لم تهدأ الغارات الإسرائيلية على لبنان. هذه هي الأيام الصعبة التي نمرّ بها والتي حذّرنا مراراً وتكراراً لعدم الوصول إليها، لكن هناك من يصرّ على العبث بأمن اللبنانيين والتحكم بمصيرهم حتى باتوا نازحين بأرضهم ودُمّرت منازلهم وأحترقت أرزاقهم. لبنان الذي لا يريد الحرب، بات في صلبها يدفع أثماناً بشرية جسيمة، وأضرار اقتصادية كبيرة وكارثية.
ما حصل ليس بمثابة ضوء أخضر أميركي بحسب وصف مصادر مقربة من الإدارة الأميركية، و”لا يمكن لأميركا أن تعطي ضوءاً أخضر لأعمال أمنية كالتي تحصل في لبنان، لكن كان هناك جهود دبلوماسية حثيثة سبقت ارتفاع حدة الصراع في لبنان، وسبق للإدارة الأميركية أن أوصلت تحذيرات كثيرة طيلة فترة الصراع الدائر في غزة، بأن الوضع في جنوب لبنان لا يطمئن، وأن جبهة الإسناد يجب أن تتوقف لأن لا مصلحة للبنان فيها، والمعركة في غزة لها تداعيات منفصلة عمّا يحصل في الجنوب، لكن “الحزب” أصرّ على الاستمرار بفتح تلك الجبهة لاعتبارات تتعلق بإيران لا بغزة”.
تضيف المصادر عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني: “جولات الموفد الأميركي آموس هوكشتاين لم تتوقف إلى لبنان، وهو قام بجهود جبّارة بين إسرائيل ولبنان من أجل تجنيب البلدين ما يحصل اليوم، لكن تصلّب المواقف من الطرفين أوصل الأمور إلى التدهور، وتأزمت الاوضاع الأمنية كثيراً، وفشل هوكشتاين بكافة المحاولات مع لبنان، وعلى الرغم من أنه حذّر مراراً بأن استمرار جبهة الإسناد سيؤدي إلى ارتفاع منسوب التوتر مع إسرائيل، إلا أن الحزب لم يتجاوب مع النداءات، ومن جهتها إسرائيل، أصرّت على المواجهة لأنها تريد إعادة سكان الشمال الإسرائيلي إلى منازلهم”.
تتابع المصادر: “الموضوع ليس ضوءاً أخضر أميركي، بل هي شروط تراها واشنطن محقة، وهي انسحاب الحزب إلى ما وراء الليطاني، وتسلُّم الجيش اللبناني الحدود اللبنانية وتلك المنطقة بالتعاون مع اليونيفيل، عندها تنتهي الأزمة، لكن رفض الحزب أدى إلى الحرب التي لن تهدأ قبل تطبيق تلك الشروط التي على الطرفين الالتزام بها، وبعدها الذهاب إلى اتفاق يحترم حقوق البلدين ويعيد الهدوء إلى الجنوب وإلى الشمال الإسرائيلي، ولا مصلحة لأحد بتوسيع الصراع والتسبب بخسائر كبيرة تورّط المنطقة في حرب شاملة”.
عسكرياً، لا يزال الحديث للميدان، ولا صوت يعلو فوق صوت الغارات والمسيرات والاستهدافات، وإطلاق الصواريخ. ووسط الغبار ونيران القذائف، يبدو أن إسرائيل مستمرة بمعركة تجفيف قوة “الحزب”، وهي معركة بدأت منذ زمن وليست وليدة اليوم، بل هو صراع طويل بين إسرائيل المدعومة من أميركا، وبين إيران التي تموّل أذرعها في المنطقة لحماية النفوذ الإيراني في المنطقة.
خبراء استراتيجيون، “يفنّدون معركة التجفيف إلى ثلاثة أقسام، المال، القدرات البشرية، والقوة الصاروخية للحزب، وهذه أبرز موارد قوة الحزب التي تعمل عليها إسرائيل لتجفيف قوته وإضعافه في المعركة الحالية التي يشهدها لبنان”.
يقول الخبراء عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني: “تجفيف المصادر المالية للحزب بدأ منذ مدة، وباشرت بها واشنطن عبر فرض عقوبات قاسية على إيران وأفراد تابعين من الحزب، وهذه العقوبات أضعفت قدرات الحزب مالياً، وأثبتت فعاليتها، إذ بات محاصراُ مالياً ووجد صعوبة كبيرة في التمويل، من هنا كانت البداية ولا تزال مستمرة”.
أما القدرات البشرية، يضيف الخبراء: “يتمتع الحزب بقدرات بشرية على مستوى المقاتلين والفرق الخاصة المقاتلة كوحدة عزيز والرضوان، وهذه الوحدات هي النخبة لدى الحزب، لكنها تعرّضت لضربة قاضية نسبياُ وفقدت معظم قادتها في الاستهداف الأخير الذي قتل فيه ابراهيم عقيل إضافة إلى عدد كبير من القادة، وسبق هذا الاستهداف، مقتل فؤاد شكر قائد جيش الحزب، أما عناصر الرضوان، فتعرّضوا لاستهدافات طاولت العناصر المهمة، وهذه الاستهدافات قامت بها إسرائيل مع بداية جبهة الإسناد، إذ رصدت كافة تحركات عناصر الرضوان على الدراجات النارية وداخل سياراتهم، وقامت بتصفية أبز قادة المجموعات، وهذه كانت المرحلة الثانية من التجفيف، إضافة إلى عملية البيجر التي عزلت وحيّدت أعداد كبيرة من عناصر الحزب”.
يتابع الخبراء: “ما يحصل اليوم هو المرحلة الثانية والثالثة التي تسير توازياً مع الغارات، فالاستهدافات لا تزال مستمرة للأفراد والقادة، والمرحلة الثالثة تتضمن تجفيف قدرات الحزب الصاروخية التي تشمل أماكن تواجد وتخزين الصواريخ، إضافة إلى المنصّات المخفية والمزروعة ضمن مناطق نفوذ الحزب، وتكثيف الغارات الذي نشهده في هذه المرحلة يطال المنصات الصاروخية. لكن إسرائيل لم تكتف بهذا القدر، بل ذهبت بعيداً نحو استهداف قائد المنظومة الصاروخية في الحزب ابراهيم قبيسي”.