

عندما بدأت تتوالى الأخبار فجر يوم السبت 7 تشرين الأول عن توغُّل حركة “حماس” داخل إسرائيل، وترافقت هذه الأخبار مع صور وفيديوهات تُظهر حجم التوغُّل وحالة الانهيار داخل الجسم العسكري الإسرائيلي والمجتمعي، استغرقت هذه المسألة بضع ساعات حتى بدأ العالم يستوعب الحدث المزلزل الذي أدخل عملية “حماس” في التاريخ، إذ لم يكن هناك من يتوقّع هذا الاختراق النوعي، إن بسبب صورة الردع الإسرائيلية، هذه الصورة التي تشوهّت ولا بل تدمرّت، أو بفعل الانطباع أن “حماس” أعجز من القيام بعملية متقنة من هذا النوع كانت متوقعة من “حزب الله” لا من “حماس”، فضلاً عن أن العلاقة بين الحركة والإدارة الإسرائيلية كان يسودها التطبيع في ظل اطمئنان إسرائيلي للحركة من زاوية أن أولويتها حكم غزة ومواجهة السلطة الفلسطينية لا إسرائيل، وهذا ما كان يستفيد منه بنيامين نتنياهو لإسقاط حل الدولتين، الذي لا يريده، بإرادة فلسطينية.
وتُعتبر عملية 7 تشرين من العمليات التي تدخل التاريخ على غرار أحداث 11 أيلول كون ما حصل في هذا النهار غير مسبوق عالميًا ويخرج عن سياق الحروب الكلاسيكية، حيث فوجئت الولايات المتحدة – ومن خلفها العالم – بنقل حي على شاشات التلفزة لصور طائرتين مدنيتين مختطفتين تخترقان جدران برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك فتسويانهما ومن فيهما بالأرض، وبطائرة أخرى تصدم أحد أجنحة مبنى وزارة الدفاع (البنتاغون) في واشنطن فتلحق به أضرارًا بالغة، وبالتالي ما حصل في 7 تشرين الأول بمسمى “طوفان الأقصى” يندرج في سياق المحطات التي تحفر عميقاً في التاريخ، لأن أحدًا لم يكن يتوقّع أن تنجح “حماس” في عملية عسكرية نوعية تخترق فيها العمق الإسرائيلي، خصوصًا أن المهاجم ليس دولة، إنما مجرّد تنظيم داخل بقعة جغرافية ضيقة وتحت السيطرة الإسرائيلية، كما لم يكن هناك من يتوقّع بالمقابل هذا الخلل الكبير في الجيش الإسرائيلي خلافاً للصورة التي قامت عليها إسرائيل والمتمثلة بقوة جيشها كضمانة لوجود شعبها، وما هو أهم من توغُّل “حماس” داخل إسرائيل كان ضرب صورتها القائمة على القوة والردع، وهذا ما يفسِّر قرار بنيامين نتنياهو بعدم وقف الحرب قبل أن يستعيد هذه الصورة التي من دونها يهاجر الشعب الإسرائيلي الذي يتعامل مع 7 تشرين كـ”نيو هولوكوست”، إذ إن هذه العملية هزّت الكيان الإسرائيلي بعمقه وأحيت صور الهولوكوست في عقله الباطني.
وعلى غرار أحداث 11 أيلول التي أيقظت المارد الأميركي فاندفع في عملية عسكرية أدت إلى إسقاط نظامي طالبان وصدام وهزّت خارطة الشرق الأوسط برمتها، اندفعت إسرائيل في عملية عسكرية عنوانها إخراج “حماس” من غزة، أي أن الحركة التي دخلت التاريخ في عملية “طوفان الأقصى” أرادت تل أبيب إخراجها من الجغرافيا، أي من جغرافية غزة.
والمصطلح الذي أدخلته هذه الحرب تمثّل بـ”اليوم التالي”، والمقصود ماذا عن اليوم التالي للحرب، ومن الواضح أن “حماس” التي أعدّت عمليتها بإتقان شديد لم تفكِّر باليوم التالي، لأنها لو فكرّت لما أقدمت على “طوفان الأقصى”، أو أنها لم تكن تتوقّع غياب الدفاعات الإسرائيلية والانهيارات السريعة والمتتالية وكانت تعدّ لعملية نوعية لا يتعدى الردّ الإسرائيلي عليها حجم الردود التي عايشتها الحركة في أكثر من محطة ومواجهة.
وشكل حجم “طوفان الأقصى” مفاجأة لحلفاء “حماس” وخصومها في آن معًا، وإذا كان يحيى السنوار وقع في خطأ تقدير حجم العملية وردّ الفعل الإسرائيلي عليها، لأنه على الأرجح لم يكن في وارد الانتحار، فإن السيد حسن نصرالله الذي أعلن الحرب في اليوم التالي مباشرة وقع في سوء التقدير نفسه، لأنه بدوره لم يكن في وارد الانتحار، والدليل أنه أعلنها حرب إسناد وليس حربًا مفتوحة ظناً منه أنه سيكون في وضعية رابح-رابح، فيحفظ ماء وجهه بأنه لم يبق خارج مواجهة لقنّت الجيش الإسرائيلي درسًا عجز عنه الحزب نفسه، ويُبقي المواجهة ضمن قواعد إشتباك لا تنعكس على وضعيته العسكرية ويستطيع بعدها العودة إلى ما قبل 8 تشرين.
وإذا كان السنوار قد أخطأ في تقدير الردّ الإسرائيلي، فإن نصرالله أخطأ في دخوله المتسرِّع في الحرب، وأخطأ في قدرته على إبقائها ضمن قواعد اشتباك مضبوطة، وأخطأ بأنه واصل الحرب على رغم العروض الأميركية للخروج منها، وأخطأ في تقدير قوته مقارنة مع القوة الاستخباراتية الإسرائيلية غير المتوقعة، وأخطأ بحساباته بأن ما بعد الحرب سيكون كما قبلها، وأخطأ بانه أعاد للجيش الإسرائيلي قوة الردع التي خسرها مع “حماس”، فيما الإسرائيلي الذي وضع هدف تدمير قوة “حماس” العسكرية وإخراجها من غزة، وضع هدف إبعاد “حزب الله” 10 كلم عن الحدود، وهذا الإبعاد لا يُعدّ حتى تنفيذاً للقرار 1701 الذي ينص على خلو جنوب الليطاني كله من أي سلاح غير شرعي، وبالتالي كان من مصلحته السير في هذا الطرح، ولكنه أقفل أبواب التفاوض كلها رابطاً أي خطوة عملية بعد وقف إسرائيل حربها في غزة، علما أن الحرب انتهت عمليًا، والتسوية بحاجة إلى ظروف موضوعية لن تتأمّن قريبًا في ظل تعقيدات المشهد واللحظة والمرحلة، وغزة اليوم على غرار سوريا التي انتهت فيها الحرب وما زالت بانتظار التسوية.
وقد فوّت “حزب الله” فرصة وقف الحرب على نفسه وعلى البلد في سوء تقدير سياسي غير مفهوم، علما بأنه في العام 2006 وعندما وجد أن ظروف الاستمرار في الحرب لم تعد مناسبة فعل المستحيل لوقفها ووافق على توقيع القرار 1701، ووضعه اليوم أصعب من الحرب السابقة، فسوريا التي شكلت عمقه الإقليمي خارج مسرح الصراع، والولايات المتحدة عطلّت الحركة الإيرانية العسكرية، ووحدة الساحات سقطت ساحة تلو الأخرى، وتذكيرًا أنه في حرب 2006 كان معه قاسم سليماني وعماد مغنية، وبالتالي وضعية الحزب الجيو ـ سياسية ليست لمصلحته، ووضعيته العسكرية تلقّت ضربات موجعة منذ بدء الحرب في اغتيالات لكوادره لم يكن يتوقعها، وصولاً إلى محطة 17 أيلول التي تندرج في سياق المحطات التي تدخل التاريخ على غرار 11 أيلول و7 تشرين، إذ ما حصل غير مسبوق كونيًا في الحروب كلها، وعلى رغم التفوّق الإسرائيلي التكنولوجي الظاهر في الحرب التي بدأها “حزب الله” منذ 8 تشرين الأول ولم يكن يحسب حسابًا لهذا الجانب الذي وضع كوادره في مرمى الاستهداف الإسرائيلي، ولكن لم يكن لا الحزب ولا أحد ليتوقع أن يتمكّن الجيش الإسرائيلي بكبسة زر واحدة من أن يستهدف آلاف المقاتلين في الحزب وفي الثانية نفسها.
ووقع الصدمة الذي خلّفته عملية 7 تشرين على المجتمع الإسرائيلي هو نفسه قد خلّفته عملية 17 أيلول على مجتمع “حزب الله”، والاستهداف الأكبر في المحطتين، 7 تشرين و17 أيلول، هو معنوي، وتذكِّر بوقعها مثلاً بالقنبلة الذرية على هيروشيما في نهاية الحرب العالمية الثانية، وباستهداف الجيش الإسرائيلي للطائرات الحربية المصرية الجاثمة على مدارجها عشية حرب عام 1967، الأمر الذي تسبب في خسارة مصر للحرب، ولا بدّ من أن يشكل هذا التطوّر الكبير الذي تلاه ضربة لأجهزة اللاسلكي ومن ثم ضربة لـ”قوة الرضوان” وبعدها للحرب الموسّعة، إلى منعطف أو تحوّل يقود سريعًا إلى إنهاء الحرب في ظل عدم امتلاك “حزب الله” للقدرة العسكرية ولا للعمق الجيو ـ استراتيجي، وقد بدأت مع 17 أيلول مرحلة عسكرية جديدة وقد تكون الأخيرة.
وإذا كان أحد أهداف “طوفان الأقصى” أن يتوسّع دور محور الممانعة في المنطقة، فإن الطوفان أدى إلى تقليص هذا الدور، فلا “حماس” ستبقى في الوضع الذي كانت عليه قبل 7 تشرين، ولا “حزب الله” سيبقى في الوضع الذي كان عليه قبل 8 تشرين، ولا إيران نفسها ستستمر في الوضعية نفسها في الشرق الأوسط، لأن الهدف الثالث وهو الأول لإسرائيل يتمثّل بالدور الإيراني الذي يشكل الرافعة للأذرع ودورها في المنطقة، وتغيير هذا النظام او إسقاطه سيكون كفيلاً بإسقاط الأذرع تلقائيًا وتغيير دورها.
فالمحور الإيراني الذي كان يتوسّع بشكل تدريجي مستفيدًا من غض نظر أميركي وحتى إسرائيلي أقحم نفسه بحرب ضد نفسه وقد تشكل إبادة لهذا المحور الذي لم يعد يشكل قلقاً للدول العربية والخليجية تحديدًا، إنما أصبح وجوده يشكل تهديدًا لوجود إسرائيل التي اعتبرت أن استمراريتها تستدعي التخلُّص من هذا المحور، وأن التعايش الذي استمر لعقود لم يعد ممكناً بعد “طوفان الأقصى”، وبالتالي استمرار وجود إسرائيل يستدعي عدم استمرار محور الممانعة.
فبعد سنة على الطوفان الذي كان الغرض منه أن تطوف إسرائيل ويشكل بداية لنهايتها، شكل الطوفان بداية لنهاية محور الممانعة، ولا شك أن الطوفان سيشكل عاجلا أم آجلا بداية لإعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط على أسس جديدة.
شارل جبور ـ رئيس جهاز الإعلام والتواصل في “القوات اللبنانية”
“المسيرة” ـ العدد 1757
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]