#adsense

سَقطةُ وطن

حجم الخط

تُثبِتُ الوقائع المتعاقبةُ أنّ الوطنَ يعاني سقطةً تراجيديةً بمشيئةٍ من صنعِ سواه، وهي سقطةٌ لها أبطالٌ دونكيشوتيّون، وأهدافٌ مشبوهةٌ لم تعدْ خافية… كلُّ ذلك نحرَ البلادَ وأهلَها، وسَمَّرَ مستقبلَ الأجيال فوقَ فوّهةِ يأسٍ قاتِل. واستنادًا، أوليس من حقِّ الذين عُلِّقوا، بالرَّغم منهم، على مشنقةِ جهنّم، أن يسألوا عن الأسباب وتداعياتها التي أودَت بالضّحايا، وكُثُرُهم أبرياء، والتي جرفَت الأرزاق، وليس مَنْ يُعوِّض، والتي نَزَّحَت مئات الآلاف، مشرَّدين، آمالُهم وحلٌ، وشَوك … ؟؟

لن أتطرّقَ الى المَشاهدِ التي تُدمي القلبَ والوجدان، فالشّاشاتُ خيرُ مرجع. لكنّني سأذهبُ، مباشرةً، الى تَقَصّي الأسبابِ التي أدّت الى مجزرةٍ في بلادي، والى استنتاجِ تداعياتِها الفالِجيّةِ التي عَقيمٌ شفاؤها، إنْ لم يكنْ مستحيلًا.

لقد قالَ المرشدُ الأعلى في إيران : ” إنّنا نقلنا الحربَ الى لبنانَ، وسواه…”، وهذا يعني، تحديدًا، وبدون شكٍّ أو تَأويل، أنّ أذرعَ إيران، وفي مقدّمها حزب الله، هي التي تدافع عن الجمهوريةِ الإسلاميّة، وتدفعُ عنها، وبالتالي، ما هي، إلًا وقودٌ للدّفاع عن سيّدها اللّاطي خلفَها، سعيدًا، سالِمًا. ولمّا كان حزب الله، أقوى الأذرع الأخرى، ينتسِبُ وجدانيًّا، ودينيًّا، وعقائديًّا، الى إيديولوجيّةِ إيران، وعلى مساسٍ استراتيجيٍّ معها، تتحكّمُ به، وتفرضُ عليه السَّمعَ والطّاعة، لذلك، لم يكنْ، مرّةً، سيّدَ نفسِه وقرارِه، إنّما هو تابِعٌ مُطيعٌ لِما يُؤمَرُ به، غيرَ عابئٍ بمصالحِ لبنان، وأمنِهِ، وسلامةِ بَنيه، فقد ورَّط البلدَ بحربٍ عبثيّةٍ جعلَت وطنَنا متراسًا متقدِّمًا تحمي به إيران نظامَها، وتستغلُّه ورقةً على طاولةِ مفاوضاتِها مع الولايات المتحّدة، ومن خلفِها، المجتمع الدّولي. ويؤكّد هذا، أنّ إيران وقفَت جليديّةَ الحِراكِ، مع تدحرجِ الأحداثِ التي تركَت حزب الله مستَفرَدًا، في موقعٍ لا يُحسَدُ عليه.

إنّ قراءةً عقلانيّةً واقعيّةً تُفيدُ بأنّ المسؤولين الإيرانيّين، ومن خلالِ تصريحاتِهم، يسعَون الى ترقيعِ وضعِهم في الدّاخلِ الإيراني، وهو ما يرجونَه، قبلَ أيِّ أمرٍ آخر. وحتى لا يتفلَّتَ الدّاخلُ، يُكمِلون في تَعاطيهم مع الأميركيّين، ويسمحون، من تحت الطّاولة، بتقليمِ أظافرِ الأذرعِ، وباجتثاثِها، خصوصًا ما يتعلّقُ بسلاح حزب الله، ضمانًا لأمنِ المستوطناتِ الشماليّة في اسرائيل، ولسلامة المستوطِنين فيها. أمّا مسرحيّةُ قصفِ الدولةِ العِبريّةِ بمئاتِ الصّواريخ الباليستيّة، فلم تكنْ سوى مشهدٍ كوميديٍّ يتكرّر، ولا طائلَ منه، فما سُرِّبَ، قبلَ حصولِه، من تحذيرٍ لإسرائيل، معروفٌ من الجميع.

إنّ إسرائيل، ولمرّةٍ غيرِ كلِّ المرّات، باتت تشعر بتهديدٍ وجوديّ صريح، لذلك، لم تعدِ الأمورُ، اليوم، تُشبه، مثلًا، ما حصل في العام 2006، فلا مهادنات، ولا تدجين، ولا تفاهم، ولا هدنة، ولا تسويات، مع حزب الله، ومع سواه، ولا قَبول بالقرار 1701، فإسرائيل تريد نَزع سلاح الحزب بالكامل. ومَنْ يعوِّل على الخلاف بين أميركا وإسرائيل، في هذا الصَّدد، هو واهِم، فلا خلافَ بينهما على الأهداف، بل على الأسلوب، بمعنى أنّ الإدارة الأميركيّة ترى في تعاطي ناتانياهو مع المواجهة، مبالغةً في العنف، ما خلَّفَ نتائجَ كارثيّةً لا يحملُها المجتمع الدولي.

إذا كانت إسرائيل تشعرُ بأنّها تواجهُ خطرًا وجوديّا، فما هي حالُ لبنان، إذًا ؟ لقد بات لبنان في عين العاصفةِ على صعيدِ مصيرِه، واستمرارِ كيانِهِ، لذلك، ينبغي، على الجميع، مقاربة الواقع بطريقةٍ مختلفة. إنّ لبنانَ في خطرٍ مُحدِق، ووجودَه على المِحَكّ، من هنا، فالمطلوبُ، سريعًا، أمرانِ أساسيّان هما : (1) عودةُ حزبِ الله الى لبنان، بتخلّيهِ عن ارتهانِهِ بإيران، وعن سياسته العدائيّة لشرائح النّسيج الوطنيّ التي لا توافقُه خياراته، وإنهاءُ حالتِهِ العسكريّة بتسليمِ سلاحه الى الجيش اللبناني. (2) أما الأمر الثاني فيقوم على مبادرةٍ لخصومِ حزب الله، ولا سيّما السياديّين منهم، الى تَبَنّي خطابٍ يشدّ الشّيعةَ، كلَّ الشّيعة، الى لبنان، لا العكس، بطرحٍ وطنيٍّ يحتضنُ الجميع، ما يُعيدُ لبنانَ الى عافيته، والى الطاولةِ العربيّة والدولية، ليلعبَ دورًا حضاريًّا في عالَم الاعتدالِ العربيّ الجديد.

إنّ عدمَ فهمِ ما يجري، ولا سيّما من الثّلاثيّ الجديد المعروف، وعدمَ الإقرارِ بما أدّت إليه الخياراتُ الخاطئة، ولا سيّما من الذين يرفعون شعارَ النَّصر، تحت مسميّاتٍ ضبابيّةٍ همايونيّة، ومن دون احتسابِ الضّحايا والدّمار… سوف يقودان الى الترحّمِ على وطنٍ ينقرِضُ، ولن يُبعثَ حيًّا.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل