#dfp #adsense

حمل يسوع صليبَه عنّا

حجم الخط

الله

حمل يسوع صليبه عنّا قاصدًا مجدَ أبيه السّماويّ غيرَ آبهٍ بحكم بيلاطس ولا بجلبة الجند من حوله. سار باتّجاه مجد الآب عبر طريقٍ رسمها الإنسان بشرِّه وحقدِه، لكنّه الربّ وهو حاملٌ قوّة الله على منكبيه، مشى وسط عويل العسكر بخطىً ثابتةٍ وهو كليّ الثقة أنّ الله سيعطي الحرّيّة لأبنائه. أراد تحقيق مشيئة الله على الرغم من رفضِ أعلى سلطات الرومان واليهود معهم لذلك، وقف بوجههم على الجلجلة لا استسلامًا لقرار حقدهم، بل ليعلم الجميع أنّ الله أبٌ ومحبّة، ولن يترك أبناءه تحت رحمة إنسانٍ مهما علا شأنه، وهو سيغمرهم بأبوّته ويرعاهم بعيدًا من خطر الضواري. صُلب يسوع ومات على الصليب لكنّه قام في اليوم الثالث، واضِعًا بقيامته حدًّا لحكمِ الإنسانِ على أخيه الإنسانِ حتّى لو ادّعى أنّه باسم الله يتكلّم.

هكذا أحبّنا الربُّ يسوع يوم حمل صليبَه بنفسه عنّا، ولهذا نكرم صليبه في الرابع عشر من شهر أيلول، كونه أصبح قوّةَ محبّة الله الآب، بعد أن كان علامة خزيٍ وعار لدى الرومان واليهود، الّذين حكموا على يسوع بالصلب لأنّه أراد مغفرة خطايا العالم، وهو الربّ الّذي يضع أحباءه في عمق قلبه، جعل من الصليب أداةً لمغفرة الخطايا، وخصوصًا عندما اعتبر أنّ صالبيه لا يدرون ما يفعلون. لذا أصبح الصليب حاميًا للبشريّة ودينونةً لمن لا يعترف به علامةً لقوّة الله. نكرّم الصليب لأنّه يذكّرنا دائمًا بأنّ يسوع قام من الموت ليخزيَ أعداء الإنسان، بحضوره الدائم وسط أحبّائه. يدفعنا على الدوام لحمل أحبّائه في قلوبنا حتّى أولئك الّذين يرفضون الاعتراف بأنّ الله أبٌ، لأنّ قلبه يحنو دائمًا على أولاده.

نعيّد ذكرى ارتفاع الصليب المقدّس على يد القدّيسة هيلانة وابنِها قسطنطين الملك، إحياءً لتقاليدنا المسيحيّة الشرقيّة الّتي قارب عمرها ألفًا وسبعماية سنة (326 م)، وهذا ما يذكّرنا بصلابة الإيمان المسيحيّ في قلوب هذه الشعوب المضطهدة دائمًا، لا لخطيئة ترتكبها، بل لأنّها دائمة الحضِّ على المناداة أنّ الحرّيّة الدينيّة أساسٌ مكوّنٌ للإنسان المؤمن. ويذكّرنا أيضًا أنّ الله حاضرٌ وسط شعبه وأنّ مشيئته آتيةٌ حتمًا حيثما يكون الإنسان ساكنًا. بالإضافة إلى ذلك تعيّد جميع الكنائس المسيحيّة هذا العيد المبارك لأنّها كلّيّة الإيمان، بأنّه تذكارٌ لقوّة الله الّتي غلبت الحقد والبغض والموت بالقيامة ومغفرة الخطايا، وكون الربّ يسوع حمله بإرادة منه من دون أن يطلب المساعدة من أحدٍ، ولم يقبل أن تُجاز عنه تلك الكأس، ليحقّق مشيئة الله على الأرض، يوم كان حكّامُها يعتقدون أنّهم قادرون على تغيير حرفٍ واحدٍ منها.

نحمل في ضميرنا ووجداننا هذا التقليد المسيحيّ التاريخيّ لحضور الله الدائم وسط شعبه، لأنّ الله للإنسان أبٌ، يعيش معه في حاضره ومن خلال صيرورته اليوميّة، ولا يتنكّر لتاريخ الإنسان، لأنّه ابنُه وتاريخه يعبّر عن مسيرته تحت رعايته القدّوسة وبركته. على الرغم من أنّ الابن يقترف الهفوات ويحاول التفلّت من قيود أبيه، لكنّه لا يستطيع الابتعاد كثيرًا عن البيت الوالديّ، كون قلبه لا يخفق خارجًا عن قلبِ أبيه السماويّ، فيعود مسرعًا إلى حضنه الأبويّ، لا خوفًا على مصيره وحسب، بل لأنّه الولد الأحبّ على قلبه القدّوس. في المقابل هناك كثيرون يحاولون العيش خارج الحظيرة، يدّعون النبوّة وحصريّة الله، يعيثون في الأرض فسادًا وقتلًا، لكنّهم سيتيهون خارج الحظيرة، ولكلّ واحدٍ منهم وقته، لأنّ الصليب مغروسٌ على باب الحظيرة، ويد الله تقبض على مفتاح ذاك الباب. هذا هو التاريخ الّذي تعلمناه والّذي نعيشُ آثاره اليوم، فكما كان حضوره الدائم بين شعبه ظاهرًا للعيان، نشعر به اليوم ونتلمّس آثاره الفاعلة في صيرورتنا اليوميّة، ولن يكون لنا مسقبلٌ خارجًا عن إرادته أو بعكس مشيئته.

يأتي عيد الصليب المقدّس هذه السّنة، والشرق الأوسط حيث مهد المسيح ومكان ارتفاع الصليب يصارع الدمار والتهجير والموت، معظم البلدان العربيّة تحاول النجاة من أتّون نارٍ فُرِضَ عليها من جرّاء حروبٍ من كلّ حَدَبٍ وصَوبٍ، تحت ستار الدفاع عن اسم الله وتحقيقًا لإرادته. بيدَ أنّ الله براء من كلّ هذه الإدّعاءات، فهو أبٌ لا يرضى موت أبنائه ولا يرغب في أن يعيشوا مأساةً لا طائل لهم فيها. فهو أراد من القدس أن تكون “أورشليم” مدينة السلام ومسكنًا له، حيث يأتي إلى خاصّة شعبه مهما كانت ميولهم ومشاربهم، فهو الله الخالق وهو إله الجميع وهم له شعبٌ، وهو راعيهم الصالح وهم له نعاجٌ تسمع صوته وتتبعه حيث يكون. لذا لا بدّ أن يكون الله اليوم حزينًا على هذه المأساة الّتي لا أفق نجاةٍ لها في الوقت الحاضر، قد بلغ منسوبها أقصى نسبةِ شرٍّ لدى الانسان، إنّها حقدٌ صلبٌ لإنسان أراد أن يكون قاتلًا لأخيه الإنسان من أجلِ غريزة التسلّط، ولكنّه جلب بهذا الخراب لبيته والموت والحزن لعائلته، أمّا هو فيذهب بذلك إلى ظلمة الموت والدمار الذاتيّ حيث لا بصيصَ نورٍ له.

أمّا المؤمن الساكن في هذا الشرق الحزين فينتظر تجلِّي وجه الله، ليرفع الحزن عن قلوب الأمّهات الحزانى على فقد فلذات قلوبهن، وليكفكف الدموع من أعين الثكالى، ويقوّي إرادة البناء لدى الشباب، ويعيد النخوة إلى الآباء، وليعود الشرقُ وطنًا نهائيًّا للعيش المشترك حيث يعبد كلّ إنسان الله بحسب ما يُملي عليه ضميره، فيعيش الجميع إخوةً بالإنسانيّة ويتمتع كلّ واحد منهم بحرّيّته الدينيّة. ونحن لنا كلّ الرجاء والثقة بأنّ مشيئته ستأتي حتمًا، لأنّه كما في الأمس كذلك اليوم سيحمل يسوع صليبه عنّا.

كتب الأب مارون عوده في “المسيرة” ـ العدد 1757

 

إقرأ أيضًا

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل