.jpg)
يُشبه الحديث هذه الأيام عن “رئيسٍ توافقي”، التجديد لإميل لحود بـ”التوافق” عام 2004 إثر صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1559، الداعي لانسحاب النظام الأسدي من لبنان وحلّ جميع الميليشيات المسلّحة على الأراضي اللبنانية.
في تلك الفترة قرّر الرئيس الشهيد رفيق الحريري السير بالتمديد تلافياً لوقوع أي فتنة لطالما هدد بها محور الممانعة لقضم المواقع الدستورية، على الرغم من كل التضييق الذي تعرّض له الحريري طيلة عهد لحود. لكن النتيجة كانت اغتيال الحريري الأب وإقصاء الحريري الإبن، وتمدُّد العهد اللحودي البائد لما بعد ثورة 14 آذار، ووقوفه سدّاً برلينياً منيعاً أمام رياح التغيير التي عصفت بلبنان نحو السيادة والحرية والاستقلال، وحالت دون إجراء جردة محاسبةٍ قضائية وسياسية كبيرة لسنوات الاحتلال التي مضت، بحيث أدّى هذا التمديد إلى إبقاء القديم البائد على قدمه، ومحاولة القوى السيادية التأقلم مع الواقع الدستوري القائم عبر تقديم مزيدٍ من التنازلات، عوض أن يكون العكس، وصولاً إلى كل ما بلغه الشعب اللبناني اليوم.
الأمر ذاته تكرر خلال حرب تموز 2006، بحيث قررت السلطة حينها استخدام سياسة الترقيع وأنصاف الحلول وتمرير الوقت. فمَن منّا لا يذكر ذلك الجدل البيزنطي الكبير الذي سبق ورافق استصدار القرار 1701 عندما حاولت دول العالم الحر إنقاذ اللبنانيين من لوثة السلاح غير الشرعي عبر استصدار قرارٍ دولي تحت الفصل السابع، لكن إصرار السلطة السياسية على الترقيع وأنصاف الحلول والتحايل على الزمن والحقيقة أدى الى صدور القرار 1701 تحت الفصل 6 ونصف، في سابقةٍ قد تكون الأولى في تاريخ قرارات الأمم المتحدة، وهذا ما عاد اللبنانيون ودفعوا ثمنه اليوم مع كل الفوائد المتراكمة منذ عام 2006.
ما يحصل في موضوع انتخابات الرئاسة هذه الأيام، يُشبه تماماً هذه الألاعيب الخفيّة التي أتقنها محور الممانعة وبعض السياسيين المرتبطين به، استراتيجياً، أو مصلحياً أو ذمّياً، وأوصلت اللبنانيين إلى هذا الواقع المرير. فالتوافقية التي يتحدّث عنها هؤلاء، تُشبه تماماً “التوافقية” الكبيرة التي أدت إلى التمديد لإميل لحود عام 2004 بغالبية 100 صوت وأكثر، وكانت مجرد عملية تزويرٍ كبيرة للتاريخ الدستوري في لبنان أعاقت قيامة لبنان الجديد الذي حلم به اللبنانين.
لكن بعدما تدمّر كل شيء تقريباً في لبنان، ولم يعد للكثير من اللبنانيين ما يخسرونه، لا ودائعهم، ولا خدماتهم الاستشفائية والاجتماعية، ولا بيوتهم، ولا كهرباءهم، ولا أمنهم، ولا سيادتهم، ولا استقرارهم، ولا بناهم التحتية، ولا حياتهم، ولا أعمالهم، وبعدما جربّنا المجرّب عشرات المرّات ووصلنا إلى النتيجة ذاتها، حان وقت التفكير بحل جذري للمشكلة اللبنانية لا حل ترقيعي، خصوصاً بعدما صارت المعادلة السياسية والمجتمعية والاقتصادية والأمنية في لبنان معادلةً صفرية، لا “توافقية” ولا وسطية فيها.
لبنان الجديد الذي يُفترض أن ينبعث مع الرئيس الجديد مثل طائر الفينيق بعد كل الدمار الذي ألمّ به، هو لبنان السلاح الشرعي فقط، ولبنان الازدهار والإعمار والمحاسبة والعدالة والشفافية والمساواة والقانون وإعادة الودائع المسروقة، فكيف يمكن لهكذا لبنان جديد أن يقوم برئيسٍ للجمهورية يأتي به رموز العهد القديم البائد الذين يختبئون اليوم تحت شعار التوافقية لإعاقة أي محاسبة وأي تغيير، وأي إصلاح، ولمجرد إبقاء القديم على قِدمه حمايةً لمصالحهم القديمة في العهد الجديد؟.
التوافقية ليست شماّعة يستخدمها بعض رموز العهد البائد غبّ الطلب لتكريس قديمهم اللاتوافقي واللاميثاقي واللادستوري واللإصلاحي واللاجديد في العهد الجديد، والتوافقية ليست مجرد شعار فارغ المضمون، ولا هي مجرد مرشح أو لائحة مرشحين بلا طعم ولا لون ولا رائحة ولمجرد فرك الأيادي واقتناص الفرص والتكلم بلغة لا زبدة فيها، ولا خلاصة، ولا مضمون، ولا قرار.
فإما أن تسير التوافقية في خارطة طريقها الصحيحة، بدءاً من تبنّي المرشح الرئاسي المبادىء الدستورية العليا للدولة اللبنانية وأوّلها مبدأ تحييد لبنان “لا شرق ولا غرب”، وثانيها مبدأ حصرية السلاح، وثالثها مبدأ الإصلاح والشفافية والعدالة، ومن ثم يتم تتويجها برئيسٍ توافقي عبر الانتخاب لا عبر البصم المسبق، وإلا فمن بلع بحور الصبر على تعطيل الممانعة المتكرر والمديد، لن يغصّ بساقية الانتظار القصيرة إنضاجاً لظروف وصول رئيسٍ توافقي إنقاذي، إصلاحي، سياديّ فعليّ، لا صوري.