طريق الخلاص من مقالع الرجاء والصمود هكذا تُبنى الأوطان!

حجم الخط

الهدف واضح. الرؤية واضحة. التشخيص أوضح. والحلّ المطروح واضح أيضًا. لكن ما ليس واضحًا حتّى الساعة هو: كيفيّة الوصول إلى هذا الهدف. فخارطة الطريق ليست واضحة. والإشكاليّة تكمن في كيفيّة تنفيذها. ولم يعد هنالك أيّ اختلاف بين اللبنانيّين أنّ الوضعيّة السياسيّة التي تحكم راهنًا هي غير صالحة. ولو أنّ بعضهم لم يجاهر بذلك. إلّا أنّ جرأة الاعتراف بذلك من قبل اللبنانيين كلّهم لا زالت حتّى الساعة ناقصة.

لعلّ سبب عدم الاعتراف بذلك من قبل اللبنانيين يعود إلى كون الذين يتحكّمون بالسلطة يستأثرون بخيرات الحكم وجنّاته. ولا يستطيع هؤلاء، الذين يتكتّلون تحت عباءة ما اصطلحوا هم على تسميته “محور المقاومة”، الاستمرار في وضعيّتهم النّعاميّة. ففي نهاية المطاف النّاس توّاقون لحب الحياة، وليس الموت فداء لأحد. ولو أنّ جمهور المقاومة لا يزال حتّى الساعة يجاهر بـ”ثقافة الموت على طريق القدس” بطرائق مختلفة، إلّا أنّ معظمهم يرنون إلى الحياة لأنّ الإنسان مفطور على الحياة وليس على الموت.

لكنّ السبيل للوصول إلى إقناع الآخر بغلبة ثقافة الحياة لا يعدو كونه قائم بممارسة الفعل بحدّ ذاته. فطبيعة التعدّديّة اللبنانيّة تفرض العدوى المجتمعيّة نتيجة التخالط المجتمعي. فحتّى العادات والتقاليد امتزجت، وهذا ما يعزّز حقيقة تعدّد الهويّات المجتمعيّة. هذه النظريّة التي تقوم على أساسها الكيانيّة اللبنانيّة وتستمرّ. لذلك لا يمكن لأقليّة تمجّد الموت أن تبقى وتستمرّ في محيط أكثريّ يؤلّه الحياة. فعاجلًا أم آجلًا عدوى الحياة ستنتقل. والموت مع ممجّديه سيُغلَبون.

 

تصويب مسار الثقافة الوطنيّة

قد تكون هذه الخطوة الأولى للوصول إلى خارطة طريق الخلاص، ولكنّها الأصعب. وبالطبع وحدها ليست كافية، بل نحن بحاجة إلى إعادة بلورة مفهوم الدّولة. وهذه العمليّة قد لا تقلّ صعوبة عن الأولى، لأنّ هذا المفهوم قد تمّ ضربه نتيجة بناء العقل اللبناني على قاعدتي النفعيّة والمصلحيّة. وبذلك سقط مفهوم الشأن العام وغلب عليه مفهوم الشأن الخاص.

هذه هي العقليّة التي يجب العمل على تغييرها، وهذا التغيير لا يتحقّق إلا بإعادة صياغة منظومة القيم التربويّة بالكامل. وإن نجحنا بتحقيق ذلك ننجح حتمًا بنقل العقل اللبناني إلى مكان لا يمتّ إلى الواقع الحالي بصلة. ولا يعتقدنّ أحد أنّ هذه المسألة مستحيلة. فيكفي استرجاع “العشرين يوم ويوم” التي مَثُلَ فيها بشير الجميّل رئيسًا للجمهوريّة، بحيث عاد الانتظام المؤسّساتي بسحر ساحر لأنّ رئاسته كانت هيبة وليست هبة من أحد، وهذا ما نحن بحاجة إليه.

المرحلة التّالية تكون ببلورة رأي عام وطني وسيادي. أي بمعنى آخر لا يمكن بعد اليوم أن نطالب بتحرير السيادة اللبنانيّة بوجود لبنانيين هم أنفسهم مرتهنين لغير وطنهم لبنان. لذلك، مسؤوليّتنا كفاعلين ومؤثّرين في الوسطين المجتمعي والسياسي أن نبذل جهدنا لإقناع النّاس بقدرتهم على إحداث هذا التغيير. والمسألة هنا ترتبط باستعادة الثقة الوطنيّة بالذات، وهذا ما قد يُترجم بعمليّة الاختيار في الانتخابات النيابيّة، لأنّ الدّستور اللبناني ينيط بالنّائب مسؤوليّة الاختيار والقرار عن ناخبيه. وفي حال كان خيار الناخب خاطئا لا يمكنه إلقاء اللوم على الأشخاص الذين سماهم.  أمّا في حال اختار المرشح الصح آنذاك يمكن محاسبته. وهذا ما سينتج حتمًا مجلسًا نيابيًّا متجانسًا، يستطيع أن يتّخذ قرارًا من دون أن يتمّ تعطيله. والأهمّ من ذلك كلّه، أن هذا المجلس سينتخب رئيسًا للمجلس النيابي يديره بطريقة دستوريّة مؤسّساتيّة سليمة لا رئيسًا يحوّله إلى مؤسسة يديرها انطلاقًا من نفعيّته الخاصّة ومصلحة فريقه السياسيّ.

 

تكتّل الجمهوريّة القويّة نموذج حقيقي وحيّ

الأكيد أننا لسنا بعيدين عن تحقيق هذه المرحلة. فنهج العمل المؤسّساتي بات أكثر من واضح في عقر المجلس النّيابي. وهذا ما يترجمه عمليًّا تكتّل الجمهوريّة القويّة مع مجموعة من النوّاب السياديّين المعارضين لهذا النّهج في التعاطي المؤسّساتي الساقط. وعليه بات الرأي العام قادرًا على التمييز بين النّاس بشكل جليّ، وأيضًا بات يدرك تمامًا من الذي يحمل شجونه وهمومه ويعمل لإيجاد الحلول النّاجعة لمشاكله. لذلك، تخشى هذه السلطة المتسلّطة من أيّ انتخابات تقرع أبوابها الموصدة، فتعمل على إبطالها بشكل قاطع كي لا تتزعزع أوكار فسادها بعدما تطيح بها بالكامل.

انطلاقًا من ذلك، يبدو طرح الانتخابات النيابيّة المبكرة في هذه المرحلة غير آيل إلى التنفيذ لأنّ مفتاح القرار هو بيد مايسترو هذه السلطة نبيه برّي.

إلى ذلك تبدو سلطة الأمر الواقع في عجلة من أمرها اليوم لانتخاب رئيس للجمهوريّة يستكمل سيطرتها على مؤسّسات الدّولة اللبنانيّة بهدف عمليّة التطويع الكامل للدولة العميقة. وهذا ما تتصدّى له قوى المعارضة السياديّة. مع إدراك السلطة المتسلّطة بأنّ موازين القوى الدّوليّة والإقليميّة هي في حال انقلاب كامل، ولن تكون بعد اليوم لمصلحتها، أكثر من ذلك تبدو مستعدّة لأن تقدّم أثمن الأضاحي مقابل احتفاظها بمكاسبها في الدّولة اللبنانيّة.

 

التيئيس بالديموغرافيا ساقط واليأس مرفوض

لا يكون الوصول إلى طريق الخلاص ممكنا إذا رضخنا لعمليّة التيئيس الممنهج التي تخوضها هذه السلطة المتسلّطة والمتسلبطة. فبعد سقوط مفاعيل مواجهتها السياسيّة والعسكريّة والتخويفيّة والتخوينيّة انتقلت اليوم إلى حرب تيئيسيّة من نوع جديد تجلّت في الحرب الديموغرافيّة. وعادت لغة الأعداد والأرقام لتغزو قواميس مصطلحاتها السياسيّة – المجتمعيّة. وعاد العزف على الوتر العددي على حساب التعدّدي ليسيطر في الميدان السياسي.

سياسة التخوين وتهم العمالة مردودة مضاعفة ملايين المرّات إلى مطلقيها. ولا سيّما أنّ القاصي والدّاني بات يدرك مدى غرق هؤلاء، من رأسهم حتّى أخماص أقدامهم، بالعمالة والارتهان لمحور بكامله. وهم أنفسهم يتباهون بارتهانهم هذا. فإن كانوا يحاولون مساواتنا بهم ففي هذا يسقطون عنّا صفة المظلوميّة.

 

مجتمع يموت لا يبني وطنًا

ندرك تمامًا أنّ اللبنانيّين جميعهم يرفضون هذا الخطاب الساقط كمطلقيه بعدما انتهى زمن الحرب، ومقلع البيئة المنتجة للعملاء بات عنوانه معروفًا. فقليل من التواضع لأن هذه العنجهيّة والتعالي والفوقيّة لم تعد تنفع في ظلّ مجتمع يموت مئة مرّة كلّ آن. لقد آن أوان التحرّر، فخيارات الموت والدّمار والتهجير قد سقطت بفعل الأمر الواقع. والمظلوميّة لا تكون خيارًا. لأنّ هذه الحرب التي اختارها بعضهم وأيّدها بملء إرادته لا يمكنه أن يمنّن اللبنانيّين بمظلوميّة وقعت عليه من قبل عدوّ لا رحمة في قلبه، والأكثر ذهب هو بنفسه إلى حربه وهو مدرك عدم تكافؤ موازين القوى. دستورنا قائم على مبدأ التعدّديّة وليس العدديّة. ولن يستطيع أحد تغييره إلّا بإسقاطه. ومتى سقط الدّستور سقط الوطن.

 

نهجهم زائل والقيامة آتية

الأوطان لا تُبنى إلّا بالتضحيات. ومَن يضحّي لغير وطنه لا يمكنه أن يبني وطنه على حساب تضحياته لغيره. ومن يمنّن أترابه بما قدّمه يومًا لوطنه فالتّاريخ سيكشف زيف أضاحيه هذه لأنّها لم تكن يومًا خدمة للوطن الذي يستخدم جغرافيّته ليصنع تاريخ جغرافيّا أكبر منه. هذه الرؤية للوطن هي رؤية ساقطة. لبنان وطننا. وليس وطننا لنا. نضحّي للبنان وللبنانيّين ولا نمنّن أحدًا بما قمنا به عبر التّاريخ لأنّنا قمنا بما تمليه علينا وطنيّتنا، وانتماؤنا الهويّاتي الكياني. فلا تُحرّكنا إيديولوجيّات الغرب. ولم تأسرنا يومًا مبادئ الشرق. لبنانيّتنا وحدها تحرّكنا.

صحيح أنّ درب الجلجلة قد طالت. وصحيح أيضًا أنّ آلام الصلب كبيرة جدًّا. لكنّ إيماننا بأنّ لحظة واحدة من فرحنا بقيامة الوطن ستفوق آلام الصلب كلّها. ويقيننا أنّ القيامة آتية لأنّنا نتقن فنّ الصبر حتّى النهاية ونعرف جيّدًا كيف نصنع مقوّمات صمودنا، وسنخلص حتمًا. لسنا بحاجة إلى منّة من أحد.

صامدون طالما أن الدّماء تسري في عروقنا. صامدون طالما شيبنا قبل شبابنا مستعدّون للتضحية بعد. صامدون لأنّنا خلقنا لنشهد للحقّ لأنّنا والحقّ أكثريّة. صامدون لأنّ “المعلّم” قال لنا 365 مرّة لا تخافوا في كتاب الحياة الذي تركه لنا. على نهجه سائرون حتّى القيامة لأنّنا أبناء الرّجاء والحقّ والقيامة.

كتب د. ميشال الشمّاعي في “المسيرة” ـ العدد 1754​

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل