
انعقد مؤتمر المصالحة اللبنانية في مدينة الطائف السعودية في أيلول سنة 1989 الذي لم يكن ليحدث لولا الحرب المُدمِّرة التي شنَّها جيش النظام السوري ضد المناطق الحرّة في لبنان، مُستغلاً بشكل كامل الفرصة الغالية التي قدّمها له قائد الجيش المُتمرِّد على الدستور حينها، الجنرال ميشال عون، ممّا مكّن هذا النظام من عقد تسويات إقليمية ودولية لإنهاء الحالة السيادية اللبنانية التي كانت متمرّكزة في هذه المنطقة، فاستطاع رئيس النظام السوري حافظ الأسد، وتحت ضغط نار قصف المدافع المنهالة على المناطق المُعارضة لسيطرته، ونتيجةً لتبادل أوراق التفاوض بين القوى النافذة في المنطقة، من جرّ نواب الأمّة اللبنانية إلى مؤتمر الطائف، الذين كانت دوافعهم وقف الحرب، أولاً، والبحث بالدستور الذي أثبتت الظروف بأنه بات منتهي الفعالية، ثانياً.
بعد عملٍ لأيام طوال ونقاشاتٍ في العمق واتصالات مُكثفة مع الداخل والخارج، توصّل النواب الحاضرون إلى صيغة جديدة للدستور اللبناني تؤكد على استمرار الشراكة والميثاقية بين كافة الأطراف اللبنانية. لكن، لاحقاً ونتيجةً للمُمانعة الفاشلة التي مارسها قائد الجيش المعزول عن العالم، والمُنتظر لفرصة فرض شروطه التي تأتي به رئيساً للجمهورية، قدّم لحافظ الأسد فرصة ذهبية ثانية، ليس فقط لتلقين المنطقة المُحرّرة والعاصية عليه الدرس، بل لاقتحامها وإنهاء الحالة السيادية التي كانت تعيش وتنمو فيها.
مع انتهاء مرحلة كتابة نصوص دستور الطائف اللبناني، انخفض اهتمام الدول النافذة إقليمياً ودولياً بالحالة اللبنانية، كونها نجحت في وقف المدافع، وأوجدت الحل السياسي الذي يُنهي الحالة الشاذّة التي أطلقها ميشال عون، في الوقت ذاته تخلّص نظام الأسد من الفيتو السيادي الذي كانت تمتلكه قيادة المنطقة الحرّة. وإن نجح النواب في وضع دستورٍ على الورق لا يُفرّط بالشراكة الوطنية، فقد أتى التنفيذ مختلاً من الأساس، بسبب تفرّد النظام السوري بإدارة شؤون الدولة اللبنانية مقابل الافتقاد للفريق السيادي الذي كان يأخذ المناطق الحرّة منصةً له تخوّله تأمين التوازن مع الوجود السوري في لبنان. ومع تقديم الجائزة تلو الأخرى من قبل ميشال عون للنظام السوري على حساب التوازنات الوطنية، جاء امتناعه عن تسليم السلطة للدستور الجديد، هديّة إضافية لحافظ الأسد للقضاء كلياً على الحالة السيادية، واضعاً يده على كامل السلطة اللبنانية.
إنن قوى المُمانعة المُتعاقبة منذ اتفاق الطائف، بكافة أشكالها ومصائب أعمالها التي حلّت على كاهل اللبنانيين، تمادت في إهانة مؤتمر الطائف بممارساتها وضربها لدستوره، وفي الوقت الذي نادت باحترام الميثاقية التي نصَّ عليها دستور الطائف، لم تتوانَ عن تقويض أسس الشراكة والديمقراطية الواردة فيه، متماديةً بالتنكيل بالعمل المؤسساتي، ومُعاديةً الأطراف المدافعة عن الدستور، ويستمر مسلسل عدائها في الوقت الحالي بمحاولات التفخيخ للدستور بفرض الأعراف التي تتغلّب على نصوصه. فطاولة الحوار التي يدعو لها رئيس مجلس النواب نبيه برّي، هي كناية عن تعدٍّ واضح وفاضح على الدستور، وهي خطوة سياسية تعطيلية للدستور، تماماً كما كانت خطوات التمسّك بالميثاقية التعطيلية، التي مارسها المحور لفرض أعرافه على الممارسة الديمقراطية والبرلمانية والمؤسساتية.
ما يصدر عن فريق الممانعة المؤمن بالإلغائية بطبيعة عمله، ليس مُستغرباً. لكن، التساؤل الجوهري الذي يجب طرحه على الأطراف السياسية التي تُعلن يومياً حرصها على دستور الطائف، هو عن السبب الذي يجعلها لا تُحرِّك ساكناً للدفاع عنه، لا بل تتعاون مع من يعاديه ويُمارس عدائية سياسية للتخلّص منه. فمثلما قام هذا الطرف بغزوةٍ عدائية ميدانية في بيروت في 8 أيار 2007، ومثلما قام بعدائية عسكرية بغزوة منطقة الطيّونة، فإنه بعدائية سياسية يستكمل فصول مُخططه لضرب دستور الطائف ودفن الشراكة فيه في مقبرة الأعراف المتكرّرة، ولذلك، فالموقف الحيادي الذي يقفه بعض الأطراف التي تنادي يومياً بالتمسّك باتفاق الطائف، لا يُمكن اعتباره إلا سطحية في العمل السياسي.
جاء في جريدة الأخبار في 6 أيلول 2024 مقالة بعنوان “احتلال بريطاني مُقنَّع للبنان”، ويقول كاتب المقالة، المُنعزل أصلاً في الفكر المُمانع، أي منذ ما قبل الإيرانية، إن لندن أقامت توازناً مع الوجود الروسي في سوريا من خلال مذكرة تفاهم بين الجيشين اللبناني والبريطاني، ويُضيف بأن لا منفعة للبنان من المُذكّرة، بالرغم من اعترافه في المقالة ذاتها بأن هذا التفاهم يخوّل الجيش البريطاني تزويد الجيش اللبناني بأبراج مراقبة على الحدود لضبط كل العمليات غير الشرعية التي تجري هناك، كما بتدريب فرق من الجيش اللبناني لتأهيلها لضبط الحدود كافة، وبأن لا حاجة للجيش البريطاني لقواعد استراتيجية في لبنان كون لديه قواعد في قبرص والأردن، لكنه يُعبّر عن استيائه من المذكّرة لأنها تنعكس دعماً وتقويةً للجيش اللبناني وتمكيناً لقدراته العسكرية واللوجستية لضبط الحدود الوطنية، فعبّر صاحب المقالة عن سبب استيائه، كونها تُضرّ باستراتيجية محور الممانعة المنتهك للسيادة اللبنانية.
أمّا الخطوة الأخرى التي تكشف عن استراتيجية محور المُمانعة المُعادي للدستور، فتتمثّل بالقرار الذي اتخذته الحكومة اللبنانية، الخاضعة لإملاءات محور المُمانعة، وتندرج في المجال التعليمي، حيث ذهبت إلى تنفيذه المديرة العامة بالتكليف للتعليم المهني والفني، منتهكةً القوانين اللبنانية، وفاتحةً المدارس اللبنانية الرسمية، التي يدفع تكاليف فتحها المكلّف اللبناني، لتسوية مالية تُعدُّ بيعاً للكرامة وللسيادة وللدستور، بتمكين الطلاب السوريين الذين لا يحملون إفادات قانونية للإقامة في لبنان، بالتسجيل في المدارس اللبنانية الرسمية.
كل هذه المواجهات بين المُعتدين على الدستور اللبناني وبين المُدافعين عنه، تُشير إلى السبب الذي يدفع محور المُمانعة للغضب في كل مرّة يحوز لبنان على اهتمام دولي لتدعيم الاستقرار فيه ولتقوية المؤسسات ولتمكين القوى العسكرية والأمنية فيه للقيام بواجباتها الوطنية، وفي كل مرّة يواجهه المُعارضون له بنصوص الدستور اللبناني، يوجِّه أصابعه بالتخوين والتشكيك بكافة هذه الخطوات، في حين يُشيد إعلام المحور بخطوات التدخل الإيراني في الداخل اللبناني تدعيماً للدويلة. فمقاربات أصدقاء لبنان بالنسبة للمحور، عمل عدائيّ، أمّا تلك الإيرانية، فعمل شريف.
هذا أمر ليس بمستغرب، إن قاربنا الفوارق بين اللبنانيين من المنطلقات الحقيقية لكل منها. فمحور المُمانعة العامل لأجل أيديولوجيته، يُعادي ويُهاجم أي عمل يُعيق سيطرته على الدولة اللبنانية، وأهمها مقاربات أصدقاء لبنان لتمكين الدولة ومسؤوليها من أن يكونوا فعلياً وبكل معنى الكلمة مسؤولين، أكانوا رؤساء أو وزراء أو أمنيين أو سياسيين وأحزاب. فأي مشروع دعم للقوى الأمنية اللبنانية يعني إضعافاً لقوة الدويلة، ولذلك يسعى هذا المحور دائماً لحماية الخانعين في الدولة والخاضعين لتعليماته، وهو يكذب عندما يتكلّم عن الدفاع عن لبنان، لأنه يُعادي دستوره، وأصدق كلام يقوله عندما يعترف بأن وحدته هي مع أذرع المشروع التوسّعي الأيديولوجي. يكذب المحور، بهدف تعبيد الطريق أمام مشروع ضمِّ لبنان ليُصبح ولاية من ولايات دولته الأيديولوجية.
الصراحة المطلوبة بين الفرقاء المكوِّنين للوطن، تقضي بعدم إخفاء مشاريعهم الخاصة، بل بالاعتراف بقناعاتهم المتبادلة بضرورة تغيير التركيبة، لتأتي تركيبة جديدة تحفظ الوطن، وتُجنّب البلاد الدخول في مرحلة جديدة من المواجهات التي تفتح المجال للتدخلات الخارجية لاستغلال الانشقاقات، ولتعميق الاختلافات، وتسعير الصدامات.