Site icon Lebanese Forces Official Website

صامدون ولن نترك جنوبنا..

الجنوب

كيف لبعض قرى الجنوب أن تصمد وسط هذا الهول العبثي غير المسبوق، وذاك الموت المجاني اللامحدود؟ أصلا هل ما زال في الجنوب المدمر ذاك، قرى صامدة؟ كيف تصمد الحياة وسط إزهاق الأرواح، وأعمدة الرماد وتلال الركام المتراكم؟ “عم نجرِب قدر المستطاع نصمد بضياعنا يا رفيقة حتى ما نخسر كل شي بمجرد إنو نفل” يقول شادي حداد رئيس مركز عين إبل في “القوات اللبنانية”.

لا نزوح من عين إبل حتى الساعة. فالبلدة الجنوبية المحاصرة بنيران القصف اليومي العنيف، المتبادل بين “الحزب” واسرائيل، تتحايل على الخوف، تتحايل على الأمر الواقع الدموي، لتفرض على نفسها واقع الصمود والقوة المستمدة من روح الرب، ومن قوة الأهالي وإيمانهم بأرضهم. “إذا فلينا بتخرب الضيعة وبتصير ركام، نحن أيضًا نقاوم، فمواجهة الظروف المستحيلة هي مقاومة بحد ذاتها، وأهل الضيعة أبطال بكل ما للكلمة من معنى، ما بدن يفلّوا لو شو ما صار عليهن، نحن نحاول تأمين مقومات الصمود حتى ما تصير الضيعة ملفى التهجير والغياب والدمار” يقول حداد.

حتى اللحظة تمكّن أهالي الضيعة الجنوبية وشباب وصبايا “القوات اللبنانية”، من تجاوز كل العقبات، وسط ظروف أكثر من قاسية، يتحكم فيها الموت والدمار وشبح التهجير القسري في أي لحظة. يعيش أهالي عين ابل مشاعر الخوف الشديد على مصيرهم، ولكنهم يواجهون باليقظة الدائمة، والتنبّه لكل التفاصيل الخطيرة التي تحاصرهم، وسط مشاهد وأصوات القصف الشديد الذي يطال القرى المجاورة، والتي تحولت في غالبيتها لمنصات صواريخ متنقلة بين البيوت، ما جعلها هدفًا سهلًا للوحشية الإسرائيلية، لكن في قرى عين إبل ودبل ورميش مثلًا، حيث منع أهل الضيعة تنقل المسلحين بين البيوت ونصب الصواريخ، نجت تلك القرى من الدمار الشامل باستثناء البساتين، وتحديدًا بساتين الزيتون التي احترقت في غالبيتها وانتهى الموسم على أمه، كما يقولون، بعدما استعملها الحزب كمنصات ومرابض مدفعية.

“نحرس الضيعة ليل نهار، ونجول بين البيوت لنطمئن أن لا مسلحين بيننا، واجباتنا حماية الضيعة، ونتعاون مع الفاعليات كافة لتأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة الضرورية”، يقول شادي حداد. حتى اللحظة كل الاحتياجات الضرورية موجودة، ابتداء من الدواء المتوافر في الصيدليات القريبة، وصولًا الى الاحتياجات الغذائية وسواها. “أحيانًا بيصير عنا مشكلة تأمين الخبز، لكن بالتعاون مع جارتنا رميش، حيث افتتح فرن حديثًا، تخطينا هالعقبة. نحنا ورميش ودبل، حتى اللحظة صامدين، لن نترك منازلنا ما دمنا قادرين على البقاء، نتأسف لما يجري في القرى المجاورة التي نزحت بالكامل وتعرضت للقصف الشديد، لأن ثمّة مرابض مدفعية بين بيوتها، لكن نحن تصدّينا لتلك المنصات ورفضنا نصبها بين بيوتنا، ونحاول أن نتعاون مع بعضنا قدر المستطاع لإنقاذ الوضع، فنحن وسط النار والقصف من حولنا مخيف، أهل تلك القرى تركوا منازلهم التي تدمرت في غالبيتها وصاروا نازحين ببلدهم، مش حرام يصير فيهن وفينا هيك؟ ومع ذلك ما دام بإمكاننا الصمود سنقاوم ولن نترك أرضنا وقرانا”، يقول رئيس مركز عين إبل.

في بلدة رميش الجنوبية، ابنة الستة آلاف نسمة، لا يختلف الوضع عن عين إبل ودبل وسواها مما تبقى من القرى الجنوبية الصامدة، وسط ذاك الهول العبثي المجاني. وكما بقية القرى المقاومة، تخترع رميش الحياة وسط الموت، تتحايل على الأزمات، ومن لا شيء تطرز حكاية صمودها حبكة حبكة، كي لا تغرق كما غالبية قرى الجنوب الجريح ذاك، في هول النزوح والدمار “نقاوم نقاوم نقاوم يا رفيقتي، ولا خيار لنا سوى الصمود في أراضينا، وللمقاومة وجوه كثيرة، نحن نقاوم كي تبقى لنا قرانا تنبض بالحياة” يقول غابي الحاج رئيس مركز رميش في “القوات اللبنانية”.

وأيضًا حتى اللحظة، تعيش رميش الجنوبية إكتفاءها الذاتي من كل شيء، بسبب تكاتف أبناء الضيعة، والتعاون فيما بينهم كي لا ينقصهم أي شيء “الحمدلله الدواء موجود والمواد الغذائية والمحروقات متوافرة، حتى اللحظة مكتفيين من كل شيء، المهم الا يطالنا القصف المباشر كما بقية القرى المجاورة للأسف” يقول الحاج. كل ليلة تعيش الضيعة مشهدية القصف المتبادل، وتشهد على اعتراض المسيرات والصواريخ مباشرة على الهواء فوق سمائها، “ننام ونصحو على أصوات الصواريخ والمدافع، ولو لم نعترض على نصب الصواريخ بين البيوت كما حاول الحزب فعله بداية الحرب، لتحولت رميش الى ركام، لكنهم يقصفون أحيانًا من بين البساتين، قيأتي الرد مباشرة، لذلك احترقت البساتين كافة وانتهى موسم الزيتون الجنوبي الطيب. لكن معليش المهم أرواح الناس والا تتدمر الضيعة” يقول الحاج.

الحراسة هناك لا تتوقف، اذ يتناوب شباب الضيعة على حماية قريتهم، بالتعاون مع القوى الأمنية الموجودة هناك. “لا خيار لدينا سوى الصمود وتأمين مقومات العيش الكريم لبعضنا البعض. لن نترك أرضنا لأحد، ولن نقبل أن تتحول الضيعة الى منصة صواريخ. من حقنا الحفاظ على أرضنا وأهلنا وكرامتنا قبل الكل” يقول غابي الحاج.

هذه حكاية بسيطة بتفاصيلها، كبيرة بمعانيها، من حكايا صمود كثيرة وعظيمة في ذاك الشريط الحدودي المضرّج بالفوضى وغياب الدولة، واستباحة حياة الناس وممتلكاتهم، واستباحة وطن بأكمله، لأجل قضايا أوطان غريبة هجينة، من خارج تلك الحدود التي ستبقى مقدسة، وستبقى لنا، رغم كل تلك الاستباحة، رغم كل ذاك الموت والدمار المجاني المريع.

إقرأ أيضًا

Exit mobile version