لقد حدَّدَعلمُ النّفسِ مفهوم التبصّر على أنّه قدرةُ الفكر البشريّ على النَّطرِ، مَلِيًّا، في مسألةٍ ما، واستقصائِها من كلِّ جوانبِها، ليتبيّنَ ما تأتيه من إيجابيّاتٍ أو سلبيّات، والبعضُ يقولُ : من خيرٍ أو شرّ، من حقٍّ أو باطل. أمّا علمُ الفقهِ فيذهبُ الى أنّ التبصّرَ هو إمعانُ النّظرِ في قضيّةٍ معيّنة، للوصولِ، فيها، الى رؤيةٍ صائبةٍ واضحة. وقد شرحَ بعضُهم التبصّرَ بمرادفاتِهِ، بمعنى أنّه فطنةٌ، وتأمّلٌ، وذكاءٌ، وتَرَوٍّ، وحكمة… انتهاءً بتوصيفِ المُتَبصِّرين بأنّهم أصحابُ العقولِ، وثاقِبو النَّظر، وذَوو الرؤيةِ والإدراك.
أمّا التَّبصير فهو نوعٌ من العِرافة، أو التَكَهُّن، أو التَنَبّؤ، أو ممارسةُ معرفةِ المستقبل، أو الاحتمالاتِ المستقبليّة، وادّعاءُ العبورِ الى الآتي بإيهامٍ مقصود. وقد انقسمَ النّاسُ الى فئتَين، في موقفهم من المُبَصِّرين، فمنهم مَنْ أعتبروا هؤلاءِ دجّالين لا يستندونَ في اقوالِهم الى بيّناتٍ وبراهين، وهي، بالتالي، عِرضةٌ للتّكذيبِ والدَّحض، استنادًا الى القولِ المأثور : ” كذبَ المنجِّمون ولَو صدقوا “، ومنهم آخرون مالوا اليهم طَلبًا للمشورة، والنُّصح، فاستغلَّ ” قارئو الغيب ” سذاجةَ الكثيرين، وحقّقوا شهرةً وثروة.
عندَنا، كَثُرَ المُبَصِّرون، ونَدرَ المُتَبَصِّرون، خصوصًا في بيئةِ المسؤولين، والزّعماءِ، والسّاسة. فالاتّزانُ في الحكم، والتروّي، يكبحان جماحَ الأهواء، والعشوائيّةَ المُغَبَّشة، والشّعبويّةَ التي يسعى أصحابُها من المُبَصِّرين الى المحافظةِ عليها كيفما اتّفق، ليُشبهَ رهانُهم حالَ القابضِ على الرّيح. وقد تآلفَ الشّعبُ مع مطوّلاتٍ مفوَّهةٍ في التّبصير، مِمَّن تربَّعوا على عروشِ السلطةِ والتسلّط، وأوهموا الناسَ بتخرّصاتِهم، ووعودِهم الممجوجة، بأنّهم مرجعيّاتٌ مُلزِمة، لا يُستغنى عنها، وأنّهم مفوَّضون من ” فوق ” لهدايةِ المُتَّقين.
إنّ التّبصيرَ، عندَنا، وباءٌ متنقِّل، أو لوثةٌ مُعدِيةٌ تُمسكُ بغالبيّةِ ذَوي الشّأن، حتى باتَ هؤلاءِ يتوهّمون بأنّهم من ضِلعِ أرسطو في المعرفة، والحكمة، وينسون، أو يتناسَون، أنّهم ليسوا سوى مُدَّعين، واهِمين، أو كما يقولُ عنهم مُعجَم ” لسان العرب” إنّهم خبثاءُ، فاجرون. إنّ مشروع التّبصير، في بلادِنا، رائجٌ بحُكمِ هُزالِ الفكرِ عندَ المسؤولينَ والقياديّين، ولأنّ عقولَ النّاسِ المُتقَبِّلين، جُثَثٌ متكلِّسةٌ تُهلِّلُ، عشوائيًّا، لشعاراتٍ فارغةٍ تَسبي جماجمَهم، وتستعمرُ إرادتَهم، وتنشلُ، بحِنكةٍ، حقَّهم بالمخالفةِ والتَذَمّر.
لقد تَسلَّقَ المبصِّرون، في بلادِنا، الدولةَ المترهِّلةَ المتآكِلة، ولا يزالون، ما شكّلَ، ولا يزال يشكّلُ، خطرًا على جوهرِ النّظام، بالذّات، وعلى أسسِ العلاقاتِ داخلَ بنيةِ الوطن الذي تلاعبوا في استراتيجيّةِ مشروعِه، وهزّوا صورةَ مؤسّساتِه، وزعزعوا كيانيّتَه وهويّته، وفرضوا عليه استعمارًا مشبوهًا مستَورَدًا من خارجِ خريطتِه، مُوَهِّمين الناسَ بأنّه الخلاصُ المُرتَجى. واستطاعَ أصحابُ التَّبصيرِ ترسيخَ حالةِ اللّادولة، أو الدولةِ البديلة، بوسائلَ غيرِ مشروعةٍ ضربَت العقدَ الاجتماعيّ، ومكّنَت شريعةَ الغابِ من السّيطرة، فسادَت الأنارشيّةُ التي بلا ضوابط، ما أَجهضَ ما قالَه “روسّو” من أنّ الدولةَ هي تجسيدٌ للإرادةِ العامةِ في الامتثالِ للقوانين، بدلَ الخضوعِ لسلطة القويّ.
لم يكنِ المُبَصِّرون، يومًا، مُتبصِّرين، ولا سيّما في بلادِنا، فهم مُعتَلّو الفكر، وقد هُجِّرَتِ الحكمةُ من رؤوسِهم، وأَلحقَ تبصيرُهم المُزَيَّفُ، وغيرُ البريء، الضَّررَ، والخرابَ، بالوطن، ولم تكنِ ادّعاءاتُهم المُفَخَّخةُ إلّا تقسيطًا سياسيًّا غَبَّشَ العيونَ عن حقيقتِهم الهادفةِ الى إتلافِ الدولة، وارتهانِها، وزجِّ البلادِ في حربٍ لطالما كرَّروا أنّهم، بواسطتِها، سيرمون العدوَّ في البحر، فأَتَت نتائجُها رَميَ لبنانَ في شِدقِ جهنّم.