض، يذكّر، ويهتف باللبناني وحسب، إلا رواده، فهم ومنذ عقود وعقود، من كل لبنان، مغتربين ومقيمين، وأيضًا من كل العالم، هناك كنت لتسمع كل اللهجات واللغات تتخالط، كنت لترى كل الجنسيات عرب وأجانب، سحرتهم تلك الجنة وقد تهافتوا إليها من كل حدب وصوب، لأن كل ما فيها ينبض بأجمل ما يرمز إليه لبنان، حلو النسمات، حلو الناس، حلو الاستقبال والضيافة، حلو التراث… نعم، كل شيء هناك يخبرك عن حلو الحياة في لبناننا، عن لبنان العزّ والسياحة والاصطياف، لبنان الفن والشعر والثقافة، لبنان اللقمة الطيبة والكاس والخمر البلدي المعتق الأصيل، هناك أجمل الأغاني والمواويل تصدح في كل أرجاء الوادي، باللبناني أو الزحلاوي وحسب، تختلط بعضها ببعض، الى هذا المطعم ستنساق منجذبًا الى سحر صوت سفيرتنا الى النجوم، والى ذاك، يناديك موال غزل ودلع بين وديع الصافي والشحرورة الصبوحة. نعم هو وادي البردوني ومقاهيه الشهيرة، ملقى العشاق ومحبي الحياة، وملجأ الهاربين من قيظ الصيف، المتلهفين لأطايب مازتها الشهيرة، والمتحضرين حتمًا لفاتورة قد تكون “خيالية”، لكنهم يدركون سلفًا أنهم في حضرة مطاعم غير عادية، مرصّعة بـ”خمس نجوم”، هم في جنّة البردوني وحسب…
سحر.. وأسطورة
لذاك الوادي الساحر الـذي تزنره الجبال شرقًا شمالًا وغربًا، ويعبره نهر البردوني مترقرقًا جذلًا، وقد رُصفت سلسلة المقاهي الفخمة على ضفتيه، وتمددت من رأس النبع وحتى مدخل الوادي، حكاية غريبة، إذ تقول الأسطورة إن “الإله باخوس الذي افتتن بجمال هذا الوادي وعرائشه المتدلية التي تحوي ما لذ وطاب من أصناف العنب يعصر منه خمرته اللذيذة لتقدم شرابًا على موائد الأنس والطرب”.
وتحكي لنا أيضًا أن “عرائس الجان كانت ترد مياه نهر البردوني لتستحم بعيدًا عن الأعين استعدادًا لموافاة موكب الإله باخوس قبيل انعقاد جلسات الشرب والمجون، فكان أن حملت تلك المنطقة إسم “وادي العرائس”، لكن، وبعد أن تناثرت فيها عرائش العنب، أبدلت مع الأيام الـ”س” بالـ”ش” وأصبحت وادي العرائش.. فماذا عن “أسطورة” مقاهي ذاك الوادي؟
“ولع الكأس وزوبع بالوادي”
يروى أن وادي البردوني كان قديمًا أدغالًا صعبة المسالك، هذّبتها يد الإنسان وحوّلتها على مر السنوات الى رياض وجنائن، وهي جريدة “الوادي” الزحلاوية من استعرضت في أحد أعدادها أيام وادي البردوني “العتاق” منذ مطلع القرن التاسع عشر، لتخبرنا: “كان الوادي باسق الحور كثيف الصفصاف والتوت يقصده الزحليون للسَّمَر. لا يدخله إلا الرجال والشباب للاستمتاع في الخلوة بسيرة القبضايات والأغاني الدارجة والقصص المملّحة التي لا تروق للأتقياء”.
وأكملت تقول: “يأتي الجدود بالعرق في جرار صغيرة، ويتباهون بالمقطر المثلث السلس، يحتسونه في كأس من النحاس يدور على غير شفة ويمزجون العرق بمياه النهر الباردة يوم لم يسمع بالتلوث (…). وأما المازة فاقتصرت على القضامي والتبولة والجبنة والزيتون، يفترشون بها البسط السندسية على ورق التوت، وفي الأعياد الكبيرة والمناسبات الهامة يضرمون النار “للمعلاق”، فيتصاعد الدخان في الأجواء فيقول من شاهده من بعيد.. “ولع الكأس وزوبع بالوادي”.
“قهوة فريدة” الأولى في قلب الوادي
وتحكي لنا “الوادي”: “عندما خفف الرجال من أنانيتهم وتركوا للمرأة المجال لمشاركتهم في الجلسات العائلية، افتتحت فريدة القاصوف أول مقهى في قلب الوادي، ولا يزال حتى اليوم يُطلق عليه «قهوة فريدة”، ولم تدرك أنها بذلك كانت تطلق صناعة ضخمة اشتهرت بها زحلة… لحق بها بشارة قريطم فحدّث المهنة، صمّم المقاعد الجلدية اللائقة، والطاولات المستطيلة المتجانسة”.
وكرت السبحة.. فكان مقهى نمير لصاحبه وديع نمير ونجليه، ولينضم الى مسيرة “أسياد الوادي” جان عرابي ومخايل مهنا والأشقاء جوزف وجورج وإيلي إبراهيم قريطم، “كانت مقاهي صغيرة متواضعة على ضفاف النهر تستلهم جمال الطبيعة، بين بواسق الأشجار. تعتمد كليًا على مياه النهر، أرضها ترابية تخترقها السواقي، المقاعد كانت في البدء من الكراسي الخشبية المقششة ثم تحوّلت الى جلدية ناعمة.. وهكذا.. “أصبح قاصد مقاهي البردوني هو من استعدّ للمناسبة وارتدى الثياب اللائقة”.
أسماء مؤسسي مقاهي البردوني، انتقلت الى الأبناء ، توارثها الأحفاد وانضمت إليهم أسماء جديدة … حملوا جميعًا راية الضيافة الزحلية، وعملوا على تطوير وتوسيع إمبراطورية الوادي الساحر عبر سلسلة مقاه ما لبثت أن تحوّلت الى مؤسسات عريقة وشهيرة يفتخر بها لبنان وأبناء زحلة، معتمدة أحدث وسائل الرفاهية، وقد اكتسبت شهرتها من جودة عرقها البلدي وأطباقها الشهية ومازتها الشهيرة التي تم تصديرها الى كل لبنان ومنه الى كل العالم، كما من كثرة الشعراء والنجوم الذين مرّوا بها وتهافتوا إليها وقالوا فيها وعنها “ما لم يقله مالك في الخمرة”.
كلّهم مرّوا بالوادي
“فكل من قدم الى لبنان، من ملوك وأمراء وشعراء وفنانين، ومشاهير القوم من ألوان وأجناس مختلفة كلهم مرّوا بالوادي. أسماؤهم لا تُعدّ، وحدها أرجاء الجنة استوعبت تيجانهم وأقلامهم وشهرتهم”، تقول “الوادي”.
حكايات وادي البردوني وأيام عزّه، “تفرفح” القلوب في عزّ مآسي لبناننا، ولا تتسع لها مجلدات. ومما يُروى أنه بين أعوام 1919-1931 كانت زحلة أشبه بسوق عكاظ فيها يتبارى الشعراء والأدباء من الأقطار المختلفة، حتى أن معظم شعراء وأدباء لبنان كُرّموا في زحلة، وتحديدًا في مطاعم ومقاهي بردونيها..
فعلى ضفاف البردوني، كنت لترى في خمسينات القرن الماضي رعيلًا من الأدباء والمفكرين، من مختلف الأقطار، أسماء كبيرة أمثال: أمير الشعراء أحمد شوقي، خليل مطران، مي زيادة، شبلي الملاط، عمر أبو ريشة، إيليا أبو ماضي، الياس أبو شبكة، الأخطل الصغير، أمين الريحاني وغيرهم كثر.
وعامًا بعد عام، تربّع البردوني ومقاهيه، كأحد أهمّ المراكز السياحية الصيفية وأكثرها جذبا للزوّار والسياح العرب والأجانب. ففي أفياء الأشجار المعمّرة، وعلى صوت خرير البردوني وبرودته، لا يزال طيف أبرز الفنانين والأدباء الذين كانوا يلتقون فيه حاضرًا ماثلًا، لكأنها البارحة..
فالنهر الهادر الذي خرّج الشعراء من بين ضفافه من الأخوين فوزي وشفيق المعلوف، فسعيد عقل وميشال طراد، حوَّل زحلة ليس الى معلم سياحي محلّي وحسب، بل كرّسه معلمًا سياحيًا عالميًا ومن أشهر الأماكن التي زارها كبار الشخصيات البارزة والنجوم في الشرق الأوسط والعالم.
فتلك المطاعم والمقاهي الأنيقة المتماهية مع طبيعة الوادي، حوّلت ذاك الوادي الى أيقونة سياحية، ومن كان ليصمد أو يعاند زيارتها مفوّتًا على نفسه متعة تنشّق هوائها أو رائحة ومذاق مشاويها ومازتها وذاك العرق الشهير، ولكم ارتبط إسم البردوني بولع البقاعيين والزحالنة على اختلاف طوائفهم بشرب الكحول، وخاصة العرق الذي يصنعونه بأيديهم ومن محصول دواليهم.
وبذلك، وعلى مرّ السنين، اعتمدت مدينة زحلة بشكل أساسي على منطقتها السياحية في البردوني، فهي للزحليين، صارت البوصلة التي تحرّك مجمل القطاعات. وإن كانت ثلاثة عناوين ثابتة شكلت أعمدة الاقتصاد السياحي في زحلة: خمّارات إنتاج العرق والنبيذ، ومقام سيدة زحلة والبقاع، إلا أن الأهم بينها، وقطعًا، كان مقاهي البردوني.
واللافت أنه في عزّ الحرب الأهلية، وعلى الرغم من كل الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية التي مرّ بها لبنان، والمطبّات التي لم تكن سهلة على الوادي ككل، حافظ وادي البردوني ومقاهيه على مكانة خاصة، كما على نوعية وجودة خدماته.
ومع اختفاء السيّاح الأجانب والعرب وتقهقر الطبقة الوسطى، بات القطاع السياحي في زحلة يعوّل على المغتربين اللبنانيين، كما على من تحرّرت بعض ودائعهم من المصارف، أو الذين يتقاضون رواتبهم بالدولار الفريش.. والحق يُقال إن جميع هؤلاء ما خذلوه يومًا، فذاك الوادي يسحر كل من زاره ومهما غابوا سيعودون إليه حتمًا… تسأل ما الذي يشدهم إليه؟ الكثير الكثير..
هناك ولدت “جارة الوادي”
ما أن تدخل ذاك الوادي، ستتسلّل إلى أنفك روائح أشهى الأطباق اللبنانية، مشاوي اللحم والدجاج، النقانق المقلية، وأيضًا الكبة الزحلاوية، وكيف لك أن تصمد إزاءها.. تستعجل خطواتك، وتحتار بأمرك أي المطاعم المتناثرة هناك ستختار، لكل منها إسمه وشهرته وعراقته وسلسلة حكاياته مع ذاك المكان وزواره، وربما أبرزها «كازينو عرابي» الذي يُعتبر الأقدم بينها، إذ تأسس في العشرينات، وكان مركز التقاء أشهر الباشاوات المصريين وعمالقة الفن الأصيل، كأم كلثوم، وفريد الأطرش، وعبد الحليم حافظ، ومحمد عبد الوهاب، ويكفيه فخرًا أنه كان المكان الذي شهد ولادة أغنية يا “جارة الوادي”، التي كتبها أمير الشعراء أحمد شوقي، ولحنها وغناها الفنان الكبير محمد عبد الوهاب.
ولكم ردد صاحب “كازينو عرابي” جان عرابي، قصة ولادة هذه الأغنية وسحر بها سامعيه راويًا: “كان أحمد شوقي في رحلة صيفية في قطار يشق طريقه على خط صوفر – رياق، ليصل إلى فلسطين، فأعجب الشاعر المصري بمدينة زحلة وقرر النزول فيها، فاستقبله أعضاء النادي الرياضي العربي، وذلك عند «عين البخاش”، حيث يقع مقهى العرابي، وافتتحت حفلة الشعر التي كان أحمد شوقي يعتقد أنه لن ينافسه فيها أي من الموجودين، وقائلًا بعدما ذهل من إجادة الحضور للشعر: “إنتظروني العام المقبل.. سأعود بقصيدة أكرّم بها مدينة زحلة وأهلها”. وما أخلّ بوعده، عاد في عام 1927 حاملًا «رواية الزمان» التي عرفت بـ”جارة الوادي”، وكان برفقته الموسيقار محمد عبد الوهاب الذي أغرم بدوره بمدينة زحلة، وما إن سمع الأديب المصري فكري أباظة يلقي القصيدة، حتى راح يتمتم اللحن، وقرر أن يلحنها وغناها عام 1928، ولاقت نجاحًا باهرًا. وقد اختار عبد الوهاب أن يبدأ غناء القصيدة من البيت الذي يقول: “يا جارة الوداي طربت وعادني ما يشبه الأحلام من ذكراكِ”.
بعد ذلك بعدة عقود، قررت فيروز والأخوان رحباني إعادة غناء هذه الأغنية بتوزيع موسيقي جديد. كما غنتها الفنانة الراحلة الكبيرة نور الهدى.
أم كلثوم: أولسنا هنا في الجنة
وما انتهت قصص البردوني مع كبار النجوم هنا، قصة أخرى ذاع صيتها مع المطربة الكبيرة أم كلثوم التي “أدمنت” زيارة وادي العرايش، وبالتحديد مقهى “كازينو عرابي” وجعلته مقصدًا لها كلما جاءت الى لبنان لإحياء الحفلات الفنية في مهرجانات بعلبك أو في بيسين عاليه. وفي إحدى المرات فاجأت صاحب المطعم، قائلة له: “شكرًا لك يا رضوان”، فالتفت إليها وقال: “اسمي جان يا ست الكل”، فأجابته: “رضوان هو حارس الجنة، أولسنا نحن في الجنة وأنت حارسها؟”.
نعم، الى تلك الجنة، لكم ترددت كوكب الشرق، وهناك، صور بالأبيض والأسود، “تؤرشف” وتحكي عن لقاءات وولائم جمعتها وأعمدة الفن اللبناني والمصري، فيروز والرحابنة، عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش، الصبوحة ووديع الصافي، أحمد شوقي وغيرهم الكثير الكثير.. صور وصور تحكي عن أيام عز ونجوم حطّوا رحالهم في ذاك الوادي، وزحلة تشتعل وتتفاخر سياحة واصطيافًا، فنًا وثقافة، وعروسًا للبقاع بلا منازع.
مطبخ البردوني.. والسرّ العجيب
والى سحر موقعها وطبيعتها الخلابة، سرّ عجيب أدهش زوار الوادي واجتذبهم كبارًا وصغارًا، هو مطبخ الوادي ما غيره، حيث اشتهرت مطاعمه بتقديم أكثر من 90 صنفًا من المازة اللبنانية، التي بدأت منذ العام 1935 وانتشرت إلى العالمية، بدءًا بأطباق التبولة والحمص بطحينة والبابا غنوج، مرورًا بالفاصوليا واللوبيا المتبلة، وصولًا إلى الشنكليش والهندبة المقلية مع شرائح الليمون.
أما أكثر أطباق مطاعم وادي العرايش شهرة، فهي، وبلا أدنى أي شك، الكبّة على أنواعها: المحشوة باللحم والبقاعية، والمشوية، والمتبلّة مع الثوم، والنيئة، وهذه الأخيرة كانت المفضلة لدى أم كلثوم وعبد الوهاب.
جسر جوي من الوادي الى الأمم المتحدة
ولكم حسمها الزحالنة متفاخرين قولًا: “مطاعمنا في وادي العرايش كانت أساس تعريف كل العالم اللقمة الى اللبنانية”، شهرة عالمية مكّنت أحد أعرق وأقدم مطاعمها “كازينو عرابي” من نيل الميدالية الذهبية في مسابقة la bonne bourchette في الألعاب الأولمبية في ميونخ عام 1972، وليحمل عام 1984 علم وادي البردوني الى أضخم المآدب العالمية ومعارضها بعد دعوة تلقاها إلى قصر الأمم المتحدة في جنيف، حيث كان الحظ لـ2500 شخصية دولية أن تتذوّق ثمار مطعم زحلاوي، واستعين فيها يومها لتلبية طلباتها بجسر جوي نقل ستة أطنان من الأطباق الزحلاوية الشهيرة. وليس ذلك وحسب، فذاك المطعم اللبناني العريق، اختير أيضًا لخدمة مأدبة البابا القديس يوحنا بولس الثاني لدى زيارته لبنان في التسعينات.
مدينة التذوق
نعم بريق مطاعم ومقاهي البردوني تخطى الحدود اللبنانية، فعروس البقاع التي لطالما تغنّت كونها مدينة الشعر والخمر، إستحقت شعارًا جديدًا: ” City of Gastronomy” أو “مدينة التذوّق”، وذلك ضمن اختيارها عام 2013 عضوًا في شبكة اليونيسكو للمدن المبدعة، لتكون الوحيدة في لبنان والمحيط العربي العضو في هذه الشبكة عن فئة الإبداع المطبخي من بين 26 مدينة حول العالم صنفتها الأونيسكو City of gastronomy، وذلك بعدما رسمت خريطة طريقها واسعًا إلى الشهرة العالمية. فسمعتها في تقديم المازة والعرق، جعلت مقاهيها ومطاعمها على ضفتي البردوني “أيقونات”، لم تفقد بريقها على رغم كل الظروف الصعبة التي مرّ بها القطاع، منذ منتصف سبعينات القرن الماضي.. وعلى رغم تراجع مداخيل السياحة بفعل الأزمات الأمنية والاقتصادية المتلاحقة، بقيت حصة زحلة من هذه السياحة وأموال المغتربين، حوالى 25 في المئة من مجموعها العام. وهذا ما عوّل عليه أصحاب المقاهي، لتأمين إستمرارية دامت أكثر من 90 عامًا، لم تتوقف فيها حركة البردوني، حتى في عز الحرب.
ويفاخر القيّمون على قطاع المطاعم في زحلة بأن المطبخ اللبناني، وإن كان واحدًا أينما وجد، ولكن هذا لا ينفي أن المازة التي تقدمها جميع المطاعم اللبنانية إنطلقت من زحلة أولا، حيث لم تكن متوفرة قبل سنة 1975 جلسة “التزكة اللبنانية” مع كأس العرق إلا في مقاهي البردوني، التي اشتهرت بتنوّع أطباق “التزكة” وحافظت عليها منذ أكثر من قرن، لتجعل من بعضها علامة فارقة في المدينة، لا يشبه طعمها أي طبق مشابه يُقدم خارج زحلة.
فعدد الأطباق الهائل على المائدة الزحلية، وتحديدًا في ذاك الوادي، جعل منها صناعة فاخرة، إذ يكفي النظر الى عدد الصحون والسرفيس المرافق التي تحتاجها، حتى يتأكد للجميع أن المطبخ الزحلاوي لا يمكن أن تضاهيه المطابخ الأخرى في العالم، فمنه استوحيت وقدمت أطباق المازة وغيرها على الموائد الأخرى، وطبعًا لنهر “البردوني” وواديه ومقاهيه الفضل الأكبر بذلك، وخصوصًا خلال عصر النهضة الذي عرفه لبنان.
بوظة البردوني.. 30 صنفًا
وإن صارت التزكة “الزحلاوية” أشهر من نار على علم، لكن عزّ وشهرة مقاهي البردوني ما اقتصر على ذلك وحسب، ثمة الكثير بعد مما صنعته يداها، ومن لم يسمع أو يتذوّق “بوظة الوادي” الشهيرة التي شكّلت سببًا آخر لارتياد وادي البردوني، فلتلك البوظة طعمها الخاص جدًا، وقصتها، ولكم رددها صاحب محل “بوظة البردوني” خلف بو سليمان، فبداية، كانت البوظة تصنع في برميل خشب بداخله برميل نحاس، ويوضع الثلج بين الإثنين، وكانت بالنكهتين الحليب والليمون فقط، ثم تطحن وتقدم مباشرةً للناس، لعدم وجود ثلاجات آنذاك، من بعدها، بدأت الأدوات تتطور وكذلك النكهات، بحيث أصبح هناك اليوم حوالى 30 صنفًا تُقدم من البوظة تُصنع بمواد طبيعية عالية الجودة طيلة أيام السنة”.
سمسمية البردوني “تركع” أضخم شخصية
وهي أيضًا “عربات السمسمية” الشهيرة المركونة عند مدخل الوادي، لتصبح أحد أبرز معالم البردوني، وجزءًا لا يتجزأ من حكايات عزّه، متوّجة باعة “سمسمية البردوني” فولكلورًا خاصًا بالوادي.. ومن يزور الوادي، ولا يتذوّق سمسميته فكأنه لم يزر الوادي.
فمنذ أكثر من 60 عامًا، افترشت “عربات السمسمية” ذاك البردوني، وكانت دائمًا الجرس الذي يبشر ببدء الموسم السياحي الذي ينتظره سنويًا أصحاب تلك العربات وبينهم، عائلة رشيد سلامة التي تناقلت المصلحة وتفرغت لها أبًا عن جد منذ ورث الجد عبدالله سرّها من والده نقولا، ونقلها بدوره إلى نجليه داود ورشيد، الذي صمد وحده في المهنة، مبتكرًا طريقة عرضها في عربة انتقلت الى إبنه سلامة، بما فيها من ميزان الحديد التراثي، وسكين المنشار وخشبة التقطيع، لكنه، استبدل أواني الحديد بالستانلس الأكثر تطابقًا مع مطلبات السلامة الغذائية، وأضاف إليها واجهة زجاجية، وألحقها ببراد.
سلامة، وارث سرّ طبخة سمسمية البردوني، شكل لاحقًا فريق عمل مع زوجته أرزة ووالدته آمال التي روت أنه قبل وفاة زوجها رشيد منذ 25 سنة، نشر مقالًا في مجلة قديمة يظهر فيها زوجها في “أيام العز في البردوني قبل العام 1974″. حينها، كما تقول، كان رشيد يوزع نشاطه التجاري بين الوادي ومرفأ بيروت. و”كانت أضخم شخصية تركع أمام عربة السمسمية، التي زوّدت بتصريح يسمح لها باعتلاء الباخرة”.
وذاعت شهرة سمسمية البردوني في أوساط المغتربين الذين تهافتوا على شرائها بكميات كبيرة ليحملونها هدايا من زحلة إلى مختلف أنحاء العالم.
ويروى أيضًا أن كل مشاهير العرب والعالم الذين زاروا وادي البردوني بدءًا من أحمد شوقي ومحمد عبد الوهاب وشاكيرا، والأمراء العرب والخليجيين، كان لهم محطة أساسية، عند عربات السمسمية التي لها في الذاكرة صور كثيرة مع زوار الوادي من رؤساء ومشاهير وفنانين.
هو وادي العرايش جنة ولؤلؤة زحلة المعلّقة على كتف البردوني.. كان ويبقى حكايات فرح وعزّ “ما بتخلص”.
كتبت نجاح بومنصف في “المسيرة” ـ العدد 1756
ملوك، أمراء، نجوم… كلّهم مروا بالوادي
البردوني: حكايات من صفحات لبنان العزّ!
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
