
لا نفشي سرًّا إن قلنا أمام تطورات الأسبوعين الأخيرين، أن الصدمة الكبرى كانت القاسم المشترك بين اللبنانيين مؤيدين لـ “الحزب” وموالين ومنتسبين، وبين العرب والمسلمين جميعًا ممانعين منهم ومعتدلين، وبين الغربيين من مؤيدين للقضايا العربية ومن مؤيدين لإسرائيل.
لا نفشي سرًا إن قلنا بأن الصدمة تأتت من “الهالة” القدسية التي رسمها “الحزب” لنفسه عن “تماسكه” و”حديديته” وقدراته العابرة للحدود، “إنقاذًا” للنظام السوري وتوجيهًا وتدريبًا لليمنيين والعراقيين والأفغان والبوسنيين، ووعدًا صادقًا بالدخول الى الجليل، ومع الصدمة التي تأتت من ما رسمه “الحزب” عن وهن العدو الإسرائيلي واستسهال وحتمية تدمير وإزالة “البيت العنكبوتي” قريبًا جدًا جدًا والصلاة في المسجد الأقصى والقدس الشريف.
إن الصدمة الكبرى التي وقعت على رؤوس اللبنانيين ولا سيما منهم أبناء بيئة “المقاومة” والموالين لـ”الحزب” والمنتسبين، هي في ما كان رسّخه “الحزب” في رؤوس هؤلاء وقلوبهم من قناعة وإيمان وثقة، بقدرته على ردع العدو وحماية لبنان وشعبه وشعب المقاومة، وعلى فرض توازن الرعب مع الإسرائيلي، مما يمنعه من الاعتداء أو التمادي فيه، لتطيح “الاحداث” ولا سيما “تطورات” الأسبوعين الأخيرين التي كشفت عجز “الحزب” عن حماية قادته وكوادره وعناصره وشعبه وبيئته من التصفية والاختراق والتدمير والاحتراق.
في الحديث عن صدمات المؤيدين لـ”الحزب” قبل الخصوم، نشير الى ما دفع “الحزب” الغالي والنفيس من أجله وعلى طريقه، وما أسماه محوره “وحدة الساحات” برعاية وحماية إيرانية مبدئية. وبعد أن جدَّ الجد في تخطي الخطوط الحمر والحدود القصوى في الغارات والاستهدافات، غسل بيلاطس الإيراني يده من دم هذه الذراع وهذا التابع المسانِد، وتركه وحيدًا من دون مساندة، مع ما استتبعه ذلك من تمادي للعدو المُطمْأَن المطمئن.
أما ما صدم كذلك الى حد الإحباط واليأس، فيُقرأ في مجريات أحداث الأيام الخمس من “سهام الشمال” التي أطلقتها إسرائيل على لبنان وجنوبه وبقاعه وكافة الأراضي اللبنانية، مرورًا بجبل لبنان وصولًا الى الضاحية الجنوبية من بيروت؛ فبعد أن قال نصرالله في خطاب له في 24 آب 2009 “سنضرب تل ابيب إذا ما ضربت إسرائيل الضاحية”، وفي خطاب له في 25 تشرين الثاني 2012 وأمام حرب مثيلة يومها كانت تدور رحاها في غزة، “ان مواجهة غزة أثبتت أن اسرائيل أوهن من بيت العنكبوت”… وبعد أن سأل مهددًا مؤكدًا أن “إسرائيل التي هزها عدد من صواريخ فجر-5 لا يتعدى أصابع اليد، كيف ستتحمل آلاف الصواريخ التي ستنزل على تل أبيب وغير تل أبيب إذا اعتدت على لبنان؟”، ها إن “الحزب” وبعد مرور ما يناهز العام على إشعال جبهة المساندة والاغتيالات والاعتداءات والخروقات والغارات والجرائم الإسرائيلية وخصوصًا بعد استهداف الضاحية لأربع مرات، امتنع نصرالله وحزبه طيلة تلك الفترة وعَجَز بعد طول انتظار وتكرار الإنذار مؤخرًا، عن إيصال صاروخه الوحيد اليتيم “قادر 1” الى هدفه المنشود في تل أبيب، حارمًا حزبه وبيئته ومحوره من النصر المبين الموعود بآلاف الصواريخ المتساقطة على تل ابيب.
إن توالي الصدمات على “الحزب” دفعت الى القراءة في أرقام ونتائج ما جرى في الأيام القليلة الأخيرة ومقارنتها مع نتائج الثلاثين يومًا من حرب تموز 2006، لنخلص أن خسائر الأيام الأخيرة المتمخضة عن قرار “الحزب” بالمساندة والمشاغلة في 8 تشرين الأول 2023، تساوت لا بل ضاهت خسائر الأيام الـ33 المتمخضة عن قرار خطف الجنديين الإسرائيليين في 12 تموز 2006 والذي ندم عليه نصرالله بـ”لو كنت أعلم”، إذ إن أرقام تموز يومها أشارت الى 1191 قتيل وأكثر بقليل من 5000 جريح معظمهم من المدنيين، في حين أن نتائج مساندة “الحزب” مضافة الى “تسديدات” سهام الشمال، أفضت حتى تاريخ 26 أيلول 2024 الى 1540 قتيل و5410 جرحى، قسم كبير منهم من المقاتلين والمسؤولين من “الحزب” والحلفاء. ناهيك عن العدد المضاعف أضعافًا عن الـ2006 في تدمير القرى والأبنية وتلف المزروعات والخسائر الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة.
هذه الأرقام الصادمة مع قسوة مضامينها، يؤمل أن توقظ بمعانيها من يغفل عن حقيقة ما يُدّعى من سرديات وما يُدَغدَغ من أحلام وأوهام، على ما بينته الوقائع والأرقام… وهذا ما كشفه نائب أمين عام “الحزب” الشيخ نعيم قاسم في 14 ايلول 2024 في زلة لسان “Lapsus” تعبر عن المعنى الحقيقي لما جرى في الأيام الخمس الأخيرة وما كان “يعلمه” مسبقًا، إذ قال: “ليس لدينا خطة للمبادرة في حرب لأنَّنا لا نجدها ذات جدوى”…
.jpg)