من حَبك خيوط هذا الوطن حبكةً حبكة، ليس فقط منذ عام 1920، بل منذ تأسيس نواته الأولى في الجبّة ووادي قنوبين ووادي التيم وجبل عامل، ثم الإمارة المعنية ولاحقاً الشهابية وما بعدهما، وصولاً إلى لبنان اليوم، لم يحبكه اعتباطياً، ولا ارتجالياً، بل هو عمل الروح فيه، روح الحرية والإيمان والإرادة، الكد، الجهد، الجد، العلم، العمل، المثابرة، التضحيات، الصبر والجلَد على الظلم بكل أشكاله وأنواعه ومصادره.
لم يُسمّه المستشرقون المتنورّون “الوطن الملجأ” عن عبث، بل بعد طول بحثٍ وتأمل وتنقيبٍ في التاريخ والجغرافيا والسوسيولوجيا والدين، فعندما انوجد فيه قسمٌ من الموارنة والمسيحيين الآخرين ولجأ إليه قسمٌ آخر منهم لاحقاً، كان ثمة امبراطورية مسيحية مترامية الأطراف على مرمى حجر منهم اسمها بيزنطيا، ومعها أيضاً ممالك صليبية في فترةٍ زمنية متزامنة؛ وعندما انوجد فيه قسمٌ من الشيعة والسنّة والدروز، ولجأ إليه قسمٌ آخر منهم، كان ثمّة دول ودويلات وامبراطوريات شيعية وفاطمية وسنّية من المحيط إلى الخليج، وكان الفرس بنسختيهما المجوسية والإسلامية يُحسب لهم الحساب في الشرق.
لكن مع ذلك، فضّل الموارنة شظف العيش في جبالهم على رغده في كنف الممالك المسيحية؛ وفضّل الشيعة والدروز اللجوء إلى جبال عامل ووادي التيم الوعرة والتحصّن فيها، على العيش في كنف الممالك والدول الشيعية والصفوية والاسماعيلية، حفاظاً على تمايزهم وحريتهم؛ ولم يرحل السنّة مع كل خلافةٍ إسلامية استوطنت لبنان، بل رحلت هي وبقي السنّة في هذه الأرض التي أحبتّهم وأحبّوها.
صحيحٌ أن الشيطان لعب في رأس هؤلاء جميعاً بين الحين والحين عبر التاريخ، فانخرطوا في موازين قوى إقليمية ودولية، لكنهم ما لبثوا أن عرفوا أن الدول الإقليمية الكبرى تُبدّي مصالحها الخاصة عليهم، وتبيعهم ما أن تقتضي مصالحها بذلك، ففرنسا باعت يوسف بك كرم البطل الماروني اللبناني عام 1866 لأن رؤيته لاستقلال لبنان تضاربت مع مصالحها السرّية مع العثمانيين، وقبلها في أواسط القرن الثاني عشر شنّ الصليبيون حملةً شعواء على موارنة الجبّة لأنهم لم يهضموا فكرة الليتنة دينياً وثقافياً، بل فضّلوا الحفاظ على حضارتهم المشرقية ممانعين الانخراط في مشروع الصليبيين؛ والعشائر الحمادية الشيعية التي تُشكّل قسماً كبيراً من العشائر البقاعية الشيعية، خرجت على شاه العجم في إيران وتمرّدت عليه لأنه قررّ تقييد حريتها، فالتجأت إلى جبال لبنان وسهوله قبل مئات السنين صوناً لما تؤمن به، أما شيعة جبل عامل وعلمائه فكانوا أساس المذهب الاثنا عشري في وقتٍ كان الفرس الصفويون ما يزالون شيعة بكتاشيين، وفضلُ الأوّلين دينياً وحضارياً وعلمائياً سابقٌ بكثير على الأخيرين؛ والدروز قاوموا الاسماعيليين في بداياتهم ولاحقاً كل الامبراطوريات الإسلامية وفضّلوا أن يكونوا معزولين جغرافياً في جبالهم على أن يساوموا على حريتهم وإيمانهم، فكانوا مع الموارنة أول من قال بلبنان أولاً؛ والسنّة قاسوا الأمرّين من العثمانيين مثلهم مثل بقية اللبنانيين، ومع المنظمات الفلسطينية والنظام السوري صارت مناطقهم سوق عكاظ للفوضى والقتل والاغتيال، فطردوا المشاريع العروبية والقومية من رؤوسهم ونادوا بلبنان أولاً، بدايةً مع بشير الجميّل في 21 يوماً من رئاسته، قبل أن يُكرسّوا هذا الشعار بالأفعال والأقوال مع رفيق الحريري وابنه سعد الحريري من بعده.
لبنان ليس مزحة، ولا هو صدفة تاريخية وجغرافية، بل هو الثابت بثقافته الجامعة المرنة الغنيّة بكل الثقافات، وهو ملجأ الحرية عندما تقرر الدول الإقليمية والكبرى أن تصادر قرار حلفائها الطائفيين على أرضه تحت طائلة بيعهم في سوق النخاسة، وهو الباقي لأن نظامه الديموقراطي الحرّ قابلٌ للتطوير باتجاهاتٍ تخدم هذا الغنى التعددي وتُحصّن الاتحادية بين أبنائه عبر توسيع هامش لامركزيتهم الذاتية، فكل لامركزية في القرار عن اللبناني الآخر، هي في حقيقتها مركزية في وحدة الشعور الوطني والانساني، كونها لا تنبع من كبتٍ أو قهرٍ، بل من كل إرادةٍ حرّة، وكلما ابتعد الأخ عن أخيهه كلما حنّ إليه، وكلما التصق به كلما شعر بالضيق والاختناق، فكما يقول جبران خليل جبران “إنما اتركا بينكما بعض فسحاتٍ لتلهو فيها رياح السماوات”…
لبنان مقبرة الإيديولوجيات المستوردة، فجوهر إيديولوجيته الحقيقية والوحيدة هي الحرية، وهذا هو سبب وجود كل هذه المجموعات الحضارية على أرضه، وتأثير ثقافة لبنان على أبنائه تبقى بالنهاية أكبر بكثير من تأثير الثقافات الخارجية التي لا تأخذ في الاعتبارات سوى ظروفها ومعطياتها الذاتية، لا معطيات لبنان.
لقد آن الآوان بعد كل الذي جرى، أن يعي الشيعة اللبنانيون، وخصوصاً مجتمع “الحزب”، أن لبنان هو ملجأهم الوحيد عند الملمّات، وأن شعار “لبنان أولاً” ليس مزحة أو تجليطة، بل هو حاصل جمع تجارب مريرة واختبارات خطيرة لطوائف قبلهم، جربّت المجرّب ووصلت إلى هذه النتيجة. فكل الخصومات السياسية في لبنان، لا تعني عداوات كما أقنعَتْكم بذلك العقائد السياسية الشمولية، بل هي من ضروريات وجوده، ومن جوهر الحرية والعمل السياسي الديموقراطي فيه، وهي تحولّت في لحظةٍ إنسانية ما إلى احتضان وتفهّم، مع كل المآخذ على موضوع التفرّد بالقرار، بينما كانت كل التحالفات والصداقات والأخوّة والتعاون والتنسيق مجرد شعاراتٍ، وفي حقيقتها عداوات ومقايضات وبيعات وشراوات.
رحم الله السيد نصرالله، وآن الآوان بعد اغتيال بشير ورفيق وكمال والسيد نصرالله وسواهم، أن نعي أخيراً أن الدولة هي ملجأنا الوحيد، وأن السلاح ليس فائض قوة، بل قد يكون فائض ضعف، خصوصاً إن لم يقترن بكرامة الإنسان وحريته، وأن تطوير نظامنا وجعله أكثر مرونة وعصرية وانفتاح واتحادية ليس هو الجريمة، بل الجريمة هي في اعتناق أفكارٍ شمولية متحجّرة شديدة التركيز، انكسرت مع هبوب أول ريح.